رحلة أبو زيد العماني
الفصل الأولصخب على زاوية القلب ، وصخب في كل الزوايا التي ارتكبنا خطيئتها منذ أن أعلنا القطيعة مع الذين نحبهم .
في المكان الأول الذي كناه ، وكان لنا وبنا ، عرفنا للمرة الأولى أن نقرأ القصيدة بكرا وأهازيجا من الفرح المتخفي في أعماق الذات ..
كبرت القصيدة ، وكبر العمر في دفاترنا ، أيقنا أن القصيدة التي أضعناها هي ذاكراتنا التي باغتتنا حين التبست بأثواب الغموض وبتنا كأننا لا نعرفها ، وكأننا لم نكتبها معا ، ولم نغلف الصمت بكل الحكايا التي كتبناها معا ، وكأننا لم نفرح معا ،ولم نشرب أمواج العين المالحة معا .
أيها المدى الذي ينبت في السحيق من أيامنا ..
تعبنا من الترحال يا سيدي ، وشواطئنا لا ضفاف لها ..
آمنا أن الفراق حق ،وان اللعبة التي لا نملكها حق ، وان الغياب الذي كان ،هو شرط الحياة الأساسي ، وأن الضياع ضروري كما هي الحياة ، وأن المتاهة جزء من حاضرنا لكننا لا نعترف أنها ماضينا أيضا، أيها الليل الذي لا فجر له: تاهت الأقدام .. فقدت آثارها على الرمل ، والرمل منشفة الصيف الحارقة ، فكيف لنا القدرة على تخطي ما لا يتخطى ، وعلى النوم داخل مستطيلات الجحيم؟!
حين التحفنا الظهيرة ذات صيف بعيد ..
أحسسنا أن أجسادنا تحترق ، لم نكن ندرك أن الظهيرة هي متعة التوهج , قاومنا العرق الذي تطرده أجسادنا ، وقاومنا احتراقنا بالالتصاق اكثر فاكثر ، خفنا على ضلوعنا أن تتحطم ، يا سيدي ، حين تكون الرعشة أقوى من الكف لا يمكن التنبؤ بالقادم من العشق ، لم نتعب من الظهيرة لكن أرواحنا تعبت من الانكسار إلى نفسها ، عاشقان يبحثان عن نفسيهما وسط حوانيت الليل التي تقتنص العصافير الراغبة في التغريد والتحليق .
أردت الخروج من داخلي لألبسك ، أكون في منطقة محمية من الغياب ، لن أخاف من الغد ، لن أخاف منك ، لن أخاف من نفسي ، أكون أنت ، في ضلوعك أعرش كغصن ياسمين ابيض ، يختلط ببياض قلبك ، يتشكلان معا ربيعا من الروائح الطيبة التي على العالم أن يفتش عن منبعها ، أرسمك في عمقك ، أكتبك القصيدة التي احلم بها ، أضعك وردة في مزهرية رائعة ، قلبك أنا ، زهر الياسمين ، أغنية القلب ، فضاؤك الفسيح ، يكبر التخيل ..
لكن المزهرية تتحطم أمام الواقع الذي يترصدني.
أدخلك في أضلاعي اكثر ، تخافين على أضلاعك ، تحسين بهذا الدفء الذي نمارسه ، تكبر الدنيا في أحداقك ، أقول لك احبك ، لا تسمعين الكلمة ، لم أسألك لماذا؟ لا وقت للأسئلة التي تضيع ملامح الأشياء.
يسرقنا الزمن داخله ، تعبرنا الظهيرة ، كم أتمنى أيتها العصفورة لو يقف الزمن وأنت في كفي أسقيك الحب والدفء والعشق الذي أحس.
جاء الشفق بخيالاته الحمراء ، افتقدنا التصاقنا ، كان الليل ينتظرنا بمظلة الخوف ،القطط لا بد أن تعود أدراجها كي لا تفقد متعة الدخول من الأبواب قبل أن تغلق ، في روحينا كنا نشم رائحة الظهيرة التي أتعبتنا بشمسها ، فيك رائحتي ، وفيّ رائحتك ،القينا كل شيء إلي زاوية الذكريات ، نحلم بالحلم ، ونغيب في الغياب ، نمسك الشمس التي داخلنا ، نحولها إلى شموع صغيرة وملونة نتوهمها شموع أعياد الميلاد ، آخذ شمسك ادخلها أنفاقي لعلها تدلني على متاهاتي ، أقرأ نفسي و اقرؤك بوضوح الرؤية.
في متاهتك اشعر بغياب المتاهات ، الغيمة التي أثق في مطرها.
في متاهاتك ادخل ، اشعر بذاتي ، اقترب منها.
