رحلة أبو زيد العماني

الفصل الرابع

الرئيسية

احمل أنفاسي هذا الصباح استشعر الكون ثقيلا على خاصرتي ، طفلتي شهد تنظر من وراء الستارة تترقب عودة والدها ، أنا لا أترقب شيئا بالمرة ، هذا هو البؤس الذي احسه كلما انظر إلى الوراء ، إلى شبح الأمس يقتات من ذاكرتي الشيء الكثير ، انظر إلى المرآة أتحسس وجهي ، عيناي كأنهما تغادراني بحثا عن ضائع تاه في الأمس ، أقرأ صحف الصباح لعلها تأتيني بجديد أخرج به من داخلي ، من الفراغ المطبق على أنفاسي ، هل يمكن للفراغ أن يتمدد على شرايين الإنسان فيمنع مرور الدماء إلى الرأس ؟ هذا ما أشعره كل حين ، أحاول أن أسجل في مفكرتي ما أحس انه مثير ، في الصفحة الأولى من جريدة عمان اقرأ في أول الصفحة ناحية اليمين خبرا أكد الإشاعات التي امتلأت بها أفواه الناس من حولي ، تذكرت كلام صديقتي عائشة " لا دخان من غير نار" ، إذن هذا الجمر قد بان ، لكن اللهب سيكون اكبر مما أتوقع ، اقرأ العناوين : بقصد الفتنة وشق الوحدة الوطنية لمجتمعنا .. الكشف عن تنظيم سري له ارتباطات مالية وتنظيمية بالخارج .

أواصل قراءة الخبر : قامت سلطات الأمن العمانية قبل عدة أسابيع بالكشف عن شبكة تنظيم سري يجعل من الدين الإسلامي قناعا بقصد إثارة الفتن وشق الوحدة الوطنية التي ينعم بها المجتمع العماني وتتكون هذه الشبكة من اكثر من مائتي شخص تم استجوابهم والإفراج عن عدد كبير منهم . كما أسفرت نتائج التحقيق معهم عن ارتباط هذه الشبكات من الناحيتين التنظيمية والمالية بجهات خارجية وسيتم عرضهم على القضاء للنظر في أمرهم من الناحيتين الشرعية والجنائية .

انتهى الخبر ، ولم يشف ظمئي لمعرفة المزيد ، لا احب السياسة كثيرا لكن أحس هذه المرة أن دافعا ما يأخذني للتفكير في أمر هؤلاء ، هل هو عدم تعودنا على مثل هذه الأخبار؟ طافت على مخيلتي أحاديث والدي عن محاكمة السبعينات ، وعن الثوار الذين تم القبض عليهم وأولئك الذين كانوا يلعبون على الحبلين ، لم اصدق الكثير مما قيل لأن والدي كان يعتمد على جلسات العصر مع أصدقائه في مكتبه حيث يدير شركاته ، أبى عاش شابا فترة التحولات ، كان يتحدث عن الاعتقالات التي تمت في تلك الفترة ، وعن "جواني الفلفل " التي يدخل فيها المقبوض عليهم ويتم دفنهم جماعات بواسطة "الشيول" ، لم استوعب تلك الحكايات واعتبرتها داخل نفسي واحدة من حكايات ألف ليلة وليلة ، أو تلك الأساطير التي يكثر قدماءنا من روايتها كالحديث عن السحر وعودة الأموات.

هذا المساء يأتي بخبر يحمل ما لم نعرفه منذ سنوات طويلة ، على الأقل منذ أن بدأنا مرحلة الوعي ضمن جيل جديد لا يعرف من الأمس إلا أساطير السحرة والظلام الذي يلف سجنا كبيرا اسمه عمان ، الآن أشياء كثيرة تغيرت ، لكن جدتي ليست مرتاحة من هذا التغير ، أسمعها تضرب كفا بكف قرفا من هذا التغير ، إنه كما تقول:"التطور" ، جدتي لا توفر كلمة عن البنات اللاتي صرن كاسيات عاريات ، تضحك من بنطلوناتي الجينز اللتي أخفيهن بعباءتي حينما اخرج من المنزل ، تطوف بي الذكرى إلى حديث جدتي :" ما تعرفي أن التي تكشف رأسها ملعونة ، الآن صار الهندي يصف الشعر ويغسل الملابس ، أين الغيرة " أقول لها: يا جدتي، الزمن تغير ، ترد : الحمد لله ارتحنا من الشقاء ، لكن ما الداعي إلى هذا ؟ شوفي نفسك.

افعل كما قالت ، أرى نفسي ، بالعمق الذي اشعر به ، بالبوح الجواني الذي اعتقلني منذ أن أعطيت جسدي لعابر على سماء القلب ، لم يكن مجرد عابر فقط ، كان سيلا من الأمطار اثقل سمائي بسحبه ، حين هطلت السحب بأمطارها على أرضي العطشى نبتت أشجار اللوز والتفاح على الصحراء المتعبة ، لكن السيول أقوى مما تحملت ، انزلق جسدي في ثناياها ، آه أيتها الروح ، صعب أن نتحد لنحقق اليوتوبيا الضائعة في رحلة البحث عن الذات ، أحمل منذ الخليقة الأولى رسوما ونقوشا على الجدران الصخرية تحرم أن نمنح الروح والجسد إلا لشخص واحد يحملنا معه رحلة طويلة في الحياة يسمى الزوج ، في حياتنا تناقضات كثيرة ، نمنح الروح اكثر من مرة ، من معذب إلى آخر نعطي بلا حساب ، حين تنفتح الجروح ندرك فقط أننا أخطأنا الدرب لنبحث عن مخلص جديد يساعدنا على الحمل الذي تنوء به ذواتنا ، النصف الآخر لا يصدق أن لدينا روحا يجب أن تحترم ، لا يرى فينا إلا جسدا يجب أن يستباح ، لكن هل الجسد وحده ما يشقينا؟ هل هو أغلى من الروح التي تتمرد في كل حين فوق قدراتنا على كبح جماحها ؟ أيها الليل الطويل ، بين الروح والجسد ، متمرد وأنا وحدي احمل خطيئة الجسد ، لو منحت روحي آلاف المرات لن يكن ذلك خطيئة تحبس أنفاسي كي لا تكتشف ، ليلة أن كشفت عن جرحي أمام من جاء ليحملني إلى رحلة العمر معه ، أدركت كم كنت معذبة احمل جرحا اكبر مني ،أوسع من فضائي ، أطول من أيامي ، لكنه حاول أن يعتبر الأمس فعلا ماضيا ، في زوايا عينيه المح الماضي يسكن حتى رموشه ، احمل عذاب نفسي ،أغوص إلى قاع الحلكة أترصد بصيص ضوء ينقلني إلى فجوة نور احلم بها ، لكن المستباح لا يملك فرصة ، وكذلك أنا.

