رحلة أبو زيد العماني

الفصل الثالث

الرئيسية

أستطيع المشي بملء رئتي هذا الصباح ، من سفر الروح إلى سفر الجسد ، اقف وحدي مملوء بنفسي فقط ، اشتريت كومة من الجرائد وكتاب جيب من أشعار نزار قباني لم يكن ضمن مجموعتي ، تزودت بإفطاري من فلافل وخبز أو كما يسمونه "العيش".

رددت على تحية البواب المبالغ فيها ، سمعت صوته يأتي ورائي : "ما تتعبش نفسك يا بيه ، لو عزت حاجة حاجيبها لك ، أي حاجة تخطر على بالك ، أنت غالي علينا يا بيه" .

فهمت مقاصده ، لكنني ، ما زلت أبحث عن نفسي وسط هذا الزحام ،وهذا السفر القصي ، مازلت في ثاني أيامي على شاطئ الإسكندرية وأمامي اكثر من سنتين لعلي احاول فهم هذه المدينة الواسعة .

تناولت إفطاري وبدأت في قراءة عناوين الصحف ، مفاوضات الشرق الأوسط مستمرة ، أربعة يغتصبون طفلة ثم يقتلونها ، شاب يقتل والده ، امرأة تخنق زوجها ، فلان استقبل فلان ، فلان اجتمع مع فلان ، فلان تم اغتياله .

حولت بصري إلى الصفحات الثقافية والرأي ، انشغلت في مطالعتها أكثر من ساعة .

ارتديت ملابسي ، واتجهت إلى الجامعة .

البواب وزوجته يقفان أمام مدخل العمارة التي تتوسط عدة محلات تجارية في الشاطبي ، نهضا معا عندما شاهداني ، حاولت أن أبدو عاديا في ملابسي ، لكن يبدو أن روائح النفط تفوح من ملابسي حتى وان لم أعرف من النفط إلا راتبا بسيطا ، وكتلا من الهموم لنشعر أنفسنا بأننا أغنياء ولا بد لنا من سيارة وملابس جميلة وزوجة نبادلها الغرام شئنا أم أبينا حتى لا نفقد جوهر رجولتنا .

لم أبال كثيرا بالجالسين على المدخل ، وسرت باتجاه محطة الترام التي لا يفصلها عن مكان سكني سوى بضع مئات من الأمتار أقطعها لا مباليا بالمشوار بين ضفتي المحلات والباعة الودودين .

بعض الانتظار ، وكثير من الوجوه ، كان الترام قادما والزحام قليلا ، وقفت مستندا على الذراع المواجه للباب ، بائع التذاكر ، يقترب فأدس في يده عملة معدنية وأحسد نفسي على هذا المشوار الممتع بالقليل من الدفع ، عكس ما يفعله أصحاب سيارات الأجرة الذين لا بد أن تخرج وأحدكم ساخطا.

 

    1.  

 

دخلت مبنى جامعة الإسكندرية ادفع نفسي دفعا بين غابات من أشجار الأنوثة التي أينعت وحان وقت حصادها ،فتيان وفتيات يقتعدون الكراسي الطويلة بين أبنية جامعة الإسكندرية ،كل يحدث الآخر بدون عقد كالتي نعرفها ،أحاديث وضحك ونظرات وارواح حلوة كحلاوة الأجساد.

وحدي أبدو السائر في تيه قديم ، اكبر من التيه الذي اشعر به الآن ، من عين إلى أخرى ،ومن صدر إلى آخر ، اقلب بصري بين جداول الجمال بحثا عن نفسي في إيقاع الخطو، ادخل كلية الآداب ، واصعد السلالم سائلا عن مكتب الدكتور امجد ، المشرف على رسالتي ، في السلالم ادفع نفسي دفعا كأني هائم في أكوان خفية ،لا اعلم أين أنا ، يوقظني صوت العاملات من سباتي يرحبن ، ويغمزن لإعطائهن شيئا ، لا شك أنني سأعتاد هذا الأمر ، عاجلا أم آجلا ، لا مفر.

دخلت مكتب الدكتور ، رحب بي ،كانت إحدى الجميلات تقف أمام الدكتور امجد ، ،قطع حديثه معها والتفت الي سائلا عن عمان وأحوال أهل عمان ، مبديا شعورا حسنا تجاهي ،عرفني على الفتاة : هالة ، تقدم أيضا رسالتها الماجستير.

جميلة إلى حد ما بين غزلان الإسكندرية الضاجة بأنوثتها ،تميل إلى الطول ،جواد اسكندراني جموح ،ابتسمت كل جوارحي تحيي هذا الحسن الذي يصر على مقابلتي في كل مكان ،سألني الدكتور امجد عن العناوين التي اخترتها لأكتب عنها رسالتي ، قلت له اخترت عناوين لكن مضمونها متقارب ، فلسفة الجسد ، اختفت الابتسامة عن وجه الدكتور وارتبكت الفتاة مستأذنة في الخروج ، سألني الدكتور:

  1. لماذا هذا العنوان ؟

    - لأنه دال على ما أريد البحث فيه .

    - لكنه مثير ، اقصد صعب ، أتمنى أن تبتعد عنه .

    - أرجو منك يا دكتور أن تمنحني فرصة البحث عن فلسفة هذا الجسد ،الشقي الذي يمزقنا.

  2. وماذا تريد القول عنه ؟

- أريد متابعة تشكل هذا الجسد منذ لحظة الولادة ، وما هو الفرق بين وجوده ككيان نراه وبين تركيباته الداخلية التي لا نراها ، وانما نشعر بطفح شهوتها ؟ ما هي العلاقة بينه والروح وأيهما يتحكم في الآخر ؟ هل الروح هي ما تعطيه الحياة وبدونها يذهب إلى القبر ام أن الروح تنقذه حتى وهو حي ، من براثن الخطيئة ، بالطبع ما هي خطايا الجسد ، هل الجنس فقط؟ .

- شوقتني لمعرفة الإجابات ،احترم رغبتك لكنك فاجأتني بهذا العصف ،لا تنس انه موضوع حساس جدا ، وأيضا صعب.

- اعرف أن خيوطه متشعبة ومتداخلة ، أيضا تداخله مع الفلسفة ، لكني أحاول أن اقدم بحثا يختلف عن تلك البحوث التي تنتهي صلاحيتها بمناقشتها .

- إذن مر علي غدا .

استأذنت خارجا اجر خطاي في اتجاه القادم من خطواتي.

عدت إلى شقتي ترافقني نظرات البواب وزوجته وطفليه ، طافت على مخيلتي حمائم الجامعة وهالة والدكتور والوجوه التي مسحت بمرآها عيني طوال رحلتي بين الشقة والجامعة ذهابا وإيابا ، تمددت على سريري واضعا كل الصور داخل سلة رأسي ، تهت في الربط بينها ، وحاصرتني الوجوه دفعة واحدة ، حين اطل وجهها تلاشت كل الصور ، بقي وجها بهيا ووحيدا ، تقاسمت الوحدة معه ، تباعدت جدران غرفتي عشرات الأميال.

آه أيتها الغائبة إلا عن روحي ، قاسميني شتاء الإسكندرية البارد ، وشتاء نفسي الجليدي ،أريد حضورا لان غيابك مزقني ، أيتها البهية ،احلم بك جسدا يواري غربتي الممزقة بين روحك وجسدك ، روحك معي فلماذا اشتاق حضورك؟ هل حضورك هو الجسد فقط ؟!!

أغيب في تساؤلاتي معك وبدونك لأنك جوهر تساؤلاتي ، أنت كوني الذي ادخل فيه سائلا ، لكن السؤال يصطدم باللااجابة ، موحشة تقاطيع المكان حولي ، غرفتي وجدرانها البيضاء تسورني وأنفاسي مخنوقة .

 

    1.  

      تركت غرفتي هربا إلى اقرب مقهى ،طلبت الشاي وجلست أراقب ما حولي ومن حولي ، الوجوه كادحة ، لكنها تطلق ضحكتها بقوة تشعرني بغربتي اكثر ،لا أجد نفسي ، وأمامي البشر يعبرون ويتنهدون ويضحكون ، خناقة هنا ،أخرى هناك ، صبيات يعبرن المكان وفي الوجوه غيوم تحس لكنها لا ترى ، وجه أنثوي يغمز لي بالتحية ، أحاول تهميش ما رأيت ، لكن غربتي ومنفاي تضعفان مقاومتي ، ادفع الحساب ،أجد نفسي اسحب ذاتي وراءها ، اكتب رقم هاتفي على منديل ورقي أدسه في يدها ، أتجول بين الطرقات ، والهواء شديد هذا المساء ،البحر صاخب بموجه ،يداعب الموج الأكثر صخبا في داخلي ، أيها البحر : قادم أنا من سماواتي التي كانت إلى سماوات ستكون ، من ارض تباعدت عن تربتها إلى ارض أسير على تربتها ، عابر سبيل يحلم بالهدوء في داخله ، مصطخب موجي اكثر من قدرتي وأنا الوحيد والبعيد ، أسامر نفسي ، والليل وأنفاسي ،أضم صور الذين كانوا ، أحاول أن الملم صور الذين سيكونون ، مرهق بذاتي اجر خطوي إليك ،وأنا الخطو كله ، لا زماني معي ، ليس معي أحد ،حتى نفسي ، عاريا اسحب أحمالي ، وسوط الأمس يلهب روحي قبل جسدي ، آه من الروح وآه من الجسد ، كلاهما شقيان بالآخر ، لا أدرك أي منهما المعذب بالآخر ، شقي بهما ، اسحبهما معي ، وأنا الذي لا ارغب إلا في مجهول يريحني من عذاباتي ، لا أدري مم أنا معذب ؟ لكن داخلي منكو بأحماض أجهلها ، افتقد الأمس واليوم والغد ، كلها صور ضبابية في ذاتي ، قادم أنا من محيط المكان ، من هامش يلاحقني ، من مجتمع يقبلني في واجهته ويرفضني في داخله.

      روحها معي ، جسدها بعيد ، أيهما الأقرب للروح ؟! الروح تمزق الروح ،الجسد يمزق الجسد ، أحدهما يدمي الآخر ، من أكون بين صراعهما ، بين حضور وغياب ، ضائع في متاهة والبحر يرمي الي صوته فأشعر بتفجر الموج داخلي .

    2.  

 

أجد نفسي محاصرا بجدراني مرة أخرى ، اقلب الكتب التي أحضرتها وقائمة الكتب التي أود إحضارها ، فكرت كثيرا ، نهضت اعد لنفسي كأسا من الشاي ، تذكرت رقم هاتفي الذي دسسته بين يدي جميلة بادلتني نظرات الغزل منذ ساعات ، أراقب اللهب الضعيف تحت إبريق الماء المغلي ،رن جرس الباب ، كان البواب يسألني عن حاجياتي ، قطب وجهه عندما قلت له شكرا ، غمزني بلهجة خفية: "الوحدة مش حلوة يا بيه ، أجيب لك حد يسليك ؟" قلت له: شكرا ،أغلقت الباب بقوة ، نسيت أن أصلي ، خفضت قوة اللهب تحت إبريق الشاي وتوضأت ، ووقفت بين يدي ربي مؤديا فرضا علي ، عاجلني جرس الهاتف ، تحركت من وقفتي الى الهاتف:

- الو .

- وكمان الو ، من عندي ، أنا اللي أعجبتك.

- نعم ، آه ، أنت …

- ولاء .

  1. عاشت الأسامي ، أخبارك ؟

- بدل كثر الكلام على التليفون ، ممكن تديني العنوان ، أنا مش عاوزه أضيع وقت في الكلام ،نتكلم مباشرة افضل.