… وحين فاضت الذكريات لم يكن لها إلا الدمع تسكبه على القلب المغرق في أمسه ، أصرت الذكرى أن تبقى ، وان تحرق ، وان تقول الدمع الذي تعرفه الإنسانية منذ أن تقاتل قابيل وهابيل على امرأة هي الكون والمنفى المتوحش . يا عمرا من عمري : فات الموعد الذي حلمنا به ، وفقدنا جزيرتنا التي رسمناها على ضفاف الشاطئ . مشكلتنا أننا أمنا البحر ، حين أرسل موجه ، فقدنا ما رسمناه ، لم تتحمل أحلامنا موجة مالحة قادمة من ذلك الأزرق الذي تغزلنا به ، وآوانا على ضفافه طائرا نورس يحلقان على حافة اللون الأزرق . في المرة الأولى رسمنا قلعة ،سألتني عن الأبواب والنوافذ؟ قلت لك ، أخاف عليك من الآخرين وأخاف منك أن تزهقك أحزاني فتخرجي من القلعة ، ضحكت وقلت حتى في قلاع الرمل لا تريد أبوابا ولا نوافذ ، يا سيدي الغائب: منذ البدء كانت الأبواب والنوافذ ، ماذا صنع البشر وهم يفقدون الجدران التي تحيطهم ، والتي في داخلهم ؟! محرق توجعي ، في داخل العين ينبت ، من يحمل هذا الغيم عن سمائي ؟! تعبت من ذاتي ، من يحمل هذه الذات المتعبة ؟! من يمنحني ذاتا تكون بحجم الفرح وحجم الذكريات الجميلة التي كتبتها البشرية في تأريخها السري والمعلن ؟ ! منذ الغياب الأول إلى الغياب الأخير ، معبأ أنا بك ، وبصمتك ، وبدفئك ، لكنني احترق من الوريد إلى الوريد ، وحجم دفئك يناقضني ، ايه أيتها الغائبة ، عن حدود فرحي ، وعن تاريخ حزني ، منك أعود إليك ، أستقصي المرارة في داخلي وأقول: احبك ، افرش حدود القلب وردا وأقول: احبك ، أفرش التاريخ زهوا وأقول للمرة المليون: احبك . من النقطة الأولى تحركت داخل الكون بك ، كنت أنت ، وكنت أنا ، حبران تداخلا في كلمة واحدة ، حبر سمائك الشفافة وحبر حزني السري الذي آويته معي داخل رحم واحد ، لم أيأس حين تدفأت بك ، واختزنت العمق بك ، أي زمن هذا الذي ادخل البعد بيننا ؟! قلت لي هذا قدر العصافير أن تلتقي في السماء ، وتظل حرة مادامت في السماء ، حين تعود إلى الأرض تتبعثر في زوايا الخوف والمجهول ، تخشى رصاصة قناص .. وهذه أنت أيتها الحمامة الأخيرة ، صدى الهديل في روحي ، تغادرين السماء التي رسمتها لك في داخلي ، لم تتنازلي عن السماوات المفتوحة التي تتهيأ دوما لاستقبالك ، صرت المدى والصوت والصدى ، صرت كلي ، أخذتني من داخلك وزرعتني خارج رحم رحابتك ، لكنني أيتها السماء لا أملك إلا جبينك أتوسده ، أو على حلم أنني أتوسده ذات ربيع قادم في زمن لن نعيشه واقعا. في صمتي أستصرخ صوتك أن يدغدغ أذني كما تعود ، أن يعيد تشكيل خارطة الموسيقى ، وان يذيب جبال الجليد بهدهدات نغماته ، لكن صوتك مبحر في صمتك ، وصوتي أبكم ، والأغرودة التي أسمعتها أذني والبحر والأمواج ، صاخبة في داخلي لكنني احلم أن تتكرر أمام أذني وان كان في اللحظة الأخيرة من سفري على درب الحياة. آه يا بحري ويا سمائي ويا صوتي ويا صمتي ، ويا محيط الكون في أجزائي ، أشتاقك كأنني لم اعرف الشوق إلا على باب عشقك ، تواريت كأن الرحيل هو القدر المؤكد ، رحلت وأنت في أعماقي ، بعدت وأنت أنا .
من مجهولي أرفع ستائر الأمس لعل الستائر تنشق عنك ، في هزيع اللقاء الأخير ، كان بحرا يسكن شواطئنا ، أحسست باللزوجة التي تلتصق بك ، وبالطحالب التي نبتت على زاوية قلبك ، خفت على صرحي الذي بنيته نبضة نبضة ، ألقيت بالحقيبة من يدك ونزعت الحذاء بصمت ، هذا الشرخ الأهوج زلزلني ، حطم فيّ أعماقي.
صباحا متعبا لبارحة ممتدة في غي سرابها حتى انطفاء النجم الأخير ..
أطارد أصوات العصافير من نافذة غرفتي والقهوة على النار ، وكذلك وقع أقدامي ، رسائل حبيبتي ما زالت هناك ترشوني كلمات الغرام ،دافئة ومعطرة كما كانت منذ فجيعة الرحيل ..
تستعذب شفاهي مرارة البن المحروق في قاع الفنجان كأنها التذكر الأخير ، تبعد أصابعي حروف الرسائل ، هي مطبوعة في الكرتين الزجاجتين على جانبي وجهي، تتكاثر قطع السكر ، تتلاقح في شفتي كأنني رددت دون أن اشعر اسم حبيبتي .. الشمعة التي ماتت ذبالتها ..