أعدت قراءة الخبر ، يبدو هذا العام يحمل إلينا اكثر من خبر لم نعتده ، لم تكد حادثة السفير العماني واختفائه في الجزائر تنتهي حتى يأتي خبر اعتقال مائتين من العمانيين الذين ما خانوا يوما ولا مالوا ، حادثة خطف وحادثة اعتقال ، والله يستر من الآتي ، كأن المستقبل اشد غموضا مما اعتدنا ، تناولت دفتر مذكراتي ، كتبت : اليوم الاثنين، التاريخ 29 أغسطس 1994 ، الحدث ، خبر جديد يستحوذ على اهتمامي ، يبدو أن الواجهة الزجاجية أصابتها الخدوش ، لا بد من الحفاظ على الأشياء الجميلة في حياتنا ، لا يمكن أن ينشر خبر من هذا النوع لو لم تكن المشكلة اكبر.

اقتربت مني ابنتي شهد وحملت القلم من يدي ، أعطيتها ورقة بيضاء لتخربش عليها ، تحاول أن تقلدني فيما أقوم به.

 

    1.  

 

بعد المغرب عاد زوجي من العمل منهكا ، يستعد لخروج آخر .

  1. إلى أين مرة أخرى؟
  2. عندي عمل ، اجتماع مهم.
  3. هذه الاجتماعات تتكاثر في هذه الأيام.
  4. تعرفي أن اجتماعاتنا نصفها كلام خارج العمل وما نستفيده من وقت الاجتماع لا يكفي للاتفاق على بند واحد.
  5. وطبعا هذه الأيام تناقشون مشكلة الشرق الأوسط.
  6. أي مشكلة؟ المشكلة خلصت ، ماشفت صحفنا ما عندها أخبار هذه الأيام.
  7. بالعكس ، عندها خبر الاعتقالات .
  8. خبر قديم ، الصحف الخارجية نشرته من فترة ، ما قرأت ان الاعتقالات تمت قبل عدة أسابيع ، على فكرة ، صحيفة لا ادري ما هي نشرت الخبر بالأسماء ، أراك تهتمين بالسياسة هذه الأيام .
  9. خبر مثل هذا يهم كل بيت عماني ، يمكن يكون واحد من أصحابك منهم .
  10. هذا صحيح ، زميلنا في الشركة اختفى منذ عدة أيام وموجود اسمه في القائمة.

    عاد الفراغ الي مرة أخرى ،زوجي خرج ، لا أشك أن لديه صديقة يحتمي بها مما اعتقد أنه ضاع من يديه ،أحيانا ألوم نفسي على سوء الظن ، لكنني أدرك إلى أي مدى تتصرف شخصية الرجل الشرقي حين يخطف منه حقه الأنثوي ، مساحة مضطربة بيننا رغم حرصنا على إخفائها ، شهد طفلتي التي جاءت لتنقذني من فراغي ، لكنها اليوم واجهة الغد ومواجهته.

    بحثت في كومة الصحف التي يحضرها زوجي كل يوم ، عن الأسماء التي قال لي أنها منشورة ، لم اقض وقتا طويلا في البحث ، كأن الجريدة كانت تنتظر يدي ، قرأتها اسما اسما ، في وسط الأسماء توقفت ، قرأته أكثر من مرة ، أحسست أن العالم يتوقف من حولي ، أن الكرة الأرضية زادت حركة دورانها ، هذا الاسم اسمه ، أعرفه جيدا.. الحبيب الذي لا يزال يمزق عمقي بنداءات الحنين ، ربما تشابه في الأسماء ، أحاول أبعد عن ذاته التي اعرفها ، إلى اسم بعيد عنه ، متشبثة بأمل أن لا يكون الاسم اسمه .. اذكر فلسفته التي لا تقترب من أي دلالة تشير إلى تدينه ، الخبر يقول إنها جماعة أصولية من الإخوان المسلمين ، معقول؟! أي محيط هذا الذي يضرب بي القاع ويرتد بي إلى أسنان قرش تمزق أنفاسي ، تحيلني إلى قطع تنهشها الأسماك من كل جانب ، حملت سماعة الهاتف ، اتصلت برقم هاتفه في المنزل ، هذا الرقم الذي لا يمكن نسيانه ، أسابق يدي في الضغط على الأرقام الستة ..

