رحلة أبو زيد العماني
الفصل الرابع
احمل أنفاسي هذا الصباح استشعر الكون ثقيلا على خاصرتي ، طفلتي شهد تنظر من وراء الستارة تترقب عودة والدها ، أنا لا أترقب شيئا بالمرة ، هذا هو البؤس الذي احسه كلما انظر إلى الوراء ، إلى شبح الأمس يقتات من ذاكرتي الشيء الكثير ، انظر إلى المرآة أتحسس وجهي ، عيناي كأنهما تغادراني بحثا عن ضائع تاه في الأمس ، أقرأ صحف الصباح لعلها تأتيني بجديد أخرج به من داخلي ، من الفراغ المطبق على أنفاسي ، هل يمكن للفراغ أن يتمدد على شرايين الإنسان فيمنع مرور الدماء إلى الرأس ؟ هذا ما أشعره كل حين ، أحاول أن أسجل في مفكرتي ما أحس انه مثير ، في الصفحة الأولى من جريدة عمان اقرأ في أول الصفحة ناحية اليمين خبرا أكد الإشاعات التي امتلأت بها أفواه الناس من حولي ، تذكرت كلام صديقتي عائشة " لا دخان من غير نار" ، إذن هذا الجمر قد بان ، لكن اللهب سيكون اكبر مما أتوقع ، اقرأ العناوين : بقصد الفتنة وشق الوحدة الوطنية لمجتمعنا .. الكشف عن تنظيم سري له ارتباطات مالية وتنظيمية بالخارج .
أواصل قراءة الخبر : قامت سلطات الأمن العمانية قبل عدة أسابيع بالكشف عن شبكة تنظيم سري يجعل من الدين الإسلامي قناعا بقصد إثارة الفتن وشق الوحدة الوطنية التي ينعم بها المجتمع العماني وتتكون هذه الشبكة من اكثر من مائتي شخص تم استجوابهم والإفراج عن عدد كبير منهم . كما أسفرت نتائج التحقيق معهم عن ارتباط هذه الشبكات من الناحيتين التنظيمية والمالية بجهات خارجية وسيتم عرضهم على القضاء للنظر في أمرهم من الناحيتين الشرعية والجنائية .
انتهى الخبر ، ولم يشف ظمئي لمعرفة المزيد ، لا احب السياسة كثيرا لكن أحس هذه المرة أن دافعا ما يأخذني للتفكير في أمر هؤلاء ، هل هو عدم تعودنا على مثل هذه الأخبار؟ طافت على مخيلتي أحاديث والدي عن محاكمة السبعينات ، وعن الثوار الذين تم القبض عليهم وأولئك الذين كانوا يلعبون على الحبلين ، لم اصدق الكثير مما قيل لأن والدي كان يعتمد على جلسات العصر مع أصدقائه في مكتبه حيث يدير شركاته ، أبى عاش شابا فترة التحولات ، كان يتحدث عن الاعتقالات التي تمت في تلك الفترة ، وعن "جواني الفلفل " التي يدخل فيها المقبوض عليهم ويتم دفنهم جماعات بواسطة "الشيول" ، لم استوعب تلك الحكايات واعتبرتها داخل نفسي واحدة من حكايات ألف ليلة وليلة ، أو تلك الأساطير التي يكثر قدماءنا من روايتها كالحديث عن السحر وعودة الأموات.
هذا المساء يأتي بخبر يحمل ما لم نعرفه منذ سنوات طويلة ، على الأقل منذ أن بدأنا مرحلة الوعي ضمن جيل جديد لا يعرف من الأمس إلا أساطير السحرة والظلام الذي يلف سجنا كبيرا اسمه عمان ، الآن أشياء كثيرة تغيرت ، لكن جدتي ليست مرتاحة من هذا التغير ، أسمعها تضرب كفا بكف قرفا من هذا التغير ، إنه كما تقول:"التطور" ، جدتي لا توفر كلمة عن البنات اللاتي صرن كاسيات عاريات ، تضحك من بنطلوناتي الجينز اللتي أخفيهن بعباءتي حينما اخرج من المنزل ، تطوف بي الذكرى إلى حديث جدتي :" ما تعرفي أن التي تكشف رأسها ملعونة ، الآن صار الهندي يصف الشعر ويغسل الملابس ، أين الغيرة " أقول لها: يا جدتي، الزمن تغير ، ترد : الحمد لله ارتحنا من الشقاء ، لكن ما الداعي إلى هذا ؟ شوفي نفسك.