وفنجان القهوة المليء ببقايا المرارة ..
حبيبتي: وأنا في المهجور من عمري أترصدك ، حبيبتي: كأنك آخر هذه المدن التي تشربني قطرة قطرة ،ليس مثلك من يستطيع أن يدثرني ، ويتوجني ، ويحرسني ، لكنك غادرت أيتها الحبيبة ، سرابا أخيرا في عمر السرابات التي نحسبها ماء ، والماء حلم العطشى الأخير قبل أن يفارقوا العمر في لحظة مزرية من زمن الملح.
غادرتني فغادرني عمري ، غادرني الزمن ، في اللحظة التي ألقيت فيها بحقيبة يدك المتوهجة ببهائها على حافة السرير أيقنت أن المكان لم يعد يؤمن إلا بالحواف ، والحواف لغة الخائفين من الآتي ، انطلق شعرك شلالا من عقاله ، كأنني أراه للمرة الأخيرة ، أسحب عيني في سواده ، وسواد القادم من أيامي بعدك ، أثارني بياض عنقك يتدفأ من هذا الليل الأسود الذي ينسدل على جانبيه .
يا نوارتي ، يا أيقونتي ، يا عالمي الذي أعيشه: كيف ينسحب العالم من أمامي ، وأنا الورقة التي تتقاذفها الرياح بحثا عن حلم مفقود؟! لا أحلم بشيء اكثر منك ، وأنت كل الأشياء التي أريدها ، احلم بك عينا وسمعا ، وقلبا يتولى صياغة العالم وردة اعثر فيها على اللون ، والرائحة التي أشتهيها.
كانت القبلة الأولى في المساء الأخير ، تدفأت بك ، انغرست فيك اكثر ، يرعبني العالم حين تكونين بجانبي فلا أريد إلا أنت ، لأنني أحس بعظمة الدفء ، وعندما تنسحبين افتقد اللون الأبيض في هذه السماوات المفتوحة أمامي ، كيف اغزلك قميص يعقوب أضعه أمام عيني فيرتد إلي بصري ؟ هذا هو الرحيل – عمري – مخضب بدمي ، ودمي هو ماء وردك الذي لقنته قلبي ليل نهار كي لا يبقى متذكرا إلا إياك.
يا زهرة نبتت في جسدي: لا يمكن مقاومة الرحيل إلا بك ، ومقاومة الريح إلا بك ، هذه النوارة التي احبها ليست ككل نساء الأرض ، أنثاي قادرة على اختزال كل النساء فيها ، وهي معي ، أشعر أن العالم لا تسكنه إلا امرأة هي أنت ، وان الجرح لا يملأ ضفتيه إلاك ، بألمي اكتبك ، بدمعي اكتبك ، بتياراتي ، بتجاويف الذاكرة ، أبقى كي تكونين في الداخل ، فأنت كل العالم ، دواخله ومحيطاته .
من سماء الذاكرة هطلت ..
من كل الغيمات ..
من المدن التي أتعبتني تفاصيلها ..
من البحار ،من الأنهار ، من الأودية السحيقة التي سكنها الإنس والجان ملايين السنين ..
قدري أن أطارد غيمة لا تعطيني ماءها ، السراب الذي يحملني من البعيد إلى الأبعد..
حملت وجهك بين راحتي وقلت: أحبك.
تصورت أنني قلت الكلمة التي يجب أن تقال في كل حين ، في كل وجودك.
أتعبني حزنك ، أتعبك حزني
ماذا أستطيع أيتها الأميرة ، أعشق الحرية ، وتعشقين الجدران والأقفاص ؟!..
هذا هو اسمي الذي لا املك أن ألغيه ، وأنت سليلة السلائل ، امرأة تملك كل شئ ، وأنا لا املك إلاها.
أدرك يا سيدتي انك الأعلى والأغلى ، وأنني الإنسان الذي خرج من الهامش القبلي ليحلم بأميرة سكناها القصور.
في لحظ اللقاء أدركت أن الحلم أقرب من العين ، قلت أن الحياة ستستمر بنا ، معا نكتب زمننا ، وهذا هو الزمن يا سيدتي يمر بنا ، الحب الذي قلنا كلمته الأولى بقي جرحا يمتد من شرق الأرض إلى غربها ، تتنازعني مساميره ، والقلب الذي كتبك عشقا بقي يمارس هوايته التي زرعتها في تربتي ، لكن أي خارطة للألم تتوزع في ذاكرتي وأنت الغائبة ، دون كل البشر.
على السرير بكيت كأنك لم تعرفي البكاء من قبل ، قلت لك: أريد أن اسمع ما وراء هذا الدمع الذي يظلم عينيك كثيرا حين يزورهما ، قلت: الوداع ، لم افهم الكلمة ، لكنني أحسست أنها مختلفة عن الكلمات التي تشابهت منها كل حين كنت تخرجين من مكاني ، الدموع أعطت الوداع طعما جنائزيا ، ارتعشت ،غامت السماء في عيني ، كيف؟ .. صرخت كيف؟ ! للمرة الأولى رأيتك نجمة تجاور السماء علوا ، واراني إنسانا يمشي على الطين بحثا عن هوية ، قلت: أنت تعرف ،ما هذه المعرفة التي تتطيرك من شجرتي التي سمقت بك ، من سمائي التي عرفت فيها الشمس والقمر والنجوم .. والحرية؟!.