  11. الو ، السلام عليكم
  12. نعم ، تفضلي
  13. كيف حالك ؟
  14. الحمد لله ، أنت …..
  15. نعم ، أنا ..
  16. صار لك زمن لم تتصلي .
  17. تعرفي الظروف تغيرت.
  18. نعم ، يا ابنتي ، تغيرت كثيرا ، الله يسامحهم الذين ورطوه .
  19. يعني الخبر صحيح .
  20. الله يعينه .
  21. أرجوك ، اخبريني .
  22. الموضوع صار له اكثر من شهرين تقريبا ، والله كأني أحسهم عشر سنوات ، كان طالع بسيارته ، منذ اليوم الذي عاد فيه من السفر تغيرت أحواله ، قلنا الحمد لله ، الله تعالى هداه ، لكنه كان شخصا كأننا لا نعرفه.
  23. معقول؟! .
  24. تعرفي انه ربى لحية طويلة ، وقصر دشداشته ، وصار يقرأ الكتب الدينية دائما ، ويستغفر ربه دائما ، الذي يحيرني ، انه عندما كنا نخاف عليه من سهراته وسوالفه القديمة ما صار له شيء ، الآن وبعد ما هداه الله تعالى ….
  25. لا تبكي أرجوك ، أكيد أزمة والله تعالى يفرجها.
  26. كيف ما ابكي ، ما اعرف النوم ، طوال الليل وأنا ابكي ، الكلام من كل مكان ، يقول الناس انهم يعذبوهم.
  27. لا تصدقي كلام الناس ، إذا كانوا بريئين سيخرجون.
  28. البعض رجع ،وولدي ما رجع .

لا أدري كم من الوقت مر وأنا أنصت لوالدته ، تشكو حالها وضعفها ،أغلقت السماعة ، وأمواج تتقاذفني لا ادري إلى أي مأزق صخري سيشج رأسي فلقا ، أتذكره كما كان ، كما أعرفه ، بضحكته ، بحزنه الشفيف الذي يرميني به على حين غرة ، بصوته حين يغني لي أغنية محمد عبده "وهم كل المواعيد " ، بالروايات التي يهديني اياها حتى عشقت القراءة ، ربما لأنها تذكرني به ، في عيد ميلادي أهداني رواية يوميات سراب عفان لجبرا إبراهيم جبرا ، صرخت في وجهه فرحة: هل هذه هدية يهديها شخص إلى واحدة يحبها ، رد : لم أجد شيئا اجمل مه هذه الرواية ، الوردة تذبل وترميها ، زجاجة العطر ينتهي ما بداخلها ويكون مأواها الزبالة ، أما الفكر فأنه يقودني إلى مساحات اجمل ، ياه .. تلك الشاعرية التي رسمته أمامي كنزا من الأحلام التي لا تنتهي ، أحببت نبرات صوته وهو يقدم لي باقة من ورود لسانه التي لا تنتهي ، إذن كيف انتهينا ، كيف…؟

 

    1.  

      مر زمن ، الأحلام تكسرت ، صرنا بعيدين ، ونحن اللذان نسكن بعضنا ، هل أعرفه لو قابلته؟ يا لسخرية الأقدار ، كيف أقابله ؟ ما الذي رمى به في هذا الطوفان ، اعرف مساحته التي يتحرك فيها ، فلسفاته عن الحب والجسد والروح والحياة ، بعمقه أدخلني في عمق الأشياء ، ما الذي فتح نار تذكره مرة أخرى ، دموع والدته اشعر بها دموعي ، زلزلتني هذه الدموع ، جرحني هذا الصوت الذي كان قبل دقائق ينتحب على الهاتف ، كأي أم فقدت ابنها ، لا تدري في أي بقعة هوجاء فقدته ، أو أي قدر أخذه ، هل يرجعه ؟!!

      يوم بعد آخر ، بدأت فصول الحكاية تتجمع أمام عيني ، بعضها مما يحكيه زوجي ، الحاضر الغائب ، بعضها الآخر من الصحف أو من السنة صديقاتي التي حل عليهن فجأة اهتمام مرعب بتتبع ما يقال ومالا يمكن أن يقال في جانب بعيد عن الماكياج والفنانات والأزياء.

      ذات يوم من أيام مصر المثقلة بضجيجها ، قامت أجهزة الأمن المصرية بمداهمة محل كمبيوتر يملكه الأخوان المسلمين ، المحل اسمه سلسبيل ، عن طريق الصدفة البحتة عثروا على (دسكات) مسجل عليها مجموعة من الأسماء أعضاء في تنظيم سري للإخوان المسلمين ، بعض الأسماء عمانية ، بالتنسيق مع الأمن العماني أرسلت القوائم ، وبدأت عملية المراقبة لمعرفة المزيد من الأسماء التي لم تسجل في قوائم دسكات محل سلسبيل ، ذات يوم من أيام عمان المشهودة ، جرت عملية الاعتقالات والمداهمات، بصورة درامية وجد أعضاء التنظيم أنفسهم في زاوية غير محسوب حسابها ، اعتقل بعضهم لعدة أيام ثم أطلق سراحه ، ثم أعيد اعتقال البعض منهم ، إذا تكرر اسم شخص ما في التحقيقات عبر مجموعة محددة من الأسماء المعتقلة سابقا يتم اعتقاله واستجوابه .

      تكاثرت المعلومات أمامي عن القضية ، لا ادري لماذا وجدت في متابعة هذه القضية ضالتي للخروج من مأزقي النفسي ، اتصلت بوالدته مرة أخرى ، عرفت منها انه افرج عنه بعد أسبوعين من اعتقاله ، لكنه اعتقل مرة أخرى ، زوجي اخبرني عن زميلهم الذي حاول أن يكون متماسكا رغم عينيه الكابيتين ، حدثهم أنه بعد أن اعتقل أعجبته حكاية الاعتقال بما تعنيه من تجربة عاش صورها كما قرأ عنها في ملفات الإخوان المسلمين في مصر ، لكنه عرف بعد ذلك ،أن تقرأ شيئا يختلف عن معايشته.