افعل كما قالت ، أرى نفسي ، بالعمق الذي اشعر به ، بالبوح الجواني الذي اعتقلني منذ أن أعطيت جسدي لعابر على سماء القلب ، لم يكن مجرد عابر فقط ، كان سيلا من الأمطار اثقل سمائي بسحبه ، حين هطلت السحب بأمطارها على أرضي العطشى نبتت أشجار اللوز والتفاح على الصحراء المتعبة ، لكن السيول أقوى مما تحملت ، انزلق جسدي في ثناياها ، آه أيتها الروح ، صعب أن نتحد لنحقق اليوتوبيا الضائعة في رحلة البحث عن الذات ، أحمل منذ الخليقة الأولى رسوما ونقوشا على الجدران الصخرية تحرم أن نمنح الروح والجسد إلا لشخص واحد يحملنا معه رحلة طويلة في الحياة يسمى الزوج ، في حياتنا تناقضات كثيرة ، نمنح الروح اكثر من مرة ، من معذب إلى آخر نعطي بلا حساب ، حين تنفتح الجروح ندرك فقط أننا أخطأنا الدرب لنبحث عن مخلص جديد يساعدنا على الحمل الذي تنوء به ذواتنا ، النصف الآخر لا يصدق أن لدينا روحا يجب أن تحترم ، لا يرى فينا إلا جسدا يجب أن يستباح ، لكن هل الجسد وحده ما يشقينا؟ هل هو أغلى من الروح التي تتمرد في كل حين فوق قدراتنا على كبح جماحها ؟ أيها الليل الطويل ، بين الروح والجسد ، متمرد وأنا وحدي احمل خطيئة الجسد ، لو منحت روحي آلاف المرات لن يكن ذلك خطيئة تحبس أنفاسي كي لا تكتشف ، ليلة أن كشفت عن جرحي أمام من جاء ليحملني إلى رحلة العمر معه ، أدركت كم كنت معذبة احمل جرحا اكبر مني ،أوسع من فضائي ، أطول من أيامي ، لكنه حاول أن يعتبر الأمس فعلا ماضيا ، في زوايا عينيه المح الماضي يسكن حتى رموشه ، احمل عذاب نفسي ،أغوص إلى قاع الحلكة أترصد بصيص ضوء ينقلني إلى فجوة نور احلم بها ، لكن المستباح لا يملك فرصة ، وكذلك أنا.
أعدت قراءة الخبر ، يبدو هذا العام يحمل إلينا اكثر من خبر لم نعتده ، لم تكد حادثة السفير العماني واختفائه في الجزائر تنتهي حتى يأتي خبر اعتقال مائتين من العمانيين الذين ما خانوا يوما ولا مالوا ، حادثة خطف وحادثة اعتقال ، والله يستر من الآتي ، كأن المستقبل اشد غموضا مما اعتدنا ، تناولت دفتر مذكراتي ، كتبت : اليوم الاثنين، التاريخ 29 أغسطس 1994 ، الحدث ، خبر جديد يستحوذ على اهتمامي ، يبدو أن الواجهة الزجاجية أصابتها الخدوش ، لا بد من الحفاظ على الأشياء الجميلة في حياتنا ، لا يمكن أن ينشر خبر من هذا النوع لو لم تكن المشكلة اكبر.
اقتربت مني ابنتي شهد وحملت القلم من يدي ، أعطيتها ورقة بيضاء لتخربش عليها ، تحاول أن تقلدني فيما أقوم به.
بعد المغرب عاد زوجي من العمل منهكا ، يستعد لخروج آخر .