هذه المعرفة التي غفلتها في عمري معك ، قلت لي مئات المرات أن لا فرق بين البشر ،أكدت لك صعوبة أن نلتقي لنكون معا ،نفترش الحياة حلوها و مرها ، أتوجك أميرة احرسها وتحرسني.
يا سيدتي ، يا حبيبتي ، لم اختر شهادة ميلادي ، خرجت إلى الحياة قدرا , ووجدت الحياة كما عرفتها قدرا ، لم اختر حتى اسمي ، ولا مكانتي في المجتمع ، عشت في الطرف الآخر ، مسحوقا أخاف أن تعبث الكلمات في زجاجي ، آويتني صدرك ، شعرت بذاتي عظيمة لأنها أنت ،أخرجتني من ذاتي لأكون ذاتك ، بك أدركت أن للسحر نافذة تطل على القلوب في بؤسها السرمدي فتحيل الكون بهجة.
يا عمقا في عمقي ، ذاتا من ذاتي ، سردابا أبحرت في نواصيه فعرفت أن للعمر معنى ، كيف انتصر على غيابك وأنا مهزوم بحضورك القوي ، باغتني غيابك رغم أنني كنت أتوقعه ذات حين ، في اللحظة التي نحب ينسحب القلب إلى مراثيه السحيقة..
إيه يا نوارة القلب ، تعبت من السفر في المنافي دونك ، حين لا تكونين الوطن يمد المنفي انشوطته إلى العنق الطليق كأنه العنق الأخير.
حبيبتي: صحوي وغيبوبتي ، منفاي ووطني ، اشتقت إليك ، عاشقا أخيرا على سطح الأرض يحلم بك ، ويمارس الواقع بك ، منك إليك ، اقترب من متاهة غيابك إلى وهج حضورك ، مدثر بك يا معشوقة الغيم ، ممتلىء بك ، كحد الرؤيا .
على حافة السرير كنت ترتعشين ، تتصارع أصابعك في كفيك ، وأنا الطريح في منافي حزنك الشفيف ، تعبت من دوار بحرك ، ومن صمتك ، لكن حزنك باغتني بقوة هذا المساء .
أمسكت بكفك ، خلتها برودة الموت تعصره ، اقتربت منك جسدا ، ابتعدت عني روحا ، انشغلت بك عن حزني ، حملت بؤسك وبؤسي ، تنازلت عن داخلي لاكون داخلك ، أميرة القلب الغارق في دمعه ..
جاءني من يخطبني.
مبروك.
غرقت في كلمتي ، تبحثين عن صدى للصوت الذي رمى الكلمة ، لم أكن أنا ، كان وحشا يربض في داخلي منذ عصور العبودية الأولى ، تفجرت الكلمة داخلك شظايا تتناسل من بعضها البعض ، رفعت رأسك المنحني ، وأزلت دمعتين تساقطتا على الخدين الذين اضاءاني منذ ألف عام ، حتى قبل أن أولد.
تنازعتني روح شقية ، أن اغرق في جانبي القمر ، ارتشفه قطرة قطرة ، لكن حزنك عميق يا سيدتي ، عميق كتلك العصور التي ولت لكنها زرعت الغربة في نفوسنا ، هذه الأميرة ، وهذا الإنسان المسحوق الذي عاش أجداده في هامش الزوايا ينتظرون الفتات كي يعيشوا ، كيف تجرأت؟! كيف تورطت في حبك ؟!
لكن قدر الأطيار حبيبتي ، قدر التعساء ، في الحب فاشلون ، في العمق فاشلون ،في الزهو فاشلون .
حبيبتي : كيف لنا أن نكون ونحن من عصر واحد نعيشه تطارده عصور لا تنتهي في أعماق الطرفين ، السيد والعبد ، البيت الكبير والهامشيات التي خرجت منذ سنوات تتفيأ أنفاس العمر بعيدا عن الخراب الذي طاردها مئات السنين.
حاولت أن اخرج كلينا من دوامة الصمت الثقيل الذي وأد حريتنا ، هذه الحرية التعسة .
قلت لك أحبك .
قلت لك انه من المحال أن أتركك تخرجين من أسواري ، وان لم تعجبك ألوانها .
قلت لي : هل في النفق بقعة ضوء ؟
أعيتني الإجابة ، دخت ، حملتني في مشنقة عالية ومنعت عني الماء والهواء ، هل يقبلني سكان القصور يا أميرة كل القصور والعصور؟
لماذا نعاند الزمن ؟
لماذا هذا الشعور بالدونية ؟
اعرف نظرة أهل القصور.
لا نملك قصورا.
لكنكم تقولون أنكم تملكون أصلا.
لا فرق بين عربي واعجمي إلا بالتقوى .
وتقولون أننا لسنا عربا.
ولكنكم لستم أعاجم .