      انتشرت الأنباء عن تعذيب تعرض له المعتقلون ، ومثلما يحدث في الأفلام تراتبت الأخبار تترى تجر بعضها البعض ، سمعت انهم بعد أن اعتقلوا قضوا يومهم وقوفا على قدم واحدة في زنزانة ضيقة ، واستخدمت في أخذ اعترافاتهم عملية خلع الأظافر بالكهرباء والضرب والتعليق من أعلى الرجلين والرأس إلى الأسفل ، كنت بين الشك واليقين مما يدور حولي ، أظن الأقوال نبتت في رأس الناس تأثرا بما رأته من الأفلام ، وما عرفته عن قسوة رجال المخابرات لأخذ أقوال المعتقلين ، لا اصدق أن عمانيا مهما كانت رتبته ومهنته من الممكن أن يؤذي عمانيا مهما اختلفت التوجهات ، هذا هو إحساسي الذاتي.

      غرقت في حرقتي ، غاصة بخيالي الذي صور لي ذلك الحبيب النائي يرقد في قاع سجن كئيب ، تلك الضحكة التي فجرت الحياة داخل كل شريان في عمقي يئن تحت سياط جلاديه ، لماذا قلت جلاديه ؟ لا اعرف ، ربما خوفي عليه ، هل قلت خوفي ؟ ربما ، سنتان من الحب الجميل كافية لأكون هو ، ويكون أنا ، الرجل الذي تزوجته غير الذي أحببته ، الأول اخذ روحي كلها ، دثرها تحت غطاء قلبه ، الرجل الثاني ، جاء متأخرا ، حمل الجسد أكثر ، وأبعدني عنه نفس الجسد ، ربما لانه عليّ أن اقدم للأول الروح فقط ، بينما الجسد في انتظار المأذون الذي تسمح بمجيئه الظروف وقد لا تسمح ، وهذه الظروف ساقتني إلى قدر متناقض الخطى ، في آخر رعشة لقاء ، ذاب الجسد في فواصل الجمل التي سبحت في عسلها سنتين ، لم يكن ذلك ضروريا ، لكننا كنا أسيري اللحظة ، كيف نودع أجزاءنا ، كنت ذاهبة إلى وداعه ، ذلك الذي أغرقني في قبلات طويلة ، وعبر بي الأمداء واحدا بعد آخر ، ينام لياليه في بقعة مظلمة من السجن ، هل يمكن أن تسجن تلك الروح الشفيفة التي ما عادت يوما ولا كذبت ولا مالت ، لكن الأفق يبدو ضبابيا أكثر من قدرتنا على الإبصار، هل يمكن أن يكون مظلوما ؟ في انتظار المحاكمة التي يبدو أنها تأخرت ، عرفت انه شكلت محكمة أمن الدولة للنظر في هذه القضية ، يبدو ان الحكم سيطول زمنه حتى يأتي ، آه من المقادير ، ذلك العذب الجميل اصبح أصوليا ، لا اعرف الكلمة كثيرا وهل تنطبق عليه ام لا ؟ الذي اعرفه أن شيئا ما تغير ، اشعر به ، كأن حائطا ضخما نما بين الذي كنت اعرفه وبين هذا الذي ينتظر حكما اعتقد انه سيكون كبيرا.

      كلما تذكرت ذلك الذي عرفه أثق في براءته ، كنت اصدق لو انه اعتقل بسبب أفكاره المتحررة ، لكن القدر له خطواته التي لا نفهمها ، تأخذنا إلى البعيد ، ونحن الذين لا نود مغادرة خطوة أقدامنا الأولى.

    2.  

 

مرت أيام بطيئة جدا ، لا خبر في الصحف المحلية عن الموضوع / القضية ، هناك خبر عن الطاعون الذي ضرب مناطق من الهند ، العمانيون العائدون ادخلوا حجرا صحيا للكشف عنهم ، مفاوضات السلام تحمل تفاؤلا بانتهاء النزاع في الشرق الأوسط ، الصحف تحمل أخبارا عن المشروعات التي ستفتتح بمناسبة العيد الوطني الرابع والعشرين الذي سيكون بعد أسبوع تقريبا.

وأنا أراقب جري الأيام على معصم الزمن ، حمل لي الثالث عشر من نوفمبر عام 1994 خبرا عن المحاكمات التي تمت في حق المعتقلين ، قرأت الخبر بلهفة:

حكمت محكمة أمن الدولة الموكل إليها النظر في قضية المتآمرين بإثارة الفتنة وشق صفوف المجتمع العماني المسلم واستغلالهم للدين الإسلامي وشريعته السمحاء لتحقيق الأهداف الهدامة. وقد تراوح حكم المحكمة على هؤلاء المتآمرين بأحكام تتفاوت بين الإعدام والسجن بمدد متفاوتة اقلها ثلاث سنوات مع النفاذ. وقد أمر حضرة صاحب الجلالة السلطان المعظم حفظه الله بوقف تنفيذ حكم الإعدام واستبداله بالسجن مدد متفاوتة ، هذا ومن المعروف أن مثل هذه الأحكام الصادرة بحق هؤلاء المتآمرين ضد الشعب وعقيدته الإسلامية السمحاء وموروثاته الحضارية المتمثلة في التعاون والتسامح وإصلاح ذات البين سينظر فيها دائما من قبل حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم _ حفظه الله _ وفقا لحسن سلوكهم في الوقت الذي يراه جلالته مناسبا.

في المساء جاء زوجي يحمل بين أجنحته أخبارا متباينة ، اشعر أن هذه القضية قربتني منه ، ربما لأنني لم أترك له فرصة أن يكون بيننا اهتماما مشتركا في الأفكار ، كنت أنصت وأناقش ما يحمله ، كان سعيدا بعرض ما يجمعه من أخبار تحملها أفواه أصدقائه حقائق أو تخيلا ..