أمليتها العنوان ، وجلست أفكر لماذا ؟ بعض المخاوف تراكمت على بالي ، من هي وماذا وراءها وماذا لو …

بين وساوسي وانفعالاتي ، تذكرت ابريق الشاي على النار ، ووضوئي الذي ما زلت عليه ، وقفت اصلي بسرعة أقضي واجبا اعتدت عليه وحفظته كأنه العادة ، أسرعت إلى إبريق الشاي ،عاجلني جرس الباب ، فتحته ، وجدت الفتاة وصلت ومعها البواب .

  1. البنت دي جايه عندك ؟
  2. نعم .
  3. ولما سألتك قلت مش عاوز؟
  4. لا ، اقصد هذي زميلتي في الجامعة .
  5. يا بيه: بلاش ، أنا اعرف هذه الأشكال ، اسألني أنا .
  6. والحل.

    تناولت الفتاة جنيها من حقيبتها وأعطته البواب ، وقالت له : ولا يهمك ، بعدين أعطيك تاني .

    غاب البواب بسرعة ودخلت الشقة لتجلس على مقعد في الصالة ..

    - لو أعطيته جنيها من الأول.

    - نسيت ، لست متعود على ذلك .

    - حتتعود ،الظاهر انك جديد على الشغلة.

  7. أي شغلة ؟
  8. ولا يهمك ، رأيك ايه في الإسكندرية ؟

    - حلوة.

  9. وبنات الإسكندرية ؟

    - أحلى .

  10. شفتهم فين ؟

    - في الشارع والجامعة .

    - بس !!

  11. بس ، لأني وصلت منذ يومين فقط ، عموما ، تشربي شاي ؟

- ما فيش مانع ، وياريت سكر زيادة.

- أنت مش محتاجه سكر .

- هذا من ذوقك .

مرت الساعات دقائق ، كانت ولاء تشعل الوقت بانصهار جسدها ورقة صوتها غنجا ودلالا ، نصحتني أن لا ادخل في علاقات كثيرة بسبب الأمراض ، اعرف لماذا تنصحني بذلك ، أشعلت متون الجسد ، وغابت الروح بين الزوايا تبحث عن مأوى يريحها من سطوة الجسد ،أيتها الروح غادريني ، أنا الفارس البدوي أحرك ممالك أراض جديدة تخضر تحت وقع حوافر أحصنتي المطهمة ، أريد اشتعالا يخرجني من اشتعالي ، جحيما يواري جحيمي ،ينسيني اياه ، ينسيني مدارات الأشياء ، خمرة اسكر بها ، راميا فلسفتي وثورتي ، معلنا التمرد على كل شيء .

غادرتني ولاء منسحبة من جسدي منتصف الليل ، دخلت إلى دورة المياه ، فتحت الماء باتجاه جسدي أغسل عنه غبار المعركة.

بالماء همد الجسد ، خرجت الروح قوية ،الماء ينفتح على الجسد يعطيه السكون والطهارة ، لكن إحساسا ما زلزلني ،جعلني عاريا حيث لا ورقة توت تواري سوءتي ، بكيت بحرقة ، أغمضت عيني على عوالم ضبابية وبعيدة ، طافت على مخيلتي عيني تلك التي تسبح في روحي ، كأنها عاتبتني ، كأنها نكأت كل جراحي ، كأنني بكيت وقتا طويلا .

 

    1.  

 

على سريري تبدو اللوحة مضببة ،مفتوحة الزوايا ، غائرة في شرايين المكان والزمان ، ابحث عن اللاشيء وسط اللاشيء ، ولاء ، هذه الأنثى التي رماني بها الشارع تلوي جسدي بين انثناءات جسدها ، قبل دقائق كنت اقف اصلي ، لكن هل هي صلاة حقا ام أنها العادة ؟!! .

يأتي طيف ولاء ويذهب ، تأتي استدارات جسدها طرية وندية ، كم قطار مر على سكك الحديد ، كم رقمي في القائمة ، هي بنفسها لا تذكر ولا يهمها ، مائة جنيه أخذتها وخرجت ، الجسد يباع كأي رق لكن الفرق أن امتلاك هذا الجسد يكون مادام الجسد الآخر طريا وقادرا على المشاركة في اللعبة ، خذ جسدا وادفع نقدا ، من هنا تبدأ الأرجوحة في التحرك ارتفاعا وانخفاضا ، من هنا تبدأ لعنة البشرية ، الروح لم تسقط البشرية يوما ، تتعذب الروح ، لكن عذاب الجسد مر وحارق .

امتلكت جسد ولاء ، كأي سندوتش قضمته ودفعت ثمنه ، مرة أخرى ستأتي ، بمقدار ما ادفع ستعطيني الجسد الذي يحرقني ، يعبث بي وأنا في ذروتي ، يعبث بي وأنا منته احلم أن اللحظة التي كانت ليتها لم تكن ، لكن بعد مرور القطار ، هكذا نحن ، نطلق أحلامنا بعد أن يتجاوزنا الزمن ، وان تكون عربة الأحلام مرت منذ قرن على الأقل.

هل يمكننا محو الزمن الذي كان ، محو الذكرى التي تتوقد جمرا ؟ ماذا يثور في أعماقنا لنطلب جسدا ؟ ماذا يثور مرة أخرى لنندم على ما حصلنا عليه من جسد ؟ جسد تلك الرائعة التي كانت ، مرة واحدة فقط ، لكن لهيبا مختلفا ذلك الذي توقد أتونه في لحظة شبق عاطفي ، حلمت به طويلا ، لكنني أمني نفسي أن يكون لي ذات زفاف جميل يأتيني به على طبق من ذهب ، لكن اللحظة طارت ، عبس في وجهها زمن غريب ، من يقبلنا جهرا ويلعننا سرا ، كأي إنسان حصلت على حقي في معانقة روح من احب ، لكني لست كأي إنسان قادر على امتلاك الجسد الذي احب من يمتلكه ، تثنى بين يدي بركانا ما زلت أحس بحروق اندفاعه ، آه لو يستمر ذلك البركان ، يأخذ عمري كله ، لا أريد هذا العمر ، أريد عمري الذي حملته امرأة غزلت خيوط محبتها شهورا حسبتها حلم ليلة صيف.

ولاء أعطتني جسدا ، لكنه مصطنع ، بضاعة تعرض للشاري ، لكن روحها تسبح في البعيد حتما ، هل يمتلك روحها أحد ، وهل يمكن أن تكون لها روح أصلا ، إذن أليست الروح هي ما تحيا به ، ام ان الروح التي نعشقها لعبة هلامية اخترعناها وآويناها جراحنا كلما أتعبنا هجير الصحاري ؟ عندما تفاجئنا جميلة ، ماذا يحفزنا إليها ، جمالها أولا ، لأننا لا نعرف شيئا غير المنظور منها ، وجاذبيتها أن تكلمت ، حين يثور كيوبيد يصوب سهامه لا شك أننا نفكر في امتلاك الجسد الجميل ، لنعصره بين راحتينا .

تكرر ذهابي إلى مكتب الدكتور امجد ، قابلني ذات صباح طالب ماجستير اسمه عبدالله ، شاب عماني يدرس في جامعة الإسكندرية ، عرفني الدكتور امجد عليه ضاحكا: نعرف العمانيين على بعضهم البعض.

في المساء دعاني عبدالله إلى شقته ، كان معه مجموعة من الأصدقاء الذين يشاركونه الشقة ،مكان يحتل الدور العاشر في إحدى بنايات الضباط في منطقة مصطفى كامل ، البلكونة تطل على البحر مباشرة ، والشاطئ يبدو مغريا من بعيد ،لكنه خال من البشر ، أين الصيف الذي قرأته في روايات إحسان عبد القدوس حيث غابات السيقان ، شتاء الإسكندرية جاف لكنه ممتع لخلوه من الزحام ، اعد عبدالله الشاي والتففنا على طاولة الصالة بينما آثر أصدقاؤه قراءة الصحف على منأى من جلستنا ،سألني عبدالله :

  1. ما هو موضوع رسالتك ؟.
  2. فلسفة الجسد .
  3. أعوذ بالله ، لماذا هذا العنوان وأنت إنسان مسلم .
  4. وهل الإسلام يمنع أن نفكر في أنفسنا ؟ .
  5. لكن الجسد .
  6. مرتبط بالجنس ، أليس هذا ما تريد قوله؟ .
  7. اقصد أن هذه الموضوعات ليست مهمة في حياتنا .
  8. لو فهمنا جسدنا سنفكر بطريقة أوضح ، سنرتاح من التفكير المطول فيه .
  9. كيف ؟
  10. أليست كل مشاكلنا سببها الجسد ، العبودية تريد السيطرة على الجسد ليكون العبد خادما لأسياده ، المرأة أليست تغوينا بجسدها ، دخول السجن والانحراف والزنا وخضوع الرجال وانفراط عقد الأسر، أليس سببه الجسد ؟.
  11. جسد المرأة فقط .
  12. وهل جسد المرأة فاعل بذاته ام أنه لا يقوم بذلك إلا في مقابل جسد الرجل ، يتعب الرجل من جسده فيخرج عن تعليمات الدين والمجتمع وتتعب المرأة بجسدها فإما أن تكبته وتصبر وقد تصاب بأمراض عصبية نتيجة ذلك ، واما أن تعرضه في سوق النخاسين لأي مشتر .
  13. المرأة المسلمة لا تفكر بمثل هذا ، إيمانها بالله قوي .
  14. إذن وضحت لنا قضية الإيمان ودوره في حماية الجسد من التهلكة ، دعني اضرب لك مثالا : في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم وهو العصر الذي يمثل قمة الالتزام والمعرفة بالإسلام ، ألم يكن في ذلك العصر قضايا زنا وطبق فيها حد الرجم ؟ .
  15. نعم ، وهذا لا يعطي مبررا للرضا عن ارتفاع جرائم الزنا .
  16. بالطبع لا ، ولكن يعطي انطباعا أن نقص الإيمان في النفوس وطغيان المفاهيم المادية سببان لارتفاع الجرائم التي تحدث بسبب الجسد .
  17. يا أخي اتق الله وناقش مسألة تنفعك في أمور دينك .
  18. لك رأيك ولي رأيي ومن المستحيل أن يتفق البشر على رأي واحد ، ارتفاع جرائم الزنا زاد لأن البشر زادت أعدادهم ، والوازع الديني والأخلاقي لم يعد يصبغ هذه العلاقات التي باتت تحدث تحت اسم الصداقة أو التجارب .
  19. أتمنى أن أعرف ماذا تريد أن تصل إليه بالضبط .
  20. أنا بنفسي لا أعرف حتى الآن لأنني في بداية البحث ، أريد فقط أن أقدم وجهة نظر البشر في هذا الذي يحملونه ولا يفهمونه .
  21. الجسد طبعا .
  22. عموما ، ستكون بيننا جلسات وسأستفيد من فكرتك المضادة لتقليل الأخطاء في ما أريد كتابته .

 

    1.  

      خرجت من شقة عبدالله ، والبرد قارس إلى حد ما ، مشيت بأقدامي نازلا من السلالم التي تجمع بنايات الضباط بالشارع البحري ،أمام نادي المعلمين مباشرة ، سرت بخطواتي إلى مطعم سان جيوفاني الشهير ،عبر زجاجه استمتعت بالبحر الضاج بأمواجه ، وجوه نادرة تعبر الشارع الممتد بجانب البحر ، طلبت عصير ليمون ، ويبدو أنني خيبت أمل البائع الذي كان يريدني أن أتناول أحد مشروباته المعتقة ، غاصت عيوني في البحر تتأمل زبده ، عبدالله يبدو مشاكسا ومتدينا ، زميلاه لم يشاركا مناقشتنا وكأنهما غير موجودين ، لم ارتح لهما ،نظراتهما متوجسة تطل من فوق الذقنين الطويلين ، حدست أنهما يعرفاني وولاء ، الأجواء توحي بمتعة التفكير ، أمامي مهمة الانتهاء من البحث خلال الأشهر القادمة وإضافة وحذف ملاحظات الدكتور أمجد ، يا لهذا المحظوظ أمجد ، الصبايا تمر عليه كل يوم ، وأي صبايا ، متعة العين ، الأجساد طرية وحالمة ، وتعيش أشهى سنوات عمرها وأكثرها تعبا للروح .