كيف يرتبط اسم كأسمي باسم كاسمك ؟!
لا اعرف .
آه لو تعرفين ، لو حدث ذلك لهبت أعاصير القبائل من مكامنها العتية ، ستقتلع الخيام والمضارب ، سترعد السماء وتبرق من هذين اللذين يريدان المساس بهيبة القبيلة وقدسيتها.
موحشة أيتها الأعماق المقدسة ، الحب يأتي لا ينظر إلى الألقاب والأسماء ، لكنه يظل يبحث عن ارض يصلي عليها ، وأرضنا تفرق بين اسود وابيض ، بين من لا يمتلكون أسماء متقاربة ، بعض الألقاب جديرة ببعض ، وبعضها لا يلتقيان إلا في خفاء مظلم .
ليس عيبا أن أسجل اعترافي أني اشتقت إليك ، هذه الصحراء حبيبتي تبايعني قهرا وأعماقي لا ترضى إلا بالاستجابة لأول صرخة عشق منك.
يا عمرا من دمي ، وبعض رحيق نسيته الأزهار ذات مساء : باعت الأطيار أشواقها وانتظرت تحلم في زمن مجدب ، كم عذبتنا تلك الأشواك المنغرسة في أصابعنا.. كم رمينا أدمغتنا خلف الأسوار وذبحنا الحلم الوحيد كآخر طفل أنجبته البشرية .
ليس عيبا أن اعترف انك العشق والجرح ، والحب والخطيئة ، وأننا كلما أعطينا وجهنا للريح ثارت العاصفة رمادا وركاما غطى وجه الشمس.
كآخر ورقة ، أرمي بباقة من أعصابي واعتصر الجدران بحثا عن شيء ، ما عن لون ، عن زهرة عباد شمس نسيها الحطابون منذ الحقب البشرية الأولى .
في ساعات الغياب ماذا يمكن أن يقال عن زهرة سكنت الصحارى فارتدت الأعاصير واتخذت الكهوف وطنا تحتمي به من مجهول قادم تدوس أقدامه كل الألوان الجميلة.
هذا هو العمر – حبيبتي - يتسلل بعمق ،يهرب بسكون ، يفاجئنا الليل واختفاء الأقمار، ماذا بقي أيتها الحبيبة والستارة ارتدت قفازات الخوف؟ تحولت مجرما يقتفي الأثر ويبعثر لعب الأطفال بأيد خشنة .
للمرة الألف ، ارفع يدي باتجاه ضوء القمر يائسا من هذا الصبار الملتف حول عنقي ، اجرب الموت كل حين ارتديه أغطية وملابس ، وحين اهرب لا يكون أمامي إلا ورقة صفراء أنام عليها كحلم أخير في صحراء جفت الأحلام منها.
كم بقي لنا أن نحلم بصمت ؟ ونغازل قرص الشمس دون خوف من أن تصيب أعيننا بالذهول؟
حبيبتي ، والعشق بيننا بحارا سبعة ، والموج لا يتحطم إلا في الرؤوس المسكونة بأطياف الماضي .. قد يكون الوداع قدرا ، والحب قدرا ، هذه القدرية لم تأت لتنصب أشرعتها لنكون معا في قارب واحد لأنني تصورت في لحظة وهن أن القارب سيغرق لا محالة في بحار من التقاليد ،هذا الوداع يمزقني بألف صوت ، يجعل من الحنين إلياذة أخرى ، ومن الزمان والمكان أسطورة العاشقين والمشتتين ، تصدمني الأسطورة والوجوه ، ووجهك الأثير عندي ،وحين انسج عنوة قصة عشق تبدو واهية لأنها تكرار لحكاية أسطورة صورها الماضي أنها لحظة لا تتكرر لكنها ارتدت إلى أعماقنا شبحا يطاردنا بخيالات لا تنتهي.
للمرة الألف اعترف ، بحثت فيك عن الحب وعندما وجدته هربت منه خوفا ، أخافني حبك سيدتي ، زرع الرعب فيّ ، أدمى أعصابي واحرقها مثلما يفعل الدجالون مع قلوب الأشجار البيضاء ، لم تكفني لسعات قبلاته ،أحالتني أشجار اللوز في عينيك كائنا يبحث عن المفقود.
حبيبتي: يوم أن كنا معا ، كان القمر في اكفنا سجادة حرير والنجوم من حوله أوراق ياسمين ، وحين أطل شبح الغياب وحامت رؤاه من حولنا لم نتمالك أنفسنا ،أيقنت انك موجودة في كل أنثى أراها وفي كل رائحة عطر .. أدركت بعد فوات الأوان أن العطور لا تتشابه وكذلك أنت.
كل ما أدركه انك بعيدة ، وان وجهك غارب في وجه الشمس لا أستطيع أن أراه ، كنت استثنائي ، ورقة شجر مبللة بالندى والمطر.
حبيبتي: والحب بيننا محض ألم اجتث الشرايين ،دارت الأيام واستمرت تتهالك في غيها ولا يوجد شئ آخر غير أحزاننا , حين أطلت الفرقة بعنق الأفعى ، قبلتها كالمحكوم عليه بالإعدام ينتظر أنشوطة موته في كل حين لأنها القدر المحتوم.