لا أدري كم من الوقت مر وأنا أنصت لوالدته ، تشكو حالها وضعفها ،أغلقت السماعة ، وأمواج تتقاذفني لا ادري إلى أي مأزق صخري سيشج رأسي فلقا ، أتذكره كما كان ، كما أعرفه ، بضحكته ، بحزنه الشفيف الذي يرميني به على حين غرة ، بصوته حين يغني لي أغنية محمد عبده "وهم كل المواعيد " ، بالروايات التي يهديني اياها حتى عشقت القراءة ، ربما لأنها تذكرني به ، في عيد ميلادي أهداني رواية يوميات سراب عفان لجبرا إبراهيم جبرا ، صرخت في وجهه فرحة: هل هذه هدية يهديها شخص إلى واحدة يحبها ، رد : لم أجد شيئا اجمل مه هذه الرواية ، الوردة تذبل وترميها ، زجاجة العطر ينتهي ما بداخلها ويكون مأواها الزبالة ، أما الفكر فأنه يقودني إلى مساحات اجمل ، ياه .. تلك الشاعرية التي رسمته أمامي كنزا من الأحلام التي لا تنتهي ، أحببت نبرات صوته وهو يقدم لي باقة من ورود لسانه التي لا تنتهي ، إذن كيف انتهينا ، كيف…؟
- مر زمن ، الأحلام تكسرت ، صرنا بعيدين ، ونحن اللذان نسكن بعضنا ، هل أعرفه لو قابلته؟ يا لسخرية الأقدار ، كيف أقابله ؟ ما الذي رمى به في هذا الطوفان ، اعرف مساحته التي يتحرك فيها ، فلسفاته عن الحب والجسد والروح والحياة ، بعمقه أدخلني في عمق الأشياء ، ما الذي فتح نار تذكره مرة أخرى ، دموع والدته اشعر بها دموعي ، زلزلتني هذه الدموع ، جرحني هذا الصوت الذي كان قبل دقائق ينتحب على الهاتف ، كأي أم فقدت ابنها ، لا تدري في أي بقعة هوجاء فقدته ، أو أي قدر أخذه ، هل يرجعه ؟!! يوم بعد آخر ، بدأت فصول الحكاية تتجمع أمام عيني ، بعضها مما يحكيه زوجي ، الحاضر الغائب ، بعضها الآخر من الصحف أو من السنة صديقاتي التي حل عليهن فجأة اهتمام مرعب بتتبع ما يقال ومالا يمكن أن يقال في جانب بعيد عن الماكياج والفنانات والأزياء. ذات يوم من أيام مصر المثقلة بضجيجها ، قامت أجهزة الأمن المصرية بمداهمة محل كمبيوتر يملكه الأخوان المسلمين ، المحل اسمه سلسبيل ، عن طريق الصدفة البحتة عثروا على (دسكات) مسجل عليها مجموعة من الأسماء أعضاء في تنظيم سري للإخوان المسلمين ، بعض الأسماء عمانية ، بالتنسيق مع الأمن العماني أرسلت القوائم ، وبدأت عملية المراقبة لمعرفة المزيد من الأسماء التي لم تسجل في قوائم دسكات محل سلسبيل ، ذات يوم من أيام عمان المشهودة ، جرت عملية الاعتقالات والمداهمات، بصورة درامية وجد أعضاء التنظيم أنفسهم في زاوية غير محسوب حسابها ، اعتقل بعضهم لعدة أيام ثم أطلق سراحه ، ثم أعيد اعتقال البعض منهم ، إذا تكرر اسم شخص ما في التحقيقات عبر مجموعة محددة من الأسماء المعتقلة سابقا يتم اعتقاله واستجوابه . تكاثرت المعلومات أمامي عن القضية ، لا ادري لماذا وجدت في متابعة هذه القضية ضالتي للخروج من مأزقي النفسي ، اتصلت بوالدته مرة أخرى ، عرفت منها انه افرج عنه بعد أسبوعين من اعتقاله ، لكنه اعتقل مرة أخرى ، زوجي اخبرني عن زميلهم الذي حاول أن يكون متماسكا رغم عينيه الكابيتين ، حدثهم أنه بعد أن اعتقل أعجبته حكاية الاعتقال بما تعنيه من تجربة