      هذا الجسد المحمل دائما فوق طاقته ، تعذيبا داخليا وخارجيا ، ربما يتفتح على جسد شهي فيقدم عذابه على قربان الخطيئة ألما عذبا ، وقد يتسلل إليه فيروس فيظل في عذاب مستديم ، منذ الإنسان الأول ظلت هذه العلاقة رابطا بين بني البشر ، تدخل في أفلاك الحلال والحرام ، من التقاء الجسد تتواصل فصيلة الإنسان باقية بين فصائل الحيوانات الأخرى الموجودة على الأرض ، منهم من يفرش الحرير ليتوج التقاء الجسدين والأغلبية لا تجد إلا الحصرم تضطجع عليه ، المشوار باق في الجمع بين جسدي رجل وامرأة ، عبر مر التاريخ تشذ القاعدة ، رجل ورجل ، امرأة وامرأة ، في اختراق لنواميس الطبيعة والشريعة ، أوجد البشر هذه القوانين لحماية الفصيلة الإنسانية من أن تكون كأي حيوان آخر .

      كل الكتب السماوية حرمت الالتقاء الجسدي خارج مملكة الزواج ، في الإسلام يرجم المحصن ويجلد غير المحصن ، كم من البشر لديهم ما يكفي من الحيوات لينفذ فيهم حكم الرجم ؟! رغم كل شيء تبقى للجسد سطوته ، تمضي القوانين في سن تشريعاتها لكن التلاقي لا يحد ، العصر وفر لهم الكثير من نقاط التماس للالتقاء ، والقوانين الشرعية والوضعية لا يمكنها ملاحقة كل ما يحدث في الشقق والمزارع ، هنا وهناك ، من يبحث عن الجسد فيجده ، بنقوده أو سطوته ، في المجتمعات الشرقية ، العربي منها ، للجسد مذاق العار ومذاق الازدواجية ، العار أن يقترب قرصان من حرماتهم ، البطولة أن ينالوا من حرمات الآخرين ، الصبي قد يعبث ، البنت تستحق القتل إن هي عبثت ، بيوتهم قلاع محصنة ، بيوت الآخرين أراض مشاعة ، الجسد يحدد أشياء كثيرة في حياتنا ، العروس لا بد أن تحتفظ بماركة عدم المساس بالجسد ، أصبحت الألاعيب كثيرة الآن ، ما تم اختراقه يمكن إصلاحه بعملية جراحية بسيطة ، ما مقام الجسد في التاريخ العربي؟ .. فحولة ذكرية وعار نسائي ، لا بد للمرأة أن تغطي كل شيء من جسدها لأنه فتنة ، في عصر التحرر حاليا خاصمت المرأة العربية ملابسها وبدأت في الاستغناء عنها ، ولولا بعض الحياء لأمتد الأمر فوق حدود التصور .

      انتهيت من عصير الليمون ، ولم انته من سبحات تفكيري ،اتجهت صوب الشقة ، صادفني البواب بابتسامته التي تخرج من بين أسنانه الصفراء ، لا يكف عن تدخين تلك السجائر الرخيصة ، أبلغني أن البنت جاءت وانتظرت طويلا ، إذن ولاء ستكون حاضرة دائما ، بالجسد المخملي الذي داست عليه عرباتي ذات مساء كان ، أعجبتها اللعبة ، التجارة شطارة ، وتجارة اللحم الأبيض الأكثر رواجا وقبولا ، لأن رأس المال متحرك ، ويثير غالبية البشر ، الشقة في مواتها تنتظرني ، والهاتف ينتظرني بصوت ولاء ، مستعدة للقدوم ، لم تترك لي مجالا للرد ، اتصلت بعبد الله استأنس بصوته بين هذا الفراغ الموحش ، شكرته على دعوته ، قال انه حاول الاتصال بي طويلا لكن يبدو أنني ذهبت للتسكع ، ضحكت من تلميحه .

      أغلقت السماعة بعد حديث قصير ، فطنت إلى تلميح عبدالله بإهماله رغبتي في المرور عليه غدا في شقته لكسر الملل والوقت ، قال انه سيأتي الي ، لا ادري ما حقيقة هواجسي ، بعد اقل من ساعة كانت ولاء حاضرة ، تبيح جسدها من اجل مائة جنيه ، لم أفكر ما هي المائة جنيه لكني أردت الخروج من عزلتي بأي ثمن ، بضع ساعات تقضيها ولاء في متعة جسدية بالغة الذروة ، تجيد هذه المجنونة إغراقي في مجونها.

    2.  

 

دارت الأيام بي بين ولاء والجامعة وعبد الله ، عاتبني الدكتور أمجد على كسلي في البحث عن عناصر مادة رسالتي ، لا يدري أن ولاء تأخذ عدة ساعات في اليوم .

اتصل بي عبدالله عارضا زيارته إلى شقتي برفقة شريكيه في شقته ، علي وخالد ، رحبت بزيارتهم متوجسا من شريكيه وعيونهما التي تلسعني بألم يدخل عمقي محدثة شرخا مفجعا ، رتبت الشقة واشتريت من الفكهاني عدة أنواع تكفي للقيام بواجب الضيافة ، حين وصلوا ،كان عبدالله ينظر خلفه كثيرا باتجاه المصعد والمصعد الآخر ، توجست ،لكني أفضت في الترحيب ، جلسنا الأربعة حول الطاولة الوحيدة في الصالة.

رن جرس الباب ، نظر الثلاثة إلى بعضهم ، نظرت إلى الثلاثة ، من هذا الزائر الذي أدخل شيئا ما في نفوس الزائرين ، فتحت الباب ، كانت ضحكة ولاء تسبقني إلى داخل الشقة ، وجمت حين نظرت إلى الزوار ، عيون تصفع بعض، وأنا ربان فقد السيطرة على سفينته وسط رياح عاتية ، تداركت الأمر :

- ولاء ، زميلتي في الكلية .

- فكرت انك لوحدك . (قالت ولاء)

- لا بأس ، هؤلاء زملاء من عمان ، تعرفت عليهم في أول أسبوع وصلت فيه إلى الإسكندرية.

- إذن سأنصرف ، أمر عليك مرة ثانية .

قبل أن أجيبها استدارت ولاء خارجة وأعين الزوار تتبعها حتى انغلق باب الشقة ، عدت إليهم ، كان الجو ملبدا أكثر من قدرتي على التعامل معه بحكمة ، زميلا عبد الله يلسعاني بنظرات جافة كأنني سرقت منهما شيئا ،شقتي وأنا حر ، آه لو أقول لهما هذه الجملة ، كان النقاش سيستمر حتى الفجر ، فك الموقف عبدالله :

  1. اعتبرنا اخوتك في الإسلام ، والنصيحة واجبة، الطريق الذي تسير فيه خطر جدا.
  2. أي طريق .
  3. طريق ولاء ومن هي على شاكلتها .
  4. ولاء بنت طيبة ومحترمة .
  5. محترمة ، معظم الشباب العمانيين يعرفونها .

تكلم خالد اخيرا : يمكن تكون زميلة الطلاب العمانيين في جامعتهم .

قلت : تعرفون الوحدة .

قال عبد الله : داوها بذكر الله ، عموما أتمنى أن تتذكر أنك طالب علم وليس طالب جنس .

أجبته : يا سيدي العزيز ، ولاء راحت،خلونا في المهم ، هل ستسافرون الى عمان في اجازة منتصف العام ؟

قال علي: لا نظن ، لأننا ما زلنا في بداية الإعداد للبحوث ،طبعا مشتاقون لعمان .

قلت له: عمان عظيمة ، والإنسان يحس بحبها عندما يسافر عنها ، تصوروا عندما أكون هناك أقول أتمنى أن أسافر عشر سنوات أرتاح ، لكن ثلاثة أشهر أشعر بها عشرين سنة .

رد عبدالله : يا خسارة ، عمان ليست في مستوى عظمتها .

سألته : كيف؟!

قال : الناس تتكلم عن السرقات واهدار المال العام ، والحكومة ليست مهتمة بالموضوع ، والفساد في كل مكان .

قلت له : الفساد في كل الأرض ، ونحن والحمد لله مازلنا في عمان بألف خير .

رد علي متنرفزا: هل تريد عمان بلد العلم والعلماء أن يكون بها الفساد أكثر من الموجود؟

قلت : لا طبعا ، لكن هذه حالة عالمية ، الاختلاسات ،خيانة الأمانة ، الفساد الأخلاقي ، كل هذا أصبح عاديا لأنه ضريبة المدنية .

قال عبدالله : لو تم تطبيق شرع الله ما كان هذا يحدث .

قال خالد : للأسف أن الناس سلبيون ولا يتحركون لتغيير الوضع القائم ، حتى النصيحة أصبحت شبه محرمة .

قلت له: لا تكن متشائما ، العلم في بلادنا يزدهر والناس تدرك الخير من الشر .

قال علي : الناس المتعلمون ؟ كل واحد عنده ولاء أو يبحث عن ولاء ، إلا من رحم ربي .

أجبته بحدة: وطبعا أنت من الذين رحمهم ربي .

تدخل عبدالله : اهدؤا ولا تختلفوا ، يكفينا ما نراه من اختلاف بين الحكومات الاسلامية ، لو ابتغت شرع الله كان الله سينصرها على أعدائها .

قلت لعبد الله : وهل سنواجه القنبلة الذرية بالدعاء ؟

رد بحدة : الدعاء دليل الإيمان ، ولو كنا مؤمنين كان الله سيستجيب لنا .

قلت له : إذن تعترف أنكم لستم مؤمنين ، إذن لماذا لا تبدؤون بأنفسكم .

قال عبدالله : كل شيء بأوانه ، المهم دعنا نخرج من هذا الموضوع ، أين وصلت في بحثك؟ .

قلت : دخلت في عنوان العلاقة بين الحب والجسد .

رد عبد الله : ما شاء الله على العناوين ، أليس هناك باب حول رحمة الله بعباده المؤمنين من التفكير في الجسد الذي سيطر على تفكيرك .

قلت : لا يهم ما ترمي إليه من تهكم ، وصلت في هذا المدخل إلى اقتناع بأنه ليس هناك ما يطلق عليه الحب الشريف .

قال علي (بتهكم خفي ) : هذه معجزة .

رددت عليه : ما هو الفرق بين الحب الشريف والحب غير الشريف كما هو متعارف عليه اجتماعيا ؟

قال خالد: الشريف لا ينظر إلى ما حرمه الله.

قلت: وما هو ما حرمه الله ؟

قال خالد: جسد المرأة .

قلت: إذن هذا النوع لا يفكر في جسد المرأة إطلاقا ، إذن ماذا يريد من الحب ؟

قال عبدالله : الزواج ؟

رددت عليه : والزواج أليس هو الوصول إلى الجسد ، منذ الليلة الأولى يبحث الرجل عن ختم البراءة والشرف ، إذن اللعبة تبدأ من البدء ،الجسد مؤجل فقط ،هذا هو الفرق الذي يتوهمه المجتمع ، الالتقاء الجسدي محور مهم في أي علاقة ،من النظرة الأولى يقف الجسد في الواجهة .. عموما القضية ليست جديدة على التاريخ العربي والإسلامي لكن كانت تحت مسميات مختلفة .