بعد أعوام ، تتداخل لهفتي إليك كأنك لم تدخلي غيابك إلى جحيمي ، من منفى إلى آخر أترصدك أيتها المرأة الوطن ، في فجري ، في صحوي ، في مسائي ، أنت كل الساعات وكل الأزمنة التي كانت والتي ستكون ، من محبتك كنت اغترف الماء للقادم من العطش ، لكن _سيدتي _ ماؤك _ بغيابك _ مالح ، وحلقي يابس حتى التكسر.
استبقيت كفك ذلك المساء ، وأنا الغريق الذي يتمسك بكف تنتشله من الماء المهلك ، دخلت شياطيني إلى المكان ، خرجت من ضياع الروح وتمزقها إلى حضور الجسد ، جسدك كان طريا وغضا ، مسحت الدمع من وجهك وأغرقته قبلاتي ، كنت تنازعين البقاء بين يدي اللتين تحولتا سورا يمنعك من الهرب إلى عالمك الجديد الذي لا أكون فيها إلا ذكرى .
آه يا أيقونة الليل أيتها المتحدة مع دمي ، يا وردتي الشفافة الضاحكة ،كيف أستطيع أن أكون وأنت كينونتي؟! وكيف أستطيع أن أرسم الكون وأنت كوني؟! بدونك ،هل بقي لليل سحره وللسماء زرقتها؟!.
يا فراشتي الجميلة: قلت لك احبك وفي القلب دمعة تنساب دم وعطر أغرقني في سبحاته ذات حين من الدهر .
غادرني الدفء الجميل فغادرتني روحي إذ غادرتك ،تسبحين في داخلي وأنت جرحي الشفاف الذي لا أمل منه ، يا تعبي ، تعبت من داخلي ، فأين لي في هذا الكون بوردة الخلود التي أغرقها حبا فتغرقني حلما ؟! هكذا عمر الفراشات ، الأقحوان الطائر في المساءات السعيدة ، قبلة ، أخري ، لا أدرى كم قبلتك في ذلك الفائت من فرحي ، في ذلك الفائت من الوداع الأخير الذي صعقتني تغيرات كونه ، أردت أن الثم شعرك ،لوحة لوحة ، تأخذني عيناك الحائرتان في إغماضة الجسد ، تتوتر شفاهك تحت ضغط شفاهي ،الأسنان ترتطم ببعضها رغبة في الخلود داخلي ، لكن أعماقي مسكونة بكل رحيقك الذي تعرفت عليه في صباح قائظ ، هذه اللحظات لا تختلف في ما مضى من عمر الاكتشاف إلا في أنينك الذي أحسه ينغرس في جسدي لحظات صراخ جسدك المتفجر ..
في صباحك الذي كان ، في الحلم ،اللقاء الأول الذي أسميناه حلما ،كنت ارتجف من هذا الحلم الذي سيجمعني بك ، بعد زمن ألححت عليك فيه كثيرا ، أن أراك ، أن اشعر معك بهذا الطائر الذي يكاد يقفز من صدري ليكتب اللحظات بك ،كنت عصفورتي الأحلى ، مملكتي التي هي اقرب الي مني ، كنت ترتجفين كقطة بللها المطر ، عيناك زائغتان ، تغسلين المكان ، عيناك واحتي التي حلمت بها ، هي ملكي أنا فقط ، الآن أحسهما عيني ، وأحسك مملكتي ، وأحسك ملكتي ،أحسك يقيني الذي افتقده منذ ان جئت إلى الأرض المسكونة بنقائضك.
حبيبتي : لأول مرة أحسها هذه الكلمة تتصاعد في عمري بهذا اليقين الثوري المتعطش للعشق في عظمته ، باركت خطوتي بك ، نظرت إليك ، حمامة جفلى ، تترقب الخطوة الأولى ، أنا وأنت ، عاشقان لفهما المكان في سرابيله ، عمري الذي أجده ، القلب النابض بك ، اقرب منك الي ،لا أتصور اللحظة ، كأنها زمن مقطوع من العمر نجده فجأة يصرخ أمامي ، يا وردتي الأحلى ،اقتربي ، كي نصنع قمرا جديدا في حياتنا ، لكن الحمامة تغوص في حنان حميمي ، ترتعش عصفورتي، أتناول يدها ، باردة كأن الدم انسحب منها ،احتفظ بأصابعها الصغيرة ،اضغطها بقوة ، للمرة الأولى ، المسهما بيدي بعد ان لمستهما ملايين المرات بعيني ، تتألمين ، اضحك من ألمك ، لكنه الحب - أميرتي - ارتعاشة كفي وكفك ، زمني الهارب إلى زمنك .
أنا - شخصيا - لا اصدقها ، لكن يكفي انك معي ، لا أحد من أولئك البشر يحصي علينا أنفاسنا.
اللحظة تنتهي.
مثل العمر كله .