عاش صورها كما قرأ عنها في ملفات الإخوان المسلمين في مصر ، لكنه عرف بعد ذلك ،أن تقرأ شيئا يختلف عن معايشته. انتشرت الأنباء عن تعذيب تعرض له المعتقلون ، ومثلما يحدث في الأفلام تراتبت الأخبار تترى تجر بعضها البعض ، سمعت انهم بعد أن اعتقلوا قضوا يومهم وقوفا على قدم واحدة في زنزانة ضيقة ، واستخدمت في أخذ اعترافاتهم عملية خلع الأظافر بالكهرباء والضرب والتعليق من أعلى الرجلين والرأس إلى الأسفل ، كنت بين الشك واليقين مما يدور حولي ، أظن الأقوال نبتت في رأس الناس تأثرا بما رأته من الأفلام ، وما عرفته عن قسوة رجال المخابرات لأخذ أقوال المعتقلين ، لا اصدق أن عمانيا مهما كانت رتبته ومهنته من الممكن أن يؤذي عمانيا مهما اختلفت التوجهات ، هذا هو إحساسي الذاتي. غرقت في حرقتي ، غاصة بخيالي الذي صور لي ذلك الحبيب النائي يرقد في قاع سجن كئيب ، تلك الضحكة التي فجرت الحياة داخل كل شريان في عمقي يئن تحت سياط جلاديه ، لماذا قلت جلاديه ؟ لا اعرف ، ربما خوفي عليه ، هل قلت خوفي ؟ ربما ، سنتان من الحب الجميل كافية لأكون هو ، ويكون أنا ، الرجل الذي تزوجته غير الذي أحببته ، الأول اخذ روحي كلها ، دثرها تحت غطاء قلبه ، الرجل الثاني ، جاء متأخرا ، حمل الجسد أكثر ، وأبعدني عنه نفس الجسد ، ربما لانه عليّ أن اقدم للأول الروح فقط ، بينما الجسد في انتظار المأذون الذي تسمح بمجيئه الظروف وقد لا تسمح ، وهذه الظروف ساقتني إلى قدر متناقض الخطى ، في آخر رعشة لقاء ، ذاب الجسد في فواصل الجمل التي سبحت في عسلها سنتين ، لم يكن ذلك ضروريا ، لكننا كنا أسيري اللحظة ، كيف نودع أجزاءنا ، كنت ذاهبة إلى وداعه ، ذلك الذي أغرقني في قبلات طويلة ، وعبر بي الأمداء واحدا بعد آخر ، ينام لياليه في بقعة مظلمة من السجن ، هل يمكن أن تسجن تلك الروح الشفيفة التي ما عادت يوما ولا كذبت ولا مالت ، لكن الأفق يبدو ضبابيا أكثر من قدرتنا على الإبصار، هل يمكن أن يكون مظلوما ؟ في انتظار المحاكمة التي يبدو أنها تأخرت ، عرفت انه شكلت محكمة أمن الدولة للنظر في هذه القضية ، يبدو ان الحكم سيطول زمنه حتى يأتي ، آه من المقادير ، ذلك العذب الجميل اصبح أصوليا ، لا اعرف الكلمة كثيرا وهل تنطبق عليه ام لا ؟ الذي اعرفه أن شيئا ما تغير ، اشعر به ، كأن حائطا ضخما نما بين الذي كنت اعرفه وبين هذا الذي ينتظر حكما اعتقد انه سيكون كبيرا. كلما تذكرت ذلك الذي عرفه أثق في براءته ، كنت اصدق لو انه اعتقل بسبب أفكاره المتحررة ، لكن القدر له خطواته التي لا نفهمها ، تأخذنا إلى البعيد ، ونحن الذين لا نود مغادرة خطوة أقدامنا الأولى.
مرت أيام بطيئة جدا ، لا خبر في الصحف المحلية عن الموضوع / القضية ، هناك خبر عن الطاعون الذي ضرب مناطق من الهند ، العمانيون العائدون ادخلوا حجرا صحيا للكشف عنهم ، مفاوضات السلام تحمل تفاؤلا بانتهاء النزاع في الشرق الأوسط ، الصحف تحمل أخبارا عن المشروعات التي ستفتتح بمناسبة العيد الوطني الرابع والعشرين الذي سيكون بعد أسبوع تقريبا.