- هل عرفت ، الأحكام صدرت.

- تأخرت ، اعتقدت أنها ستكون بسرعة.

- هل نسيت انهم اكثر من 200 شخص ويحتاجون لوقت لأخذ أقوالهم .

- مساكين ،عاشوا معاناة طويلة.

- هم الذين جاءوا بهذا لأنفسهم.

- يقال أن البعض منهم تورط.

  1. قصدك تم التغرير بهم ، هذه الكلمة المستخدمة .
  2. ليس المهم هذا ، لكن توقعت انه جميعا سيعدمون .
  3. صعب ، لا تنسي أن عددهم كبير وغالبيتهم أبناء قبائل معروفة .
  4. قبائل ، نعم قبائل.
  5. ولا تنسي أيضا أن بعضهم كان في مناصب كبيرة وبعضهم أصحاب رتب عسكرية ،اعتقد انهم أصحاب أحكام الإعدام التي خففت.
  6. الحمد لله أنها خففت .
  7. هذا ضروري ،كان من الممكن الرأفة بهم قبل صدور حكم الإعدام لكن هذا معروف دوليا، القاضي يصدر حكم الإعدام والحاكم يحففه.
  8. أحسن لك لا تفكر هكذا مرة أخرى حتى لا تجد نفسك رقم 201.
  9. في عمان ، الحمد لله ، الحرية موجودة ، لو كانوا يعتقلون أي إنسان قال مثل هذه الكلمات لكان أغلبية العمانيين في السجن ، الكلام دائما كلام ، هؤلاء اعتقلوهم لأنهم كانوا يودون القيام بفعل.
  10. هل ثبت هذا عليهم ؟.
  11. تعرفي انه تم اكتشاف كميات كبيرة من الأسلحة في المنطقة الشرقية .
  12. وأنا سمعت أن ذلك تم في محافظة ظفار، وقرأت في الصحف الخارجية أن جهات في السعودية والكويت كانت تمول هذه الحركة ، بالطبع من المستحيل أن يكون عن طريق الحكومتين السعودية أو الكويتية ، عندهم جهات عديدة تعمل كجهات خيرية ، كلام كثير ، لا تعرف الحقيقة من الإشاعة.
  13. على الأقل بعض الإشاعات حقائق ، هذا لا يخصنا في شيء ، ليس لنا قريب فيهم ولا حبيب ، والحكم صدر والموضوع في يد الحكومة.
  14. استغرب لماذا كانوا يريدون عمل كل ذلك.
  15. لهم وجهة نظرهم في أشياء كثيرة تحدث ، البعض غير راض عن أداء بعض المسؤولين ، الكل يتحدث عن السرقات وهبات بمئات الآلاف لمن نسميهم بالشيوخ.
  16. هذا في كل العالم يحدث ، هذا من طبع البشر ، والنفوس الضعيفة موجودة في كل مكان ، هل مطلوب من السلطان أن يراقب أمين مخزن ؟ بالطبع لا ، والسلطان لن يأت بموظفين من الفضاء ،طبعا الأمانة ضرورية لكن المهم المحاسبة لمن يخون هذه الأمانة.
  17. هذا هو كلام الناس الآن : أين المحاسبة ؟.
  18. يمكن تكون موجودة ، لكن لا تعلن .
  19. والناس يقولون : لماذا لا تعلن ؟! الواضح أن كل من سرق عمل نفسه رجل أعمال بأموال البلد ، عقابه أن يستريح ويأخذ راتب التقاعد بعد أن نشف الخزينة المسؤول عنها.
  20. يكفي أن الناس سينظرون إليه والى أولاده وأحفاده على انهم ينعمون بأموال مسروقة.
  21. من يعيش ليتذكر ، الذاكرات أصبحت مثقوبة ، المهم انهم يتنعمون ، وآلاف الشباب يعانون من فوائد البنوك التي تخصم على راحتها ،ويعانون من قلة الوظائف أو بالأحري من قلة الرواتب ،والرواتب قليلة لان الوضع الاقتصادي صعب ، والوضع لاقتصادي صعب لان اللاهفين زاد عددهم وطالت أيديهم .
  22. لا تكن متشائم وتكرر ما يقوله الناس ، تعرف الحسد والحقد ، كلما رأوا غنيا قالوا لص ، واذا كان يعمل بصمت قالوا متكبر وإذا تكلم عن المشاريع والخطط قالوا بائع كلام ، المهم هل هذا السبب في تكوين جماعة للأخوان المسلمين في عمان .
  23. زميلنا شرح الموضع بشكل مختلف.
  24. طبعا من وجهة نظر واحدة.
  25. يقول انهم كونوا جمعية ليس لها أية أغراض سياسية ، تقوم جمعيتهم على التكافل الاجتماعي ومساعدة الفقير منهم دون أن يتورط في الفوائد البنكية التي تعتبر ربا نهى عنه الإسلام .
  26. هذا كلام جميل ولا أظن الحكومة ستعتقل على أساسه أي شخص.
  27. هذا كلامه ، ربما فيه شيء من الصحة ، تعرفين أن الأمور التي جرت فوق …
  28. فوق؟žžžžžž
  29. فوق ،اقصد مع الأمن الداخلي ، دائما يشار إليه بكلمتين: فوق أو الجماعة ، طبعا الحقائق لا يعرفها إلا أصحاب الشأن ، جهة التحقيق ، وربما تكون جهات ، والمحقق معهم ،لأن هذه قضية أمنية خطيرة وصعبة ،زميلنا يقول أن الأغنياء منهم يساهمون في صندوق يتولى إعانة المحتاجين منهم ، يعني مثل هذه الجمعيات التي تنتشر كثيرا الآن هربا من الفوائد.
  30. لكن ما صلة ذلك بتنظيم الإخوان المسلمين في مصر؟.
  31. من يراك لا يظن انك تتابعين كل ذلك ، (ضاحكا) أخاف أن تكوني مدسوسة علي ،(مازحا) اقسم بالله العظيم أنني لا اعمل شيئا في السر .
  32. ضد الحكومة تقصد .
  33. ضد الحكومة أو ضد أي إنسان ، من تقصدين ؟