الثم يدها ، اسكب أول قبلة على ذا الجسد الغني بعشقي ، بهذه اللوحة التي لم تفارقني منذ أن عرفت الطريق إلى معبدها ، استكانت يدها على شفتي ، حسدت شفتي على يدها ، حملتها ووضعتها على صدري ، آه من يد هي البلسم العظيم لحرائق القلب ، أمررها على عيني ، على وجهي على صدري ، أعيدها إلى شفتي ،تعطيني يدها الأخرى ، تمسح على رأسي ، أرجوك أيتها الغالية ، دثريني بمحبتك ، ساعديني كي أنسى أمسى ، كي يقف الزمن بك ، لملميني جرحا جرحا ، ساعديني أن أشفى من ذاتي ، أن أنسى الماضي الذي ادفع ثمنه من إنسانيتي ، أريد أن اخرج من هامش الإنسانية إلى جوهرها ،أنا المنكسر بأمسي ، المتعب بحاضري ، الخائف من غدي ، كلي بين يديك ، بين محبتك ، استجدي الاهتداء في عتمات الدروب ، وأنت دربي الخالص ،وأنت ذاتي التي ابحث عنها ، تلك التي اعرفها قبلك لا أريدها ، أريدها ذاتا لا تعرف إلا أنت ، مجتثة من ماضيها ، من تاريخها المدان ، من عبوديتي استصرخ الحرية بك ، ومعك .
أدخليني في زوايا رحيقك العذب ، لعلني – سيدتي- ادخل أبواب إنسانيتي معك .
أيتها العطرية ، فجري قلقي ، فجري محبتي ..
ادخل في زواياها ، يضغط الصدران على بعضهما ، تتلاقى الضلوع ، تتداخل ، نغمض عينينا على هذا الحلم اللذيذ ، هربا من واقع يترصدنا بالفرقة ، من عتمتي الشقية إلى حزم ضوئك ، اخرج متوهجا بهذا الدفق النوارني الذي تسكبه روحك ، وجسدك بين ذراعي يحملني إلى حدود الكون وجها استثنائيا ، حبيبتي ، يا لغة البوح في شفتي ، أعطيني هذا الجسد البهي لأرتقي إلى روحك البهية ، وبيننا قرون الاغتراب كبشر من طينة واحدة ، لماذا إذن هذا الجسد يدخل في عمقي كأنه مني ، لماذا جسدي يغازل مكوناته الداخلية كأنني أنت .
أيها البوح الشقي : اغزلني كما تريد ، خذ أنفاسي العطشى إلى ينابيعك الشهية ، اختزلني ، زلزلني ، اكتب أغنياتك ، أطلق مواويلك في هذه الصحراء المتسعة كأحلام الطفولة .
تعبت الشفاه من التلاقي ، احتضنها اكثر كأنها الباقي من الحياة ، ألهبت صحن وجهها بآلاف القبل ، اهبط الي عنقها ، آه ، ما أبهى هذا الكون ، هذا البياض الأسطوري في رائحة زكية لا تخطئها الأنف على بعد مئات الكيلومترات ، أنثاي التي اعشقها ، ألهبها حبا ، وهي المستثارة بأريج الجسد ، النهدان يلسعان صدري ، يفجران كل البراكين المختزنة منذ آلاف العصور ، ناعمان وعنيفان في نفس الوقت ، أخالهما يريدان التحرر من القميص الحريري ليدخلا الي قلبي ، يستوطناه لملايين السنين ، آه حبيبتي ، من هذا التفجر الذي لا أرى في الكون إلا اياه ، وأنت ، من اللحظة الأولى التي شاهدتك ، كانت عيناك وتكور هاتين الحمامتين أنوثتك التي أدارت آلاف الأعناق إليك ، خفت أن أكون الخيار الأخير بين عشرات العشاق الذين يلهثون وراء ابتسامة الأميرة ، وفي لحظتي هذه ، هما معي ، يرتويان من صدري ، يسمعان دقاته التي تسبح حبا بك ، أصابني الدوار ، وأصابك ، جلسنا على حافتي السرير ، وفي الجسد ثورة لم تهدأ بعد ، ما زالت الحمم تغلي داخل تجويف القلب ، لا بد لها من انقذاف إلى خارج الضغط الذي احسه وتشعرين به على امتداد جسدك ، من كل خصلة شعر فيك ، إلى هاتين القدمين الذين طالما تتبعت صوتهما يعزفان على الأرضيات الصلبة وأنت تقتربين من مكتبي .
نظرنا إلى بعضنا ، اختزلنا في نظرة كل الكلام الذي يجب أن يقال والذي يجب أن لا يقال ، اقتربت منك ، أخذت رأسك بين ذراعي ،شاهدت زجاج العينين ، لماذا تدمع أعين الأميرات ، خلت انك سمعتها ، دسست رأسك في صدري ، لا ادري كم من الوقت مر ونحن على حالتنا تلك ؟
على السرير تقاوم المدن التي أغرقتنا في سماء مطيرة ، أمطرنا بعضنا البعض قبلات ، كأنها الفراق سيدتي ، ولا بد من كسر البوابات الحديدية ، لأول مرة أقبلك بهذه القسوة ، واعصر جسدك كما أريد ، واستبيح مفاتنك الواحد تلو الآخر كما أريد ، قبل يومنا: كانت سماء الوجه وحدها المتاحة لقطف نجيماتها ،حيث الروح وحدها الطليقة ، ما له جسدي اليوم يحمل نزق الثورة ؟ هل أحس الجياع أن الثورة تجتازهما وعليهم أن يعيشوا الزمن كما هو لا كما يحلمون به ، هذا الثائر داخلي لا يشبع من أرضه ، لا يمكنه أن يدع اللحظة تمر دون أن يتحول إلى فاتح .