وأنا أراقب جري الأيام على معصم الزمن ، حمل لي الثالث عشر من نوفمبر عام 1994 خبرا عن المحاكمات التي تمت في حق المعتقلين ، قرأت الخبر بلهفة:
حكمت محكمة أمن الدولة الموكل إليها النظر في قضية المتآمرين بإثارة الفتنة وشق صفوف المجتمع العماني المسلم واستغلالهم للدين الإسلامي وشريعته السمحاء لتحقيق الأهداف الهدامة. وقد تراوح حكم المحكمة على هؤلاء المتآمرين بأحكام تتفاوت بين الإعدام والسجن بمدد متفاوتة اقلها ثلاث سنوات مع النفاذ. وقد أمر حضرة صاحب الجلالة السلطان المعظم حفظه الله بوقف تنفيذ حكم الإعدام واستبداله بالسجن مدد متفاوتة ، هذا ومن المعروف أن مثل هذه الأحكام الصادرة بحق هؤلاء المتآمرين ضد الشعب وعقيدته الإسلامية السمحاء وموروثاته الحضارية المتمثلة في التعاون والتسامح وإصلاح ذات البين سينظر فيها دائما من قبل حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم _ حفظه الله _ وفقا لحسن سلوكهم في الوقت الذي يراه جلالته مناسبا.
في المساء جاء زوجي يحمل بين أجنحته أخبارا متباينة ، اشعر أن هذه القضية قربتني منه ، ربما لأنني لم أترك له فرصة أن يكون بيننا اهتماما مشتركا في الأفكار ، كنت أنصت وأناقش ما يحمله ، كان سعيدا بعرض ما يجمعه من أخبار تحملها أفواه أصدقائه حقائق أو تخيلا ..
- هل عرفت ، الأحكام صدرت.
- تأخرت ، اعتقدت أنها ستكون بسرعة.
- هل نسيت انهم اكثر من 200 شخص ويحتاجون لوقت لأخذ أقوالهم .
- مساكين ،عاشوا معاناة طويلة.
- هم الذين جاءوا بهذا لأنفسهم.
- يقال أن البعض منهم تورط.
- إنما هذه لحظة مكاشفة .
- لن تقودنا إلا إلى المجهول .
صمت ، خفت أن لا يطول صمته ، كان الجرح مكشوفا ، ذر عليه ملحا كثيرا ، أحترق جرحي بما فيه الكفاية ، لم اعد أتحمل المزيد ، جسدي أكثر من جرح ، يا للجسد ، لماذا لا أقول روحي ؟ دائما نخلط أوراق الجسد والروح ، نمنع الجسد حفاظا على الروح ، وحين نتنازل عن الجسد تتعذب الروح ،هذه الثنائية التي ندفع ثمن ثوراتها وصداماتها أضعافا ، الأول أخذ الروح لكنه لم يكتف ،صادر الجسد معها ، التالي يطالب بحقه مما فاته من جسد ، لسبب واحد فقط ، لأنه لم تكن له البصمة الأولى في معركة الحفاظ على الجسد ، أو الاحتفاظ بالشرف إلى ليلة المذبحة التي تنفذ تحت مسميات كثيرة.