قال عبدالله: الإسلام كرم المرأة من هذه النظرة الدونية للمرأة.

رددت عليه : لكن المرأة بقيت موطن الشهوة واللذة ،مصافحتها حرام وصوتها حرام ، إذن بقيت كظل لشخصية الرجل .

قال خالد بغضب: أعوذ بالله من نقاشاتك ، يا أخي ، اهتم بأمور تنفعك في دينك ، ودع هذا العبث ، ربما يقيض الله لك أمرا ، أن تساهم في تغيير مجتمعك إلى الأحسن.

قلت: من يملك حق التغيير ؟ ومن يمتلك حق أن يقول : رأيي أنا صواب ورأي الآخرين خطأ؟.

قال عبدالله: عمان محتاجة إلى بحوث في العلم والدين وليس إلى بحوث في الجنس .

أجبته: الجنس شيء ضروري في الحياة ، لكننا أبقيناه في الغرف المغلقة ، نتحدث شتما وتنقيصا في الآخرين لكن عندما يذكر اسم جنس تخفض الرؤوس حياء ،هذه العفة المصطنعة.

قال علي: يا عزيزي ، دعك من هذا النقاش العقيم ، الجنس ضرورة وليس هدف.

قلت: بل هدف ، تسعون بالمائة من مصائبنا سببها الجنس .

قال عبدالله : إذن قلت مصائبنا .

رددت: نعم مصائبنا لأننا مجانين بهذا الموضوع ، اصبح مرضا في عقولنا ، هو الذي يسيطر علينا وليس نحن الذين نسيطر عليه ، انظروا إلى الصحف من حولكم ، السياسيون يقمعون الشعوب ، والشعوب تعيش على اغتصاب بعضها البعض ، اغتصاب الأجساد ،اغتصاب اللقمة ، اغتصاب حقوق الآخرين ، كيف يمكننا أن نتصور رجلا فوق الخمسين يغتصب طفلة او طفلا وقد يكون أحد محارمه .

قال علي: هذا يحدث في المجتمع المصري ، لكن مجتمعنا ما زال في رحمة منه سبحانه وتعالى .

قلت: وهذا تزييف للحقيقة ، هنا يعرفه الناس لان الإعلام جريء في الحديث والتنبيه عليها ، معنا تحدث مثل هذه المصائب لكنها تغطى خوف الفضيحة والعار ، تعرفون صغر المجتمع ، لو حدثت قصة في صحار سيعرفها أهل صور بعد ساعة ، مع إضافة التوابل عليها ، تعرفون حكاية البنات الصغار اللاتي انتشرن يتسولن في المجمعات التجارية ، تجدهن بريالين في وادي عدي ، لا يفهمن من الجنس إلا اللعب والحاجة ، لا يفهمنه على انه زنا..

سألني عبدالله: وما هو الحل في رأيك؟

قلت: على الجميع أن يبحث عن حل ، الدخول إلى المساجد ليس هو الحل ، وتقصير الملابس وإطالة اللحى ليس الحل ، وترك الدعاة منازلهم شهورا أعتبره تقصيرا في حق البيت والأولى أن يراعي الأب أسرته وأطفاله ليكونوا صالحين ، لا بد من الاقتراب من المجتمع ، النصائح لا تفيد لأنها لا تصل إلى من يهمه أمرها ، عندما يتحدث خطيب الجمعة عن الزنا ، هل تتصور أن الزناة يحضرون لصلاة الجمعة ، وحتى وان حضروا لن يهتموا بهذه الخطب ، تعرفون أن الزنا من الممكن ان يقل ، ليس بسبب الوازع الديني فحسب ، بل للخوف من الأمراض .

قال خالد: هذه عقوبة من الله سبحانه وتعالى ، على أية حال يهمنا صلاح إخواننا وصلاح بلادنا وأمتنا.

قلت : كلنا يهمنا ذلك .

طالت المناقشات وتشعبت ، كان في حديثهم بوادر عدم رضا عن الوضع المحلي ، خفت من أن يكونوا باحثين عن شخص يوقعونه ، سمعت الكثير عن أناس يتكلمون معك بعدم رضا عن الوضع القائم حتى إذا علقت على الموضوع وشوا بك ، لا أذكر أن أحدا تم التبليغ عنه بسبب ذلك ، لدينا مساحة حرية واسعة في الحديث وحتى الشتم أحيانا ، حين غادروا شقتي تمنيت أن لا يأتوا مرة أخرى ، لدي بؤسي الداخلي أضعه كل ليلة أمام مرآة القلب فيثور الحنين وهجا متدفقا ، أيتها الصاحية في داخلي مدي الي جسرا يوصلني إلى فضائك ، موزع أنا بين أغلفة كونك فكوني كوني ، مرهق بك ، وهؤلاء يسعون لإرهاقي أكثر ، ماذا يريدون وهم يدرسون الآن على حساب الحكومة ، ويعملون في أجهزة الحكومة ويتقاضون راتبا منها يحلم به نصف سكان الأرض ، مسكينة هذه النفس البشرية ، تحمل فوق طاقتها.

 

    1.  

      عدت إلى غرفتي اجمع أوراقا تناثرت هنا وهناك ، بعضها على طاولتي واغلبها في ذاكرتي ، لا تكاد تسبح ولاء في مخيلتي حتى تأتي صورة عبدالله كأنه طارد للأشياء ، آخ يا وهني المثقل بعذاباتي ، أنا المرهق بليل طويل ، كلما بحثت عن نجمة سقطت في عيني آلاف النجمات ، لكن نجمتي ضاعت في هزيع الليل الأخير ، إذ ابحث عن نافذة اطل بها إلى السماء ، حدثتني نفسي أن ابحث عن صوت يمنع عني جنوني ، أدرت رقم ولاء ، صرخت في وجهي تسألني: ايه حكاية الإخوان المسلمين في شقتك؟!

      أغلقت الخط الواصل بيني وبينها ، ضحكت على تهكمها ، الإخوان المسلمين ،في عمان تعني لنا هذه العبارة كل الناس باعتبار أننا كلنا اخوة في الله ، في مصر تعني أشياء كثيرة ، لا اعتقد أنها تقصد المعنى المصري للكلمة ، لكنني توجست ريبة ، شك ما سبح في أعماقي ، لم أتبين ملامحه للمرة الأولى ، ولاء لن تأتي مرة أخرى بعد ثورتها التي سكبتها في أذني ، قالت إنها تخاف الأذية ،مثلها يعرف المناطق التي يحوم فيها شيء مختلف عنهم ، هل ممكن أن لا تأتي ولاء ؟ لقد اعتدتها ، ذلك المخمل يتراقص شبقا فوق حواف السرير ، أي شيطان هذا الذي يسكن مخيلتي هذه الليلة ؟! ولاء جسد يعطيني محبته ، هي محبة الجسد لا محبة الروح ، عبدالله يتهمني بالزنا ، لم أسأل نفسي محاسبا اياها على ما تفعله ، زنا أو علاقة أو بحثا عن جسد نغرز فيه نصالنا ؟.

      المرأة خلقت جسدا لأنها خلقت من جسد الرجل ، هي منه واليه ، هي ضلعه القريب من قلبه ، يقول جان جاك روسو : الرجل يريد شهوة الجسد ، والمرأة تغريه بعري الجسد ، وكلاهما يقع فريسة لإبليس الشهوة، وعقد الجسد ، ستندال يرى المرأة مخلوق من لحم ودم يجمع بين الرقة والشهوة والانفعال .

      يقول جورج لافورد: لا تربطنا بالمرأة أبدا رابطة الاخوة .. فقد جعلنا منها --_بالخمول والفساد _ كائنا منعزلا ليس له من سلاح سوى سحره الجنسي ويراها الفرد دي موسيه الطريق الوحيد لارتكاب الأخطاء .. عربيا قال قاسم أمين أن بضاعة المرأة أن تلي الرجل وتمتعه من اللذة بجسمها ما تشاء ، جمعت هذه الأقوال وأضفتها إلى مشروع رسالتي ، وأضفت إليها أيضا مذهب المزدكية التي تنسب إلى مزدك بن بهمن بن جاكلين الفارسي الذي ظهر في عصر الملك كسرى قباذ بن فيروز الساساني والد الملك كسرى انو شروان ، رأى مزدك أن أسباب العداوة والبغضاء والقتال هو الأموال والنساء وبنى مذهبه على الإباحية المطلقة وإلغاء الملكية الفردية فأحل النساء وأباح الأموال وجعل الناس فيهما شركاء كاشتراكهما في الماء والنار والكلأ ، ذلك ملك الدولة تعنى بتوزيعه على الناس ،وله مذهبه في الضيافة أن لا يمنع ضيفه مما يريد إلا ما كان فيه شر أو ضرر وتبعه كسرى قباذ ، وكان مزدك يزوره مرة فطلب منه زوجته فلم يرفض كسرى قباذ له طلبا فشق على المرأة وقام ابنها انو شروان بتقبيل أقدام مزدك ، وعندما تولى انو شروان الحكم بعد أبيه كان أول شيء فعله قتل مزدك وصلبه وتتبع اتباعه حتى أفناهم .

      هكذا حطم مزدك أسطورة الجسد فحطم كسرى انو شروان أسطورة جسده موتا وصلبا ، الفطرة الإنسانية أن تكون هناك محارم للجسد وسلطة عليا تفرضها الأديان والتقاليد القائمة على احترام الروح والجسد ، الجسد ربما له خصائص النار والهواء لكنه لا يمكن اعتباره مشاعا يأخذ من يريد ، الجسد اكتمال الصورة الإنسانية ، نطاق فردي يتصرف فيه المرء بكيفيته ليكون مسؤولا عن تصرفاته معه .

      من الجسد نخرج أجسادا ، تتربى الروح شيئا لا يرى داخل الجسد أو حواليه ، تنصقل مرآتها حسب المجتمع ، دينا وأسلوب حياة ، قد يتمرد الجسد كما هي الروح ، قد يبدو الجسد قويا لكن الروح منكسرة ،العكس دلالة العكس أيضا ، لو انفصلا ،الى أين يسيران ؟!

      وضعت تساؤلاتي في ورقة لعلني ابحث عن إجابة لها في المراجع أو ربما أضع مزيدا من التساؤلات تعطيني اياها تلك المراجع .

    2.  

      جسد وروح ، هذه الثنائية المتعبة ، الثنائية المعذبة ، تطرح بي في صحاري من الأفكار المضطربة ، جسدي وروحي مضطربان ، وأنا لا املك تحديد ماهية هذين العذابين.

      ولاء أغرتني بالجسد ، أعطيتها جسدي أيضا ، لكنها هي التي قبضت أجرا ، من يعطي هنا ومن يأخذ؟ كلانا أخذنا ، لكن أحدنا دفع ثمن ما فأعطاه ، إذن أنا من قدم جسده هدية لعابرة ، قبضت على ذنب كبير ، لماذا أراوغ نفسي واحسبني خارج حدود الزمن ، الخطيئة هي الخطيئة ، زمن يكبر في أحضاننا حتى نعتاده ، عمر ينسرق من عمرنا ، لكنه الشباب ، أي شباب يبيع جسده لعابرات يقطفن زهرته تحت وهم أننا امتلكنا أجسادهن ، ساعات قلائل ، يسبح الجسد في ظل طويل ، تبزغ الشمس ، يتلاشى الظل ، تبدو الحقيقة بينة ، ينزف الجسد فتتألم الروح ، ماذا يتبقى من الخطيئة غير كسرها للمعتاد ؟! هل نتحدى السلطة حين نفجر أجسادنا خطايا داخل أجساد النساء ، تماما مثلما نتجاوز إشارة مرور حمراء ؟.