    لم استطع مواصلة الإبحار في هذا المحيط الذي لن يكون للإبحار فيه نهاية ، إذ أن النهاية تعني أغوارا صعبة من الصعب القبول بنتائجها ، ما دام القارب يسير بهدوء فالأمر يبدو جيدا كأضعف الأيمان ، من اجل شهد على الأقل ، لا أتصورها حزينة لأي سبب كان ، أعجبني الحوار معه ، للمرة الأولي اكتشف أن الجدار الذي بيننا يمكن أن يحد ارتفاعه ويتهاوى إلى حد ما ، يبدو سعيدا من حواري معه ، كأنه كان يخشى حائطا زجاجيا ينكسر فجأة لذلك كان يرقبني بصمت وبأقل عدد من الكلمات ، يراقب شغفي بالقراءة ، وأراقب شغفه بالخروج المستمر ، هذا المخلوق الذي سيطر على الجسد لكن الروح ظلت في منأى عنه ، هل يمكن يوما أن يقتنص هذه الروح ويحملها بين جوانحه كما حملها من قبله شخص أحببته كأنني لم احب شيئا آخر في حياتي؟ يقال ان الحب يأتي من العشرة ، لكن ثمة حائط يفصل بين اثنين لا تجمعهما كيمياء الروح ، إذ الطبائع تتقارب ، وإذ الكون يغدو وسطا واحدا يحمل اثنين فقط ، في عيني الفرد لا يبدو إلا كائن واحد في الكون فقط ، كان جنتي وحلمي ، دخلت الجنة بروحي ، كل لحظة كانت تطير معه إلى سماء سابعة ، لكن خرجت بجسدي ، ربما استشعر ذلك الثقل الكبير الذي زرعته بذرة صغيرة من الفلسفات التي قالها أمامي والتي قرأتها في كتبه التي يحملها الي ، منساقة إلى تفاصيل حكاية كانت ، هاربة من حكاية أعيشها ، صحوت على زوجي يلح بصوته:

  34. في أي مدينة تهت ؟

    - إلى البعيد من الأحلام ، إلى الغد الذي نراه ولا نراه.

    - كنا في حديث عن الاعتقالات ، وليس في حديث عن الأرواح.

  35. هل دخلت إلى نفسي لتعرف أي أرواح كنت أخاطب؟ .

    - الأرواح التي تصنعيها بخيالك ، اعرف أن خيالك خصب .

  36. وماذا تعرف غير ذلك عني؟ .

    - اعرف أن سورا عاليا يفصلنا وحاولنا تجنب الحديث عنه ، منذ ليلة الخطوبة كنت حائرا في ذلك الصمت.

    - دعنا من هذا.

  37. لماذا ؟

    - لأنه يجرنا إلى تحقيقات طويلة.

    -( ضاحكا)هذا زمن التحقيقات.

  38. الاعتقالات؟

    - آه من سرعة بديهتك.

    - لا اقصد انك تعتقلني ، اقدر الاحترام الذي أبديته لصمتي ولكن0000

    - تصارعين أشياء في داخلك.

    - كأنك لا تصارعها.

  39. بسبب ليلة الدخلة مثلا؟

    كأنه قذفني في بئر لا قرار لها ، ليلة الدخلة ،هذه اللحظات المكبوتة في عقلي الباطني تتبدى فجأة ، كأن ذلك الإعصار الذي خبأته بين زواياي يقذف بقلبي كتلة واحدة إلى أتون من نار ، الفواصل تتحول إلى تنينات تقذف لهبها إلى كل أجزائي ، اشعر بالحريق يأخذني في ومضة عين ، عرق وجهي ، احضر لي كوب ماء ، حاول إن يهدئ انفعالي ، لكن البركان أقوي مما تصور ، حتى مما تصورته أنا ، لا ادري أي جني خرج من عقاله ، كان الفانوس السحري مغلقا ، كنت اشعر بتموجات التوحش داخله لكنه كان مغلقا على أية حال .

  40. ماذا أصابك من ليلة الدخلة ؟.

    - لا شيء.

    - هل تتذكرين قسوتي عليك ،كان ذلك لا بد منه.

    - قلت لك اطو هذه الحكاية .

    - لا بد من بسطها كي تكونين افضل ، أنت التي قلت لي ذات مرة أن الحديث عن النفس دواء لها.

    - ذلك عن النفس وليس عن الجسد.

    - معظم آلامنا سببها الجسد .

    - لديك نظريات أيضا عن الروح والجسد.

    - ليس لدي أنا فقط ، الكثيرون يعرفون ، خصوصا من جرب التمزق بينهما.

    - انس الأمر.

    - أحاول أن لا نساه ، حتى نتطهر من زحف الماضي ، لا شيء يوارب طوال السنين ، لا تحسبيني مغفلا عندما أحسست أن المملكة التي أخذتها عذراء لم تكن كذلك.

    - إنها مملكة ، مجرد مملكة لا بد لها من فاتح.

    - لا اصدق انك من الممكن أن تفرطي في أبواب المملكة لأي فاتح.

  41. ماذا تقصد؟ .

    - اعرف ثقافتك وعفتك حتى قبل أن تكون بيننا خطوبة ، سمعت الكثير عنك ، من أهلي وصديقات أخواتي ، الكل يشهد لك بالأخلاق والثقافة.