ذلك السجين ، كيف الثنائية لديه الآن ؟هل لو شاءت الأقدار مرة أخرى واجتمعنا ،بماذا يطالب؟ وهل من حقه ، أسئلتي لا تنتهي ، المارد يقذف الأسئلة والحمم ، ووحدي من ينزف ،كأننا افترقنا أمس ، كأن البارحة لا زالت معي ، أرصد حركة عقارب ساعتها شكا ويقينا ،ذهبت إلى السرير لعلي أستجدي نوما قد يأت ولا يأتي ، تركته في الصالة يعبث بأفكاره أو على الأرجح هي التي تعبث به ،تحاشيت النظر إليه وأنا أهم بمغادرة الصالة كي لا يهزم قوتي على الوقوف ، شيء ما ألمحه ولا ألمحه يخبط جدران قلبي نحو هذا الإنسان الذي بالغ في احترام صمتي ثلاث سنوات ،شهد تقضي اغلب الوقت مع الشغالة ، تذكرت أبي وحكايته مع الشغالات ،لا اعتقد القابع في الصالة تثيره شغالة في منزل ، وسامته وأناقته توفران له انتهاكات افضل ، هذه أيضا حرمات لا بد أن أصمت حيالها ، دخلت غرفتي ، أغلقت مصباح الضوء ، عتمة المكان وفرت لي السباحة الهادئة في ظلمة موغرة في العمق ، طافت أخيلة على رأسي فالوقت مهيأ لها للعبث بي ، ظلمة في داخلي وأخري في خارجي ، الذي كان ، بعيد ،حبيس غرفة في سجن لا اعرف مقدار عذابها ، وحبيس الصالة قريب لكنه في منأى عن داخلي ، أشعر بالقرف من هذا العالم المجنون الذي يورطني في ألعابه الخفية ،روح .. جسد .. المجتمع يفرض شروطه كي لا التقي بمن أحب لان المقامات الاجتماعية تفصلها هوة كبيرة ، ويقولون أن الجميع سواسية ،ونكاية في التقاليد ثار الجسد فوق الروح ، حطم الأقفال والمغاليق ، وما زال المجتمع يطارد هذه الأنفس الكسيحة يترقب حالة انكشاف ليملأ أفواه أعضائه بحكايات لا تنتهي.
أيها الليل الذي معي: داخلي تسبح وخارجي ترتاد كل شيء ،حكايات كثيرة تنسج فوق المخدات التي تغرق بالدمع كل ليلة ،أساطير الحكايات تعبث في المخيلات التي فاتها الإبحار نحو القادم من العمر الجميل ، كم حكاية كحكايتي ، كم بؤسا كبؤسي؟
حملقت في الظلمة طويلا ، كأنني أحلق في نفسي ، ظلمات تعلو بعضها ، ولا شمعة تضيء الداخل ، لماذا نحن متمسكون بهذا الحزن ، بالسواد ،لا نرى هالات الضوء ، وان وجدناها نطفئها بحساباتنا وعقدنا .
أسئلة تنبت من أسئلة ، حزنا يجر آخر ، أدخل في عتمة أخرى ، الليل يحيط بصحرائي الممتدة رملا وجفافا ، لكن السحب السوداء تغمر الفضاء ، تشتد الريح ، تلمع الأرض بالبرق والتقي صوت الرعد صوت الريح ، أرتعش خائفة وحدي ، يأتي صوته: حبيبتي أنا هنا ، تعالي أحميك من قسوة ما يحيطك .. التفت إلى اتجاهاتي الأربعة ، لكن لا شيء إلا صوت الريح والرعد ، والظلمة الجاثمة على كل شيء ، حين تبرق السماء يخيل لي أن جسدا يلبس البياض يقترب ، أتمنى أن يستمر البرق كي يكشف عن هذا البياض القادم ، صوته ،من بين ثنايا الريح يحوم حولي ، يقترب مني يعطيني أملا أن أخرج من هذا المجهول ..
حبيبتي ، أنا القادم من أمسك ، تعالي نبحث عما ضاع سويا ، لعل الغد يخبئ أغنية جميلة نعيش نرددها سويا .. أي صوت يأتي بهذا الصوت ، بل أي سماء تمطرني إياه ، والصحراء ممتدة ، والعذابات أكثر امتدادا ؟!!.