      في كل شيء نريد كسر هذا الممنوع الرابض في دمنا منذ الطفولة ، ممنوعات الأب والأسرة ، ممنوعات مدرس القرآن الذي يحذرنا من عذاب القبر وجهنم التي تقول هل من مزيد ، ومن المدرس الذي يعبث بعقولنا وقد لا يتورع عن أجساد بعضنا الذين لا يعرفون قيمة ما يمتلكون من جسد ، ومن ممنوعات لا تعد ، نريد كسرا ، أي كسر ، ليس مهما تحديد الشرخ الذي يبدو مشوها للزجاج الروحي ، ليس المرأة وحدها من تدفع جسدها ، من الذكور من يقدم جسده استباحة لجسد آخر ، والدفع قد يكون متبادلا ، من يحتاج اكثر هو الذي يدفع.

       

       

      هذه الاستباحات لعظمة الجسد وسطوته خلفت رعبا في كل مكان ،الدين لا يقبل بها فتولى الدعاة عظة الناس يخوفونهم من عذاب يوم عظيم ،المصلحون الاجتماعيون والجمعيات والنشطاء رأوا ما خلفه شيوع الجسد من أمراض ،في أوروبا لم يحاربوا الجنس بالدين ،أوضحوا الأرقام المرعبة لملايين ينتظرون الموت الذي يتأخر أكثر من اللازم ،في دول غرب آسيا ،المصيف الخليجي الدائم ،هناك محلات تبيع الجنس وأخرى تبيع مقويات له ،وأخرى تبيع علاجا لأمراضه ،آه ما أقسى ما يدفعه الجسد ثمنا لانتهاك أجساد أخرى ،الإسلام يدرك أن الرجل لا يكتفي بجسد واحد ، وحتى لا يسرق حرمات غيره أباح له التعدد ، ذلك ضمن مفاهيم المجتمع والأخلاق والدين .

      قلبت في أوراق أحضرتها معي من عمان عن إحصائيات حصلت عليها عن طريق موظف في سجن الرميس المركزي توضح الأعداد المتزايدة في قضايا الزنا والشذوذ ، كثير منها يغض النظر عنه ، الشقق المفروشة اخفت آلاف الحالات عن الأعين ، العزاب في مسقط ، أولئك الموظفون القادمون من الولايات يشكلون منفذا هاما من الداخلين في علاقات غير شرعية ، المتزوجون منهم يعيشون أزواجا نهاية الأسبوع فقط ، أزواج العطلات ،هناك أماكن معروفة للشباب ، وادي عدي ، سيح الظبي ، وادي حطاط ، والمجمعات التجارية وفرت خطوط تماس بين الطرفين ..

      الجسد دائما ، بعضهن يدفعن الجسد باسم الروح ، باسم الحب دائما ، حتى إذا سقط الجسد تحت عربات الشاب ، هددها باللحظة التي منحته اياها جسدا ، ربما تستعذب هي اللعبة أيضا في انتظار تقدمه لخطبتها ، لكن الطريق طويل ، والشباب أعجبته حكاية الحب السريع ، كالوجبات السريعة تماما ، في مناطق معروفة يلتقي العشاق جسدا داخل السيارات ، الشرطة تدرك ذلك ، يحدث في كل العالم ، في أوروبا خرج البشر من رعب الجسد والتفكير فيه ، لكنهم دفعوا أثمانا باهظة لذلك ، في الوطن العربي بقي الجسد ثائرا ، ومع تراجع الأخلاق والمثل العليا والوازع الديني ارتفعت جرائم الاغتصاب ، وربما القتل لإخفاء معالم ما حدث من ثورة الجسد على الجسد ، الجسد يقتل في النهاية بعد استباحته .

    3.  

      اقلب في الصحف التي اشتريتها والتي تتعلق بأخبار الحوادث لعلني أجد فكرة ما أضيفها إلى بحثي ،الصحف تكاثرت ربما اكثر من الحوادث نفسها ،اغتصاب الفتيات ، الاغتصاب باسم الحب ، اغتصاب الأطفال ،الموت مرادفا للاغتصاب ، الأهل يدفعون ثمن ذلك عارا وانهيارا نفسيا ، وأمراضا عضوية ونفسية صعبة ، هناك من يداري لحظة ثورة الجسد بطلق ناري على الجسد.

      ماذا لو تخلص البشر من أجسادهم ؟! طرحت سؤالي ونمت بين بحثي في الإجابة عليه؟!

      في الصباح حملت أوراقي إلى الجامعة ، الدكتور امجد قابلني بصدفة جميلة ، هالة تجلس في مكتبه ، حييتها وذكرتها بالصدفة الجميلة ، كانت متوجسة مني وأنا اصب نظراتي على الجسد الممشوق ،تراجعت قليلا ، أصوب بصري للدكتور امجد ، سألني: أين وصلت ؟

      ترددت بالإجابة ناظرا إلى هالة ، خفت أن اجرح داخلها بما لا تريد ، إذن لماذا أكتب في موضوع يربك الآخرين ؟ يربك الداخل الأخلاقي الذي اعتادوه ، لماذا افجر مساحة الهدوء داخل هذه الأنفس التي تذرع الأمس بحثا عن حاضرها؟ لكن لا حياء في العلم ، أعجبتني فكرتي هذه ،شرحت للدكتور أفكاري الجديدة التي جمعتها ، اقترح علي الدكتور أمجد بعض المراجع الفلسفية المتعلقة بالبحث عن الروح والنفس والذات ، ربما لأنه رآني غارقا في أتون الجسد وسطوة ثوراته ، نظر إلى هالة قائلا: الآنسة هالة تحضر أيضا رسالتها في الأخلاق وتكونها داخل المجتمعات ، تتقاطع معك في إشكالية تأثير العلاقات الجسدية في الأخلاق .

      خرجت برفقة هالة ، سرت معها بدون مخطط واضح إلى أين ، سألتها عن أشياء تتعلق بالشتاء والمطر وروعة الإسكندرية صيفا وشتاء ، هي قاهرية تحب الإسكندرية ، وجاءت للدراسة لتسكن مع خالها هنا.

      هالة ، حالة مختلفة ، تخرجنا من مفهومنا التقليدي عن البنات والعلاقات التي تنشأ لتتواصل على السرير ، احترمت فيها هدوءها وبساطتها ، لا تتكلف في الكلام كثيرا ، هل نحترم الفتاة التي تمنعنا الجسد اكثر ، ربما نحب الفتاة التي تعطينا جسدها بعض الوقت لكن المؤكد أننا نحترم الفتاة التي تفرض علينا قانون المنع ، ازدواجيتنا الدائمة ، تمنيت التحدث لهالة عن مواجع الروح في مدينة تأخذني بحارا تائها ، أردت أخرج الكلس الذي علا روحي منذ أن غيبني قدري في مدن لا تحتملني ولا احتملها ، قد نتصالح مع المدن بعض الوقت ،لكن حينما ننكشف لأنفسنا لا نجد ورقة توت تواري سوءاتنا .

      جرتني هالة للتحدث ونحن نسير بين أبنية جامعة الإسكندرية عن عذاب الروح في أمكنة لا تتوافق معها أو مع أرواح لا تأتلفها ،هنا كيمياء الروح ، تصل بين اثنين من أول نظرة ، وقد تبقى المسافة بعيدة رغم أن الشخصين لم يتبادلا كلمة واحدة ،هذه الكيمياء الغريبة من أين تنبع؟ لغة الروح تبقينا على صلة العمق مع الآخر مهما ظلت السنوات تلقي كلسها وملحها ، بينما الملموس لا يبقى إلا ما بقي اللمس ، كل ذلك يذهب سرابا لأنه ليس حقيقيا ، سألتها عن هذا الحقيقي الذي نتحدث عنه كأنه خطاب الشفاعة .

    4.  

      يتجاذبني ليل الإسكندرية ونهاره ، أبزغ مع شمس كل يوم ، وانطوي مع ظلمة الغياب ، فكرت في صيف الإسكندرية الحافل بكل شيء ، عصريات المنتزه وميامي ، روعة المعمورة التي تتناسل عن أجساد بضة يستحيل الرائي لها عاشقا وان لم يكن كذلك ، ألمس شجنا صارخا في الأغنيات التي تسكبها سيارات الأجرة والبحر يقذف موجه على الشارع البحري الممتد طويلا ، أطول من حزننا الكثيف في مصباته ، أم كلثوم ، هذا الهرم المتحرك ، يرسم الشمس حكاية حب ، في مكانه يغدو الصوت أحلى وأكثر إيلاما وشجنا ، تبحر الروح في أمواج البحر الأبيض المتوسط تبحث عن لآلئ اليقين ، أصداف الذين ذهبوا ولم يعودوا ، عن عشاق لهم رائحة الغياب فقط .. "كنت بخاف من الحب وسيرة الحب وظلم الحب لكل أصحابه ، واعرف حكايات مليانة أهات …" ويمتد الصوت الكلثومي يرفع ستائر الذكرى تنبثق جحيما لذيذا ،بحجم الموعد الأول ، بحجم اللقاء الأول ، بحجم القبلة الأولي ، وبحجم الدنيا التي لا تكون إلا شفاه أربعا تقابلت نصفها يرنو للنصف الآخر ، رغم الجفاف الذي يحسه الظامئان ، صوت أم كلثوم يخرج شجنه كله دفعة واحدة ، أرمي دموعي في بحر لجي وأغرق قلبي في مساحات هائلة من التذكر..

      يا صرخة الحنين الأولى التي ودعتها في عمان ، حبيبتي التي غزلتني ورسمتني آلهة حب تفترش الأقمار وتغازل النجوم ، مدي الي ضفافك لعلني أجد قطرة ماء أبل بها عطشي ، بجانبي البحر وبجانبي الآخر موج متلاطم أكاد أضيع فيه ، أفقد عقلي بين تياراته ، أخرج من غرفتي وحيدا وأؤوب إليها وحيدا إلا من نفسي ، نفسي تسبقني إليك ، وأظل أبحث في أرقام الهواتف عن الذين أعرفهم .

    5.  

رن جرس الباب لينفتح عن عبدالله ، سألني هل تنتظر أحدا ؟ قلت له مثل من ؟ قال: أنت تعرف ؟ قلت له انه السبب في مقاطعة البنات لي ، ضحك من مبالغتي ، أعددت له الشاي ، وجلست بجانبه:

  1. أخبار البنات ؟

    - لا شيء .

  2. لا شيء أخبار أو لا شيء بنات ؟!

    - الاثنان معا .

  3. هل أنت مقتنع بما تفعله ؟
  4. وماذا افعل ؟!

    - أسال نفسك .

    - أنا أسألك ،نورني .

    - اتق الله في نفسك ، هذا ما أريد قوله لك ، " بشر الزاني بالفقر ولو بعد حين ".

    - هذه فترة.

    - المرء مسؤول عن نفسه دائما .

  5. والمطلوب ؟

    - لا اطلب منك شيئا ، أنت تعرف عقوبة ما تفعله ، لكن بعدك عن الله سبب كل ذلك.

    - اترك هذا الموضوع ، دعنا في المهم .

  6. أكيد ، المهم هو ما جئت به إليك ،نفكر في إنشاء جمعية ، هل تشترك معنا ؟
  7. اعرف الجمعية أولا ، وما هي شروطها ؟.

    - شروطها هي الإخلاص والأمانة والكتمان ،نحاول أن نساعد المحتاجين منا ، فينا الأغنياء يساعدون الفقراء.

  8. وهل قال لك أحد أنى غني حتى أساعد؟!