    - قلت لك انس الأمر ، ما حدث قد حدث وانتهى.

    - لا ، لم ينته ، السور العظيم الذي ان بيننا اشعر به وان لم أتكلم طوال وجودنا ،أنت تغلقين نفسك على سر ، وأنا يعذبني هذا السر ، صبرت لأنه لا بد للقارب أن يسير ، والأمس من الممكن أن نغفره لكن من المستحيل أن ننساه إذا لم نفضح سره ونقتله بإخراجه إلى السطح بيننا.

    - حزين على عدم تمتعك بأن تكون أول فاتح للملكة وآخر فاتح .

    - المسألة لا تحسب هذا ، لا اقبل كرجل أن أكون احمقا ، ولا اسأل عن الأمس الذي حطم أسطورة جميلة رسمتها بمساعدة الآخرين أياما وشهورا .

    - بنفسك قلت أسطورة.

    - لا تهم التسميات ، أرجوك ، لا تركزي على الألفاظ ، أريد أن اعرف حقيقة ما حدث ، هل كان رجل في حياتك سبقني ؟ الذي لا اعرفه انه لم يتقدم أحد لخطبتك قبلي .

    - هل تحاسبني عن زمن لم أكن فيه لك.

    - الحساب فات أوانه ، لو أردته كان من أول ليلة ، لكنني بحثت لك عن أعذار كثيرة ، واحترمت ما عرفته عنك وعن عائلتك.

  42. والآن هل انتهى الاحترام ؟.

- إنما هذه لحظة مكاشفة .

- لن تقودنا إلا إلى المجهول .

صمت ، خفت أن لا يطول صمته ، كان الجرح مكشوفا ، ذر عليه ملحا كثيرا ، أحترق جرحي بما فيه الكفاية ، لم اعد أتحمل المزيد ، جسدي أكثر من جرح ، يا للجسد ، لماذا لا أقول روحي ؟ دائما نخلط أوراق الجسد والروح ، نمنع الجسد حفاظا على الروح ، وحين نتنازل عن الجسد تتعذب الروح ،هذه الثنائية التي ندفع ثمن ثوراتها وصداماتها أضعافا ، الأول أخذ الروح لكنه لم يكتف ،صادر الجسد معها ، التالي يطالب بحقه مما فاته من جسد ، لسبب واحد فقط ، لأنه لم تكن له البصمة الأولى في معركة الحفاظ على الجسد ، أو الاحتفاظ بالشرف إلى ليلة المذبحة التي تنفذ تحت مسميات كثيرة.

 

    1.  

      ذلك السجين ، كيف الثنائية لديه الآن ؟هل لو شاءت الأقدار مرة أخرى واجتمعنا ،بماذا يطالب؟ وهل من حقه ، أسئلتي لا تنتهي ، المارد يقذف الأسئلة والحمم ، ووحدي من ينزف ،كأننا افترقنا أمس ، كأن البارحة لا زالت معي ، أرصد حركة عقارب ساعتها شكا ويقينا ،ذهبت إلى السرير لعلي أستجدي نوما قد يأت ولا يأتي ، تركته في الصالة يعبث بأفكاره أو على الأرجح هي التي تعبث به ،تحاشيت النظر إليه وأنا أهم بمغادرة الصالة كي لا يهزم قوتي على الوقوف ، شيء ما ألمحه ولا ألمحه يخبط جدران قلبي نحو هذا الإنسان الذي بالغ في احترام صمتي ثلاث سنوات ،شهد تقضي اغلب الوقت مع الشغالة ، تذكرت أبي وحكايته مع الشغالات ،لا اعتقد القابع في الصالة تثيره شغالة في منزل ، وسامته وأناقته توفران له انتهاكات افضل ، هذه أيضا حرمات لا بد أن أصمت حيالها ، دخلت غرفتي ، أغلقت مصباح الضوء ، عتمة المكان وفرت لي السباحة الهادئة في ظلمة موغرة في العمق ، طافت أخيلة على رأسي فالوقت مهيأ لها للعبث بي ، ظلمة في داخلي وأخري في خارجي ، الذي كان ، بعيد ،حبيس غرفة في سجن لا اعرف مقدار عذابها ، وحبيس الصالة قريب لكنه في منأى عن داخلي ، أشعر بالقرف من هذا العالم المجنون الذي يورطني في ألعابه الخفية ،روح .. جسد .. المجتمع يفرض شروطه كي لا التقي بمن أحب لان المقامات الاجتماعية تفصلها هوة كبيرة ، ويقولون أن الجميع سواسية ،ونكاية في التقاليد ثار الجسد فوق الروح ، حطم الأقفال والمغاليق ، وما زال المجتمع يطارد هذه الأنفس الكسيحة يترقب حالة انكشاف ليملأ أفواه أعضائه بحكايات لا تنتهي.

    2.  

 

أيها الليل الذي معي: داخلي تسبح وخارجي ترتاد كل شيء ،حكايات كثيرة تنسج فوق المخدات التي تغرق بالدمع كل ليلة ،أساطير الحكايات تعبث في المخيلات التي فاتها الإبحار نحو القادم من العمر الجميل ، كم حكاية كحكايتي ، كم بؤسا كبؤسي؟

حملقت في الظلمة طويلا ، كأنني أحلق في نفسي ، ظلمات تعلو بعضها ، ولا شمعة تضيء الداخل ، لماذا نحن متمسكون بهذا الحزن ، بالسواد ،لا نرى هالات الضوء ، وان وجدناها نطفئها بحساباتنا وعقدنا .