أيتها المدن الساحرة : ضميني في أغصان وردك ، باركيني ملكا متوجا على هذه الأرض البكر التي اغتسل بها كأنني وحدي على هذه الأرض .
من سماء إلى أخرى ، احمل نزقي وأتوحد بك .
من غيمة إلى أخرى اقفز جذلا من هذه المدن التي اطل عليها ، أنا المدني من الأرض الخصبة ، من الأراضي العالية التي تطل علينا عبر التاريخ من الشبابيك العالية ، أنا المفتون بأقمار تطل عبر فتحات القصور إلى بائعي الفجل وعمالهم الذين يخدمون في كل شيء ، أنا المتعب بأنفاس أمسى أتلظى نعيما في بركان أنفاس الأميرة التي عرشها الجمال والمكانة الاجتماعية الفاخرة .
وحدي الملك الآن .
أنا.. على عرشي اقف .
احمل عشقي سيفا وادخل به المدائن التي رفضتني .
أجوس في الديار بحثا عن الغائب في أعماق كل تاريخي .
وفرسي جامح .
وأنا الخيال انفخ أبواب النصر في كل الأوهام التي عاشرتها منذ أن وعيت على رؤية أجدادي يقبلون الأيادي ، ويسعون في خلف القوم ، ويدورون في تجمعات العشائر يصبون القهوة ، والسوط يقتات من جلودهم.
أنا المسكون بأمسي والمعذب به .
احمل أشباح أمسى معي ، وعقد هزائم سلالتي وانكساراتها.
يجرفني التيار .
..الحب .
..المتاهة .
لعبة التوهان داخل علبة ضيقة .
أنفاسي تلهب أعماقي .
ابكي وأضحك من الفرحة .
أنا لست أنا .
أنا آخر .
غيري الذي كنته .
غيره الذي كان .
يشرب روح حبيبته .
يفجر أنهارها دما ، لا يبالي أي غرس قطعه بمنجل الشهوة والنزق .
متعب أنا يا حبيبتي .
ادخلي جسدي إلى أعماقك لعلني استريح .
علقي مشنقتي على حبل طهارتك ، أطلقي علي رصاصة الرحمة .
من بوحي استرق السمع إلى وجيب قلبك داخل قفصه الأبيض .
داخل أمسي الأسود .
أيها العمر الذي اجتزته من سطور هذه الأنثى .
أي ليل شقت سماءه لظيات البرق؟!
أي تاريخ هذا الذي يردني إلى الخلف ثائرا أحمقا ، يضع ملحه الأسود على جرح حبيبته؟! ..
يضع بؤسه وضجيجه المأزوم داخل هذا الألق النوراني الشفاف .
ساعديني كي اجتاز نفسي بحثا عن أقمارك.
معبأ بك وحدك .
جسد ممزق أنت الروح فيه .
ذاكرة نازفة من زمن الرق .
وضعت رأسي بين يدي ، سافرت في مدن بعيدة ، وحدي وبكائي ، لا ادري على أي بؤسي بكيت .
كل ما املكه من نبض جدير أن افجر روحي بكاء عليه .
طفت على مدن سوداء ، رأيت فيها أشباحا تفتح أفواهها نحوي ، تقتات على جسدي شريانا شريانا ، تشرب روحي قطرة قطرة.
أفقت ، لا ادري بعد متى ، كان السرير ممتلئا بجحيمي ، وردتي غادرت ، طوت ما استطاعت عليه من أشلاء خلفتها أعاصيري ، آثار الطوفان أبقت على آثار تكفي للبكاء مليون عام ، وردتي حملت جرحها وأبقتني على أكاليل الهزيمة ، الثورة ارتدت على ثائريها ، أكلت كل أرواحهم ، ضاع الجسد ، اسقط الروح في حفرة ، هذه الشفافة الرائعة حملت حاضري ومضت ، أي ريح هذه التي تنتظرها في باقي أيامها ؟!
حملت جسدي ، وخرجت أفتش عن ذاكرة مخدرة أضعها في رأسي لعلها تنسيني مرارتي التي احسها تحفر الأرض من اسفل قدمي .
شربت كثيرا ، وضحكت كثيرا ، وبكيت كثيرا ، وفي صباح تال ، أو ربما مساء تال ، خرجت من نفسي لألتقيك ، الجرح فاتح ذراعيه بالوصيد .
وعبقك في جسدي .
فتحت عيوني وفمي .
أحسست أن روحي تخرج ضمن ما القيه في نفس الفراش الذي اغتلت فيه روحي.
|
|
|
|