    - كل حسب مقدرته ، وليس المطلوب أن تدفع مالا ،المهم أن تشارك بفكرك وعقلك في تطوير هذه الجمعية لتكون نواة لشيء افضل.

    - الجمعيات لدينا كثيرة ،بين كل خمسة أصدقاء جمعية وفي العمل جمعية .

    - تلك جمعيات بسيطة هدفها الدنيا.

  9. وجمعيتكم هدفها الآخرة ؟!

    - لا اقصد ذلك ، إنما الحسنة بعشرة أمثالها وما تقدمه اليوم تجده عند الله خيرا ، الجمعية بها أعضاء كثيرون ، وكلما زاد العدد قويت أكثر ، تعرف الظروف لدينا في البلد؟

    - مسكين هذا البلد ، كلما ذكر أحد إحباطاته وعقده رماه على البلد.

    - أنت جاهل بما يدور حواليك ، الوضع الاقتصادي صعب جدا ، بضعة أفراد يتحكمون في اقتصاد البلد وبقية الناس مدينون.

    - هذا افتراض ،الناس يورطون أنفسهم في الديون ويقولون الحكومة السبب.

  10. أليس عليك دين؟

    - نعم ، ولكن لم تفرضه عليّ الحكومة ، أخذته لأني على عجلة من أمري دائما.

  11. وألا تعرف أن الدين عليه فوائد ؟

    - نعم ، ويسمى ربا.

  12. مادمت تعرف ،لماذا تتعامل الحكومة بالربا وتكره الناس عليه؟.

    - الحكومة لم تكره أحدا ، الناس هم الذين يذهبون إلى البنوك ، وبدلا من أن ينتظر الإنسان خمس سنوات ليتزوج بإمكانه الزواج خلال اقل من شهر وكذلك تأثيث البيت ، الناس على عجلة من أمرهم .

    - لكنها سمحت للبنوك بالتعامل بالربا .

    - البنوك ضرورة اقتصادية ، هل تعرف من أين راتبك؟ ربما جاء من أمريكا أو اليابان مقابل النفط ، وطبعا بنوك أمريكا واليابان بنوكا إسلامية لا تتعامل بالربا!!.

    - ما دام لدينا منفذ فيمكن الخروج من هذه الهاوية .

    - إذن سلفني خمسة آلاف ريال أعطيها البنك ونكون متفقين.

    - لو شاركت في الجمعية ستجد الذي تريده لكن بشرط ، هو الالتزام التام بشروطها .

    - وما هي الشروط ، قل لي بسرعة .

    - أن لا تناقش كثيرا ، ولا تقل لأحد مهما كان عن أمرها، مستعد ؟

    - هذا سهل مادمت احصل على خمسة آلاف ريال واستريح من السلفة .

    - اعتبرني المسؤول عن اشتراكك ،ولا تسال عن الآخرين ، خليتنا .. اقصد مجموعتنا تضم عدة أشخاص موجود منها في الإسكندرية ثلاثة ،أنا وخالد وعلي ، ستكون الرابع ، ستدفع الأقساط على راحتك .

    أعددت كوبين آخرين من الشاي ، أحضرت بعض البسكويت والحلويات اللذيذة ، نظرت إلى عبدالله متمنيا أن تدوم مقاطعة ولاء لشقتي مستمرة هذه الساعات على الأقل ، باغتني عبدالله سائلا :

  13. يا أخي وضع بلادنا لا يبشر ، ما رأيك لو كتبنا رسالة نطالب فيها بالتغيير؟ .
  14. تغيير ماذا ؟

    - تغيير الحكومة .

    - أعوذ بالله.

    - اهدأ قليلا حتى لا تحرق نفسك بالشاي ، تغيير الحكومة يعني إخراج المفسدين منها فقط .

  15. وهل حكمت عليهم انهم فاسدون؟!

    - الكل يعرفهم .

    - يا سيدي العزيز ، الإسلام حرم اتهام الناس بدون وجه حق ، إنكم غريبون ، الحسد دائما في كل مكان ، انظر إلى مصر مثلا ، كل يوم تجد صحف المعارضة والناس في الشوارع ، لا يرون صاحب سيارة فخمة إلا قالوا عنه حرامي أو تاجر مخدرات ، ولا يرون صورة مسؤول إلا قالوا انه يسرق البلد ،حتى لو عينت الحكومة واحدا من أولئك المتقولين سيجد نفسه محطا للأقوال ، يا عزيزي عبدالله ، كلام الناس لا ينتهي ، ومن المستحيل أن نصدق كل ما نسمعه ،تعرف الحقد والحسد في قلوب الناس .

    - المسؤولون الكبار لديهم فلل بالملايين والبعض ليس عندهم ما يدفعون به فواتير الماء والكهرباء .

    - وهل تريد كل الناس أن تكون طبقة واحدة ، الله سبحانه وتعالى قال وجعلنا بعضكم فوق بعض درجات .

    - في العلم .

    - لماذا التخصيص ، الناس منذ القدم فيهم الغني والفقير ، لا يمكن أن يكون راتب الموظف العادي والموظف الكبير نفس الشيء.

    - الإسلام أمر بالمساواة .

  16. في الراتب؟

    - في كل شيء.

  17. ما هذا المنطق الغريب ؟
  18. المهم توقع على الرسالة ام لا ؟

    - لست مقتنعا بها.

    - هو مجرد توقيع ليس إلا ،عموما أعضاء الجمعية متفقون على التوقيع فهل تخرج عن الإجماع ؟ .

  19. الإجماع ؟ وما علاقة الجمعية برسالة تودي في داهية كما يقول المصريون .

    - الثقة أهم شيء ، اقرأ الرسالة أولا ،وفكر .

    تناولت الرسالة ، قرأتها حرفا حرفا ، ظاهرها بسيط يطالب بتطبيق شرع الله ومحاربة الفساد .. مرت علي لحظة مغامرة ،وقعت ،فأعطيت عبدالله الرسالة ، فوجئت انه مزقها.

  20. لماذا ؟

- فقط كنت اختبر شجاعتك .

- ليست شجاعة ، طبقت المثل المصري الذي يقول: ضربوا الأعمى على عينه قال خسرانه خسرانه.

ضحك عبدالله بقوة وطلب مني الذهاب إلى المسجد لأداء الصلاة ، سألته بمزاح : وهل هذا من شروط الجمعية ؟.

 

    1.  

 

كانت لحظة فارقة ،مشيت خطوي باتجاه الريح ،لا شيء في الأفق إلا نفسي ، باغتني عبدالله ،أدخلني المسجد ، استمعت إلى الدرس الذي كان عن دور الإيمان في صفاء النفوس ، كنت ابحث عن هذا الصفاء المفتقد ، أعطاني عبدالله مجموعة من مؤلفات سيد قطب ومذكرات مطبوعة لحسن البنا ، داومت على قراءتها ، أعجبتني لغة سيد قطب الفكرية والبناء العام لشخصية البنا.

حمت حول أفكاري أترصد اللحظة التي اقف بها ، الأرض التي اقف عليها ، مساحات تمتد وأخرى تضيق ، أفق يفتح أبوابه ، زارني عبدالله كثيرا ، وتحاورنا كثيرا ، عرض علي الانتقال إلى شقته ، قال لي اهرب من الشيطان ، ترددت ، لكن قدرا ساقني إلى عمارات الضباط في مصطفي كامل ، تعلمت أشياء كثيرة ، تدريجيا أهملت بحثي ، فقدت القدرة على متابعته ، خمس مرات اذهب إلى المسجد القريب كل يوم ، بعد اقل من شهر أخذني عبدالله إلى مسجد آخر التقيت فيه بمجموعة كبيرة من الاخوة المصريين ، ترددت كلمة الإخوان المسلمين كثيرا حتى خلت نفسي أحدهم ، كلمة إخوان ليست ذنبا ولا كلمة المسلمين جريمة ، عمان بلد إسلامي حكمه الأئمة وهم علماء فعاشت عمان في نعيم العدل ، وبلادنا اليوم تعيش حالة من التسامح الديني والاهتمام بالعلوم الإسلامية ، جوامع في كل ولاية ، مساجد معمورة في كل قرية .

استقرت حالتي النفسية إلى حد ما ، هدأ ضجيجها ، تساؤلات الجسد غابت ، ارتويت من الكتب الدينية ما أروى ظمئي ، كانت الشقة لا تخلو من صوت القرآن أو صوت أحد الخطب الدينية ، داومت على شراء الكتب التي يقترح عبدالله عناوينها علي ، أعترف أن لشخصية عبدالله جاذبيتها وسحرها ،يقول فينفذ الآخرون ما يقول ، الأخوان الاثنان يريان في عبدالله النموذج الصالح فيتبعان ما يقول به ، أسئلة تصعد بين الفينة والأخرى إلى مقدمة رأسي فأطردها بسرعة.

ذات يوم عدت محملا بصحفي المختلفة التي بدأت في شرائها باقتراح من عبدالله ، ضغطت على جرس الباب طويلا ، المفتاح الآخر في الشقة من الداخل فلم ينفع المفتاح الذي بيدي ،لاحظت اضطرابا على عبدالله ، معه شخصان لا اعرفهما ، حييتهما وطلبت منه أن يعرفني عليهما ، قال عبدالله : في فرصة أخرى ،هما مستعجلان الآن .. بعد أن خرجا يحملان مظاريف لاحظت أنهما أدخلاها تحت قميصيهما:

  1. خير ؟

    - خير والحمد لله ، زميلان في الجامعة.

  2. وهل تظن أنني سأصدق ؟.

    - المسلم لا يكذب ، جاءا من أجل بحوث احتاجاها .

  3. والبحوث تدفن تحت القميص ؟!
  4. لا تنس أن من أهم شروط الجمعية عدم النقاش والبعد عن كثرة الأسئلة.

    - آه .. نعم .. نعم .. إذن المسألة مرتبطة بالجمعية ، الله يستر من هذه الجمعية ، أخشى أن تكون جماعة وليست جمعية.

    - كلها من اجل طريق الحق .

    - ومن يحدد ماهية طريق الحق ؟ أعتقد أن الوضوح والشفافية قيمتان إسلاميتان رائعتان.

    - في مرحلتنا لا بد من السرية والكتمان .

    - السرية والكتمان .. إذن وراء الأكمة ما وراءها.

    - أرجوك أن تكف عن النقاش ، سيكون لك دور في الأيام القادمة ، لقد تجاوزت فترة الاختبار واثبت كفاءتك ، هناك رضا كبير عنك.

  5. ممن هذا الرضا ؟.

    - ستعرف في حينه ، عموما نحن بصدد تنظيم جماعة للإخوان المسلمين في عمان وقد تشرفت بأن تكون من ضمن أسمائها.

  6. أنا لا أصدق ما أسمعه منك ، جماعة ، أسماء ، كم عدد هذه الجماعة ؟.

    - لا أحد يعرف إلا المسؤول الأول ، نظام عملنا هو العناقيد ، كل خلية لا تعرف الأخرى ، يلتقي المسؤولون عنها فقط.

    - إذن ورطتي كبيرة معكم.

  7. اتق الله يا رجل ، هل تسمي هذا الذي أنت فيه من هداية ورطة ؟!
  8. وماذا اسميه ؟ نسيتم ماذا جرى للإخوان المسلمين في مصر ، اعتقالات وتعذيب.

- محسوب عند الله سبحانه وتعالى ، ومن مات منهم فهو شهيد.

- وهل ماتوا دفاعا عن أوطانهم أو أعراضهم ، كانوا يريدون السلطة مثلهم مثل غيرهم .

- كانوا يريدونها لاقامة دولة الحق والعد ل.

- هذه الرؤية أحادية وقد لا تكون هي هذه الحقيقة كاملة.