أسئلة تنبت من أسئلة ، حزنا يجر آخر ، أدخل في عتمة أخرى ، الليل يحيط بصحرائي الممتدة رملا وجفافا ، لكن السحب السوداء تغمر الفضاء ، تشتد الريح ، تلمع الأرض بالبرق والتقي صوت الرعد صوت الريح ، أرتعش خائفة وحدي ، يأتي صوته: حبيبتي أنا هنا ، تعالي أحميك من قسوة ما يحيطك .. التفت إلى اتجاهاتي الأربعة ، لكن لا شيء إلا صوت الريح والرعد ، والظلمة الجاثمة على كل شيء ، حين تبرق السماء يخيل لي أن جسدا يلبس البياض يقترب ، أتمنى أن يستمر البرق كي يكشف عن هذا البياض القادم ، صوته ،من بين ثنايا الريح يحوم حولي ، يقترب مني يعطيني أملا أن أخرج من هذا المجهول ..

حبيبتي ، أنا القادم من أمسك ، تعالي نبحث عما ضاع سويا ، لعل الغد يخبئ أغنية جميلة نعيش نرددها سويا .. أي صوت يأتي بهذا الصوت ، بل أي سماء تمطرني إياه ، والصحراء ممتدة ، والعذابات أكثر امتدادا ؟!!.

أحتضن ملابسي بقوة كي لا تأخذها الريح ، أداري جسدي ، روحي تكاد تسبقني إليه ،أركض إلى البياض بقوة ،انه هو ،هذا العصفور المرتعش تحت الأمطار يحتضنني بقوة ،ببياض ما يرتديه يدثرني ،أنا المرتعشة من الشريان إلى الشريان ،لا ادري ما اختلط بين وجهي ووجهه ،مطر أم دمع ،أم بقايا الأمس نغسله سويا ، فجأة هدأت الأمطار ،صعدت شمس من بين خصاص السحاب المنسحب ، رأيت الأرض تخرج حبا وعنبا وزيتونا ونخلا ، رأيت الأشجار تسابق الورود خروجا كي تمسح وجه الصحراء الذي كان ، أخذ بيدي ،انتزعني من نفسي ، أنا الغريقة والخائفة ، أنزع عن نفسي غطاءاتها الكثيفة ، أنسى الليل والصحراء والخوف ، أتذكره هو فقط ، جنة حبي التي انتظرتها ، لعل الجروح تغدو أمسا فقط فلا يزرع الشوك في غدي، تنسل أصابعه من بين أصابعي ، أتمسك بها ، لكنه ينسحب من أمامي ، أقول له : لماذا ؟ يبتعد الجسدان عن عناقهما ، أقول له إلى أين ؟! تبتعد الخطوات عن اقترابهما، أقول له : نحن اقتربنا ، لماذا نبتعد ؟! الصحراء أنبتت زرعا وكرما لماذا نخرج من جنتنا ؟ يرمي لي رداءه الأبيض ، ويسير إلى البعيد ، اركض وراءه والخوف يركض بي أسرع ، أختفي بين الأشجار ، اصرخ: يا عمري الذي وجدته ، الجنان بدونك صحراء والورد سيصير إلى ذبول ، كل شيء من غيرك لا حياة فيه.

في وحدتي ، أتدثر بالبياض الذي أهداني اياه ، أراقب كم النخيل بدأت في مغادرة تربتها ، كم الأزهار بدأت في نكس رؤوسها ، كم كرمة تيبست وغارت في الأرض كأنها لم تكن .. لا شيء أمامي إلا أن أصرخ . في وجه الصحراء .. في وجه الليل .. في وجه كل الأشياء التي تجدب ساعة أن نصل إلى ما نريد ، الحزن المصلوب في أعناقنا ،لأننا نبحث عن شيء لا نعرفه ، حين نجد ما نشعر انه الحقيقة التائهة نرجع إلى الفقد .. أصارع حنجرتي كي تصرخ أكثر ، أنهض من نومي أشعر بحلقي جاف إلى درجة المرارة ، هل صرخت كثيرا ؟ هل سمع أحد في البيت صراخي ؟.

صباحا ، قمت من نومي اجتر حلم البارحة ، احزم بقاياه وأفكر في الرداء الأبيض والصحراء التي كانت وعادت جفافا كأن الاخضرار لم يصبها على حين غرة.

شربت قهوتي ، وناديت على الشغالة تحضر لي صحف الصباح ،على صدر الصفحة الأولى قرأت:

جلالته يأمر بالعفو العام ..

وسابقت عيناي في قراءة الخبر وتفاصيله : تفضل حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم واصدر أمره السامي بالعفو العام عن جميع السجناء المتورطين في قضايا وتنظيمات محظورة قانونا داخل سلطنة عمان كما شمل جلالته بعفوه السامي زملاءهم المقيمين خارج السلطنة والذين ليمثلوا أمام المحاكم المختصة.

وقرأت نص البيان الصادر من رئاسة الأمن الوطني: احتفاء بالذكرى الخامسة والعشرين لعيدنا الوطني المجيد تفضل حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم واصدر أمره السامي بالعفو العام عن جميع السجناء المتورطين في قضايا وتنظيمات محظورة قانونا داخل سلطنة عمان كما شمل جلالته بعفوه السامي زملاءهم المقيمين خارج السلطنة والذين لم يمثلوا أمام المحاكم المختصة . وان جلالة السلطان المفدى أراد أن تحتفل عمان بمناسبتها الكبيرة الخالدة وفرحة الشعب العماني داخل كل أسرة عمانية ،وسوف تقوم الجهات المختصة باتخاذ الخطوات اللازمة لتنفيذ الأمر السامي قبل نهاية شهر نوفمبر 1995.

وضعت الجريدة جانبا..

ووضعتني الدنيا جانبا ..

ألف عام مرت في لحظة..

كان كل شيء قابلا للقدوم إلى ذاكرتي ..

ما عدا أنا.

 

     
1