أحتضن ملابسي بقوة كي لا تأخذها الريح ، أداري جسدي ، روحي تكاد تسبقني إليه ،أركض إلى البياض بقوة ،انه هو ،هذا العصفور المرتعش تحت الأمطار يحتضنني بقوة ،ببياض ما يرتديه يدثرني ،أنا المرتعشة من الشريان إلى الشريان ،لا ادري ما اختلط بين وجهي ووجهه ،مطر أم دمع ،أم بقايا الأمس نغسله سويا ، فجأة هدأت الأمطار ،صعدت شمس من بين خصاص السحاب المنسحب ، رأيت الأرض تخرج حبا وعنبا وزيتونا ونخلا ، رأيت الأشجار تسابق الورود خروجا كي تمسح وجه الصحراء الذي كان ، أخذ بيدي ،انتزعني من نفسي ، أنا الغريقة والخائفة ، أنزع عن نفسي غطاءاتها الكثيفة ، أنسى الليل والصحراء والخوف ، أتذكره هو فقط ، جنة حبي التي انتظرتها ، لعل الجروح تغدو أمسا فقط فلا يزرع الشوك في غدي، تنسل أصابعه من بين أصابعي ، أتمسك بها ، لكنه ينسحب من أمامي ، أقول له : لماذا ؟ يبتعد الجسدان عن عناقهما ، أقول له إلى أين ؟! تبتعد الخطوات عن اقترابهما، أقول له : نحن اقتربنا ، لماذا نبتعد ؟! الصحراء أنبتت زرعا وكرما لماذا نخرج من جنتنا ؟ يرمي لي رداءه الأبيض ، ويسير إلى البعيد ، اركض وراءه والخوف يركض بي أسرع ، أختفي بين الأشجار ، اصرخ: يا عمري الذي وجدته ، الجنان بدونك صحراء والورد سيصير إلى ذبول ، كل شيء من غيرك لا حياة فيه.
في وحدتي ، أتدثر بالبياض الذي أهداني اياه ، أراقب كم النخيل بدأت في مغادرة تربتها ، كم الأزهار بدأت في نكس رؤوسها ، كم كرمة تيبست وغارت في الأرض كأنها لم تكن .. لا شيء أمامي إلا أن أصرخ . في وجه الصحراء .. في وجه الليل .. في وجه كل الأشياء التي تجدب ساعة أن نصل إلى ما نريد ، الحزن المصلوب في أعناقنا ،لأننا نبحث عن شيء لا نعرفه ، حين نجد ما نشعر انه الحقيقة التائهة نرجع إلى الفقد .. أصارع حنجرتي كي تصرخ أكثر ، أنهض من نومي أشعر بحلقي جاف إلى درجة المرارة ، هل صرخت كثيرا ؟ هل سمع أحد في البيت صراخي ؟.
صباحا ، قمت من نومي اجتر حلم البارحة ، احزم بقاياه وأفكر في الرداء الأبيض والصحراء التي كانت وعادت جفافا كأن الاخضرار لم يصبها على حين غرة.
شربت قهوتي ، وناديت على الشغالة تحضر لي صحف الصباح ،على صدر الصفحة الأولى قرأت:
جلالته يأمر بالعفو العام ..
وسابقت عيناي في قراءة الخبر وتفاصيله : تفضل حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم واصدر أمره السامي بالعفو العام عن جميع السجناء المتورطين في قضايا وتنظيمات محظورة قانونا داخل سلطنة عمان كما شمل جلالته بعفوه السامي زملاءهم المقيمين خارج السلطنة والذين ليمثلوا أمام المحاكم المختصة.
وقرأت نص البيان الصادر من رئاسة الأمن الوطني: احتفاء بالذكرى الخامسة والعشرين لعيدنا الوطني المجيد تفضل حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم واصدر أمره السامي بالعفو العام عن جميع السجناء المتورطين في قضايا وتنظيمات محظورة قانونا داخل سلطنة عمان كما شمل جلالته بعفوه السامي زملاءهم المقيمين خارج السلطنة والذين لم يمثلوا أمام المحاكم المختصة . وان جلالة السلطان المفدى أراد أن تحتفل عمان بمناسبتها الكبيرة الخالدة وفرحة الشعب العماني داخل كل أسرة عمانية ،وسوف تقوم الجهات المختصة باتخاذ الخطوات اللازمة لتنفيذ الأمر السامي قبل نهاية شهر نوفمبر 1995.
وضعت الجريدة جانبا..
ووضعتني الدنيا جانبا ..
ألف عام مرت في لحظة..
كان كل شيء قابلا للقدوم إلى ذاكرتي ..
ما عدا أنا.