- عموما ليس لديك خيار آخر ، اسمك تم تسجيله ، وإذا كشفت الجماعة فأنت واحد منها.

- حسبي الله ونعم الوكيل منكم ، ما الذي أوقعني؟ لو اعتقلت فمن أول سوط سأعترف بكل شيء .

- لا تخف ، ستخضع لعمليات تدريبية حول التحقيقات والتعذيب ، كل شيء حسبنا حسابه ، ولا تنس أن لدينا في الجماعة مسؤولين كبارا وعسكريين وإعلاميين.

- ماذا يريد المسؤولون الكبار اكثر مما هم فيه ، بيدهم السلطة والمال ، اللهم نسألك حسن العاقبة ؟

- ما دمت متمسكا بهذا الدعاء فأنت بألف خير.

 

    1.  

      لم أنم ليلتها ، تهاوت علي الهموم من كل زاوية ، اشتقت إلى شقة الشاطبي حيث أنام وحيدا ، مع نفسي ، هنا لا أجد نفسي ، أجد الآخرين فقط ، يفكرون نيابة عني ويقررون بدلا مني ، عبدالله ،هذا المراوغ الكبير يعتقد أن تطور عمان لا بد أن يكون على يديه هو وأمثاله ،أحسست بملايين الخطوات تفصلني عنه ، أريد أن أكون مسلما وكفى ، لا أؤمن بالتيارات الخفية التي تقلب هدوء المجتمع ، أليس هذا الحكم الذي لا يرضيهم قد أخرج عمان من ظلمات الممنوع إلى نور العلم والمعرفة؟! هل يذكر عبدالله ومن معه كم عدد الذين ماتوا في كوت الجلالي لا يعرف عنهم أحد شيئا ؟! كم الذين عاشوا الذل يخدمون في البيوت الخليجية يحلمون بجواز سفر ، لا بد لأي خطوة من أخطاء ، وأخطاء أي مرحلة لا بد أن يكشف عنها الستار ذات يوم ، حلمي أن أرى عمان متفوقة في كل مجال ، لكن ليس بهذه الجماعة التي تريد أن يرتدي الجميع عمامتها أو تعتبر المخالف مرتدا ، جاء الإسلام بنظرة مثالية للكون وللحياة البشرية ، وعبر ما يقارب من ألف وخمسمائة عام هناك نزال بين الخير والشر ،حقق الرسول الوحدة الإسلامية لكن الفكر اضطرب وتخلخل ولا يزال قبر النبي رطبا ، مات ثلاثة من الخلفاء الراشدين قتلا وسلم الخليفة الأول سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه ، هل هناك أعدل من الخليفة عمر ، وأنبل من الخليفة عثمان ذي النورين ، واطهر من الإمام علي كرم الله وجهه .. أراد الإسلام للأمة أن تكون خير أمة أخرجت للناس إلا أن الاجتهادات والتفسيرات والمذاهب والنحل اختلطت ببعضها ، كان ذلك في العصر الأول للإسلام ، ولم يكن يعرف أحد من هو الذي على حق ، الكل يدعي أنه يملك سيف الحق ليغرسه في رقاب مخالفيه ، بعد كل هذه العقود ،من يملك أن يقول أنا على حق.

      غصت في أسئلتي أرتجي لها إجابات لا تأتي ، وشتاء الإسكندرية بارد يوقف الدم في العروق ، ارتجف ،هل من البرد أم من هول ما أنا مقدم عليه؟.

      مضت الأيام تتابع سيرها ، ليل محفوف بمخاطره ونهار بأسئلته .

      انقطعت عن الذهاب إلى المسجد مخافة أن يراني أحد مع عبدالله ، عاد الي ذات مساء يحملني معه ، ركبنا الترام إلى محطة الرمل ، خرجنا من الترام بانحراف نحو اليسار ، درنا دورة كاملة لنعود إلى نقطتنا الأولى أمام أكشاك بيع الجرائد والصحف ، كان يتلتف كثيرا إلى الوراء ،قادني مرة أخرى إلى الناصية الثانية للشارع ، مشينا مسافة بعيدة لأصعد معه سلما ،كانت شقة فقيرة ومظلمة ،أجلسني أمام ثلاثة ملتحين حياهم بسرعة ودخل لإعداد الشاي ،واضح أنه يألف هذا المكان.

      أدخلني الثلاثة في دوامة الأسئلة ، عشرات الآيات والأحاديث التي تحث على تغيير المجتمع المسلم ليعيش حسب فطرة الله السوية ، أرجع سبب المصائب والضعف الذي عليه المسلمون إلى الابتعاد عن الحق القويم ،سألني أحدهم : هل نجلس نتفرج على حال المسلمين ؟! ان الله قيض لنا شرف أن نبدأ بالتغيير ، والرسول يقول من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فان لم يستطع فبلسانه فان لم يستطع فبقلبه وذلك اضعف الإيمان .

      سألني مرة أخرى: هل تريدنا أن نكون في اضعف الإيمان ؟.

      مرت الساعات في حديث طويل وأسئلة غالبا لا أجيب عنها .

      خرجت مقتنعا بما يراد لهذه الأمة من تغيير على يد هؤلاء الذين اختارهم الله لنصرة دينه وإحياء سنة نبيه عليه الصلاة والسلام ، زودني بمذكرات عديدة غصت فيها ليلي أتتبع سخونة ما ترمي إليه ،وسخونة ما ينتظر توجهاتنا من مصاعب نتهيأ لها نفسيا وجسديا.

      جاء الفجر ، سمعت صوت عبدالله يناديني مع كلمات الأذان ، للفجر رائحة الحنين نحو المنابت الأولي ،قريتي الناعسة في أحضان الجبال تعيش طفولتها السعيدة ، هادئة وبريئة رغم كل شيء ، أبي يحمل (مسحاته) يراقب طلوع الفجر في انتظار حلول موعد سقي نخيلاته القليلة ، يحرث الصباحات بنداءاته التي لها وقع المحبة ويقرأ القرآن كل صباح ،لا يحمل إلا نفسه البسيطة كبساطة كل شيء من حولنا ، للفجر رائحة قهوة أمي ،تلك الرائعة ببياض قلبها ، بأدعيتها وسجادتها تفاجئني نائما تدعوني للنهوض قبل أن تنهضني عصا أبي ..

      أيه أيتها الذاكرة المقفلة على عوالمك الخفية ،هل لديك أفق ينتشلني من أغشية بيضاء تضبب الكون من حولي ؟ في أي محيط هادر أنا ؟ أي سمكة قرش تدعوني إلى فمها تقدمني عشاء لأمعائها ؟ أي رحيل هذا بين فلسفة الجسد وفلسفة التغيير الديني ؟ يطفو طيف آلاء فأستعيذ بالله من شيطانه وأكاد أبكي على ما اقترفت من آثام ،يأتي صوت هالة يقترب من خطو الحنين في عمقي فأبتهل إلى الله طالبا الهداية.

      أخرج برفقة عبدالله إلى المسجد كأنني خارج من حدود نفسي ، بين اقتناع واتباع أخطو خطو عبدالله ، أراه خاشعا بين يدي مولاه يكاد يبكي من التأثر فأكاد أنتحب لا أعرف على أي شيء في حياتي ، مرهق الخطو أتبع الآخر ، مشتت بين سماوات شتى ، الأفكار التي سكبتها مذكرات البارحة فيّ خلخلتني ، انتزعتني من نفسي ولم تصلني بالمرسى الأخير ،ضائع بين نفسي التي غيبتها والمرسى الذي أكاد أراه ولا أراه ، استغفرت الله كثيرا وضممت رأسي بين يدي لا أذكر كيف بكيت وكم من الوقت بكيت.

    2.  

      ذات صباح حملت حقيبتي من الشقة التي لم يكن بها أحد ، خشيت على نفسي الجنون ، مرتبك الخطوة ، أنظر إلى صورتي في الجواز وصورتي الآن ، أنا الذي لا أحب السياسة أدخل إلى السياسة عبر بوابة الدين ، مثلما يقول عبدالله أننا لسنا علمانيين حتى نفصل بين الاثنين.

      رميت جسدي في سيارة الأجرة التي تقلني إلى مطار النزهة في الإسكندرية ، لم تكن هذه المدينة كما جئت إليها ،شيء ما تغير ، مياه كثيرة مرت من تحت الجسر ، لا بد أن أغادرها قبل أن يهوي بي الجسر ، استغفرت الله كثيرا ، لا أحب التورط في ما هو أكبر ، أبي ،أمي ،أخوتي ، أنا رب العائلة الذي ينتظرون راتبه نهاية كل شهر لأفرح الصغير فيهم وأسعد الكبير منهم ،أبنة عمي تحلم باليوم الذي أعود فيه من اغترابي داخل العاصمة كما تقول وأرضى أن أخطبها ، قال أبي أن أول طفل سيولد لي سيسميه زيد على اسم عمي ، ستفرح ابنة العم كثيرا لو جاء زيد على اسم أبيها الذي رحل عنها طفلة .

      ايه يا أبي ، طفل الأمس تغير ، كبرت خطواته ، ربما أكثر مما ينبغي ، جلدتني أعين أمن المطار كثيرا ، هاجمت كل خلية يحملها جسدي ، من النظرات أرتعب ، أكاد أصرخ من قوة لسعها ، فكيف بالجلد يا عبدالله ،كيف ؟ كيف ؟؟؟!!!

      في الطائرة التي عادت بي الي عمان شعرت بالتغير الكبير الذي داخلني منذ ان غادرت قدماي هذا الوطن ، سماوات ألقتني وبحار تلقفتني وأراض كادت تلتقمني ، استغفرت الله كثيرا من ذكرى صفعتني لكن لم انس قول خالد "الحسنات يذهبن السيئات وعفا الله عما سلف".

      مشيت في طريق العودة وأفكار كثيرة تزاحمني نفسي ، لا ادري من أين أبدأ رحلة العودة ، إذ أمامي مشوار كبير للتأقلم مع نفسي بين الآخرين وللتأقلم مع الآخرين في الثوب الجديد الذي ارتديه ، للمرة الأولى سيرون ذقني الذي بات طويلا ودشداشتي القصيرة وشعري الحليق ، حين غادرتهم كنت اذكر الشعر الطويل وبنطلون الجينز.

      نعم يا أيها البشر لقد تغيرت ، أريد أن أغيركم ،أريدكم أن تقتربوا من الله ، لا يهم تحت أي جماعة أو باسم أي جمعية ،المهم أن توثقوا رباطكم من الله ، أريد أن أخرجكم من سباتكم الطويل ، الحياة ليست جهاز تكييف وتلفزيونا ومخدة ناعمة ، تصوراتي لها تختلف ، أعوذ بالله إنها ليست تصورات بل حقائق عليكم ان تسمعوها جيدا.

      تحلقت حولي عائلتي ، ارقب جيدا ذلك الإشعاع المريب الذي يطل من عيني والدي ، أمي فرحت بعودتي ، اخوتي الذكور قاسوني بأعينهم كثيرا ، أما أخواتي فإنهن ينظرن وكأنهن لا يستوعبن ، الحمد لله على نعمته ، كتب الله لهن الهداية ولم يخالفن أمر الوالد في الخروج من المنزل ، الجلوس في البيت افضل من الخروج وسط تلك الموبقات التي يكاد المؤمن ان يخوض فيها ولو بلسانه ، استغفرك يا ربي العظيم.

      كنت منفصلا عن عالمهم ، لي شأني الذي يعتصرني عصرا ، اشعر بالأمس والحاضر والمستقبل دفعة واحدة ، تتقاذفني ملمات بعضها اعلمه وأكثرها في حكم المجهول ، عيني عبدالله وهما تتابعاني ، وصوته الذي يطلب مني ان لا أسأل كثيرا ، لأن المهمة صعبة واستعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان ، لا أنكر هذا الفيض الإيماني الذي غرسه في داخلي ، لكن كلمة التغيير ملتبسة في أعماقي ، أشياء كبيرة جدا محتاجة إلى التغيير ، تبدأ من أنفسنا ، مرورا بالآخرين ، أسئلة وأسئلة تتقاذفني بركانا حارقا ، لكن بذكر الله تطمئن القلوب ، تعود الي أنفاسي ، لكن حريق يشتعل في كل لحظة ، للمرة الأولى اكتم سرا بهذه الخطورة ، هل هو سر؟ لا بد من دعوة أهلي للاستقامة ،لكن هل الاستقامة وحدها ما تنقصنا ، يطل عبدالله مرة أخرى : سيكون لدعوتنا شأن كبير ، اخرج من حقيبتي مؤلفات سيد قطب وحسن البنا ، وكتب متنوعة كتبها إخواننا في الجماعة ، ومذكرات كثيرة طلب مني عبدالله المحافظة عليها لا ادري لماذا أحضرتها معي ، تحدثت مع أبى واخوتي عن الإيمان ، وضرورة أن يعود الإنسان إلى ربه ، أبى صامت لا يتكلم ، يحصي أوراقا في داخلي كأنه يخاف من تطاير الشرر من التغيير الذي رآني فيه ، لا تخاف يا أبت ، على المؤمن حجاب يحرسه ، همهم أبى وقال : الله يوفقك.

      شعرت بالجدران تنمو بيني والآخرين ، المسافات تمتد أسرع انفصالا ، على ماذا أبقي وماذا سأدع ؟!

      ما زال الجدل في أعماقي مستمرا ،تغيير الأمة ،تغيير أهلي ،تغيير نفسي ،هل سأصمد ،هل يحاسبني الله على أني فرطت في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟

    3.  

      ذات صباح اتصل بي شخص لا أعرفه ، اكتفى بالقول: أخوك في الإسلام ، طلب مني أن آخذ حذري .

      للمرة الأولى أحس أنني ارتجف ، أكاد اسقط من نفسي ، أين الإيمان يقف بي أمام اهتزاز من كلمة واحدة فقط ، خذ حذرك ، لكنني في الطريق القويم، لا بد أن في الأمر اختبارا ، ربما اتصل بالخطأ ، رغم اختبارات التحقيق وخلافه ما زلت أدرك الفرق بين تمثيل كنت أعرف نهايته وحقيقة يملك قوتها آخرون ، حاولت أن ادخل إلى داخلي بعض اليقين وسط بحار الشك ، لكن الأعماق تخلخلت ، حاولت أن اتصل بعبدالله في الإسكندرية ، هاتفه لا يرد ، زادت مخاوفي اكثر ، هل سأصمد حتى أجد عبدالله ،لكن أصمد أمام ماذا ؟ كلمة في الهاتف قيلت وانتهى الأمر ، ليت هذا المتصل يرحمني ويتصل ثانية .

      في المساء ، سمعت والدي يقول ان أنيس لم يعد إلى أهله منذ البارحة ، لم يعد ، كيف ؟ اعرف أنيس كثيرا ، وراقبت قبل سفري تغيره ،أين ذهب ، هل هو من الجماعة؟ هل أخذوه ؟ أعوذ بالله ، سألت أبي عن سبب اختفائه : قال لا اعرف ، ربما…

      تملمت كثيرا على فراشي ، أترقب ساعة أريدها أن لا تأتي ، أتذكر وعد عبدالله لي بأن ساعة الحقيقة لا بد أن تكون قريبة ، أي ساعة كان يقصد ؟! ، أنيس اختفى ، والشائعات تتردد انه اعتقل ، وعبدالله لا يرد على اتصالاتي ، هل عرفت الحكومة بأمرنا ؟ عدت الى كلام عبدالله وخالد وعلي وحديثه الدائم عن مشوار جماعة الإخوان في مصر ، المواجهة ، الاعتقال ، التعذيب ، هل .. هل؟؟ .

      أكاد لا اصدق ما أريد التفكير فيه ، اعتقال ، تعذيب ، مسامير حارقة ، الماء البارد والماء الساخن ، النوم جلوسا وسط القاذورات ، كدت اصرخ ، لكن صراخي في داخل كان اقوي ، شعرت بالغثيان ، لم استطع أن اضبط حركة أعصابي في مجاهل الجسد.

      فكرت في السفر ، لا ، السفر سيجلب الشك ، تصورت نفسي في المطار ، رجال الأمن يحيطون بي قبل دخولي القاعة الأخيرة ، يقتادونني وسط مجاميع البشر كأي لص أو مرتشي من الذين يتكاثرون سريعا ،عدت للتفكير ، لكنني لم افعل شيئا ، آمنت بمبادئ الحقيقة التي لا تقبل ميلا ولا زيغا ،سأقول للشرطة ذلك إذا حلت الكارثة ، سخرت من نفسي ، هل سيتركون لك الفرصة لتقول شيئا ، من أول حذاء على الرأس سأنتهي ،حاولت جمع لمام نفسي ، تحدثت مع نفسي عن الشجاعة ، عن كلمة الحق ، عن اليقين الذي احمله ، فكرت ان نقطة التغيير ستبدأ من تلك اللحظة ، تغيير الفساد باللسان ، سأقنع المحققين بما أريد أن أحققه ، أمة قائمة على الإيمان وحده ، كي تكون خير أمة أخرجت للناس ، سأقول لهم كل الكلام الذي حفظته من أفكار الإمام الشهيد حسن البنا ، هل قلت الشهيد ، إذن سأكون شهيدا ، يا سلام ، هذه الشهادة قادمة .. عدت إلى مخاوفي مرة أخرى ، كأنني لم أفكر في الشجاعة والشهادة ، عبدالله دربني كثيرا على اللحظات الصعبة ،كنت أدرك ان تلك كانت مجرد دورات في التحقيقات والاستجواب ،لكن المواجهة مختلفة.

      في الصباح قمت على أمل تنفيذ ما فكرت به ، الذهاب بسيارتي إلى دولة الإمارات ، سأنظر الأمر من هناك ، إن كان خيرا سأعود ، وان كان شرا سأغادر من هناك الي أية بقعة في ارض الله .

      حملت قليلا من ملابسي وبعضا من النقود ، خرجت بسيارتي كأنني في مشوار قريب ، دقات ساعة برج الصحوة تشير إلى السادسة صباحا ، سيارات قليلة بدأت في الصحو ، استدرت يسارا نحو خط الباطنة ، خطرت لي فكرة أن أمر على منزل أخي احمد ، اخبرني عبدالله انه ضمن مجموعتي الموجودة في عمان ، لا ادري لماذا لم أفكر في الاتصال به مباشرة ، انعطفت يمينا دخولا إلى السيب ، أحسست بارتجاف أطرافي على مقود السيارة ، الست بذلك اجلب الأنظار ، طردت هذا الخاطر على أمل ان مخاوفي كلها ليس لها أساس ، ربما اختفى أنيس لذهابه إلى إحدى البوادي العمانية داعيا في سبيل الله ، ارتحت لهذا الخاطر كثيرا ، في الشرادي سألت عن منزل احمد اكثر من شخص ، دلني أحدهم أخيرا ، طرقت الباب ، لم يجبني أحد لفترة طويلة ، خرج أحدهم من المنزل ، قلت له أريد احمد ، خرج مرتبكا وعلى عجلة من أمره ، كأن ألف عام مرت على عينيه إرهاقا ، دعاني للدخول ، قلت له : مررت للسلام فقط ، سألته عن الأخبار ، سألني عدة أسئلة ، كأنه يرغب في التيقن من شخصي ، قاطعته ، سألته عن الأخبار ، أجابني : لا حول ولا قوة إلا بالله ، منهم من قضى ومنهم من ينتظر .

      استأذنت سريعا ، علي أن الحق نفسي ،ثلاث سيارات تقترب من بيت أحمد ،أحسست بدماغي يهرب مني ،لا أكاد أستطيع الوقوف ،عدة أشخاص يترجلون سريعا ،يقتربون ،يتأكدون من أسمينا ،قلت لهم بفم يكاد يتجمد فرقا: ربما أخطأوا في الاسم ،أنا لست من هذه المنطقة ،قال لي أحدهم : حتى وان كنت من المريخ ،نحن نريدك أنت ، من أنتم ؟ سألته ، أجابني : ستجد وقتا طويلا للأسئلة والأجوبة.

    4.  

 

مشهد عجيب ،كالموت ليس لحلوله مكان ولا زمان ،اذ لا تدري نفس متى يقبض عليها وأين ،تصببت عرقا ،خفت أن يسمع حمد صوت بكائي الداخلي ،خرج أهله كومض البرق كأنهم كانوا ينتظرون إشارة من مخرج تصوير ،كما يحدث في الأفلام تماما ،دخلت سيارة من السيارات الثلاث ،ساقوا حمد إلى سيارة أخرى ،لم أشعر بتوالي المكان خارج حدود نافذة السيارة ،كان المكان ينسرب إلى الوراء سريعا ،خلت أن عشرات السيارات تتبع مسيرنا.

للمرة الأولى أشعر بالكون من حولي وجودا أضيق من ثقب إبرة ،تذكرت الله كثيرا ،تذكرت صوت عبدالله: ألا بذكر الله تطمئن القلوب ،حاولت أن أجد أدعية في تلك اللحظة لكنني خارج نفسي ،خارج روحي ،لا أجد إلا كتف رجل لا أعرف هويته بالتحديد ،لكني أدرك أن ثيابه تشي برائحة ما تدل على أنه من الأمن ،جلست بين اثنين منهما ،واثنان آخران في مقدمة السيارة ،السائق وبجانبه آخر ، هل أنا خطير إلى هذه الدرجة ؟! إذن عبدالله يحتاج إلى كتيبة كاملة لاعتقاله ، أوه .. هل أنا معتقل؟ .. طافت الكلمة مرعبة على شراييني كأنها تنبه كل شريان ليتحفز رعبا ،حاولت أن أتذكر ما أعرفه من خبرات اكتسبتها في تجارب التحقيق ، أنا قوي ،سأجيبهم على كل تساؤلاتهم التي حفظتها عن ظهر غيب ،لكن ماذا لو اختلفت الأسئلة؟! مرت علي لحظة خلت أنني اسبح في محيط من العرق ،أهداب عيني تتنديان مطرا ،فلا ادري هل كنت أبكي أم أنه العرق وحده ..

تدريجيا بدأت الغيوم تتكاثف أمام عيني ..

لا أكاد أحس بالسيارة وانحرافاتها يمينا ويسارا ..

أحاول أن ابقي رأسي منتصبا في اتجاه الأمام .

مرت السيارة عمرا.

استدارت كثيرا.

هبطت أودية وشعابا ،خاضت بحارا ومحيطات.

حاولت استجمع قواي الهاربة،أكاد اقبض عليها فتنفلت مني.

إلى أين المسير؟

أي خطو قادم في دروب التيه؟

من زمن إلى زمن..

المتاهة واحدة.

الدروب تختلف ،ينفجر الماضي في عمقي صديدا ، الحاضر ليس أفضل منه ،المستقبل: لا يبدو أنه يستحق الاسم.

استدارت السيارة كثيرا ، صعدت منحنيات ، دخلت أماكن ، توقفت في اخرى ، معها كحبة قمح ، فينة على كتف الجالس على يمناي ، أخرى على الكتف المحاذي لي شمالا ، الضباب يشتد .. يشتد .. يشتد ...

…………………………

………………………..

……………………….

……………………….

………………………

 

 

     
1