رحلة ابو زيد العماني

الفصل الخامس

 الرئيسية

ها أنا اجر قدمي للمرة الأولى خارج حدود زمني الذي عشته في معتقلي ، ودعت سجاني وقرأت ما جاد الله به علي من أدعية ، للمرة الأولى ، منذ اكثر من عام تسير قدميّ اكثر مما أعتادته من مسافات كانت تفصل بين الزنزانة ودورة المياه ، وزنزانات أصحابي الذين عشت معهم عمرا يسجل أطول من عمري الذي اعرفه.

منكسر على نفسي رغم أن العفو أسعدني ، خطواتي بطيئة ، قدم تجر الأخرى ، ربما لأنه لا طريق ، لا مسافات أمام الخطوة ، داخل السجن كان هناك أمل في الخروج ، مزيج من المشاعر المتضاربة ، من الحنين إلى الأهل والأصحاب ، من التفكير فيما آلت إليه الأمور ، عدت وحيدا كما كنت ،انفرط عقد الصحاب ، باعدت بينهم التجربة ، هذه الصاخبة التي كادت أن تقتلعني للأبد ، لا أفهم كيفية هذا الاقتلاع ، رأيت الشمس كما هي في سماءها ، كما هي حرة لا فاصلة بيني وبينها ، رأيت الفضاء زرقة بعيدة ، كل الرؤية كانت رؤيا ، متداخلة العمق إلى حد التيه ، إلى حد الانفجار في دواخلنا المختزنة لقرون عبرتها ، كأن الأصفاد ما زالت على الأقدام ، أصفاد مفترضة ، إذ الخطوة ليست واسعة كما اعتادت ، مبحر في حزني الذي لا يعرفه أحد ، ولن يغيّره أحد ، كأني سقطت من سماوات لا نهائية الارتفاع فتلقفتني أراض لا أعرفها.

خطو حزين كما هي البارحة التي مرت منذ قرون ، منذ أن استغثت بنفسي خوفا من نفسي ، هربا من أنفاس أخرى ، أرسم الابتسام لكل من امتلأ بهم البيت لتهنئتي ، أو لتهنئة أهلي برجوعي ، ليس من الصعب إخفاء ما يدور في العيون القادمة من أسئلة سأحرص أن تبقى كما هي أسئلة ، هذه إجاباتي الخاصة ، لأنها نتاج طريق خاص اخترت أوله ولم أختر خواتمه، هذه الخواتيم التي تبقى مثل أي شيء لا نفهمه ، ملتبسة وعصية ، لها نذرها التي تشي بالصراخ إن أرادت ، وقد تتفجر جحيما.

من مساحة إلى أخرى ، أبدل صمتي بابتسامة ، حولي أبي وأمي واخوتي ، وجوه صامتة تقرؤني كأنها لا تصدق أنني حي ، المهنئون يتبادلون الجلوس في المكان الضيق وسط منزلنا الصغير ،كأني لا أسمع شيئا ، وأنا أسمع الكثير من اللغط ، يقتربون من الحقيقة التي سأدفنها في داخلي ما حييت ولكنهم سرعان ما يبتعدون ، ربما لأن الطريق إليها مبهم حتى لأصحابها ، سنتان أو أكثر ، مرت مياه كثيرة تحت الجسر ، ولكن أية مياه ، محيطات تعبر في لمح البصر حاملة الزرقة والظلمة ، كم أنت قريب يا الله من النفوس التي اختارت أن تدعوك في شدتها ، نسيت كل شيء سواك ، لم تفكر إلا بك ، في رحمتك التي وسعت كل شيء ، أن نخرج من هذا النفق المرعب ، كأن هذا العمر لم يكن من عمرنا ، كأن الخطوة لم تعبر إلى هناك ، أمان رسمتها القلوب الخاشعة قبل المآقي المبتلة بعذاباتها.

 

    1.  

      رنين الهاتف لا ينقطع ، أصدقاء وزملاء من كل مكان كانوا يهنئون ، ويعاتبون ، الكلمة ذاتها: لماذا ورطت نفسك؟! وادخل في البعيد عنهم أداري الإجابة كأني لم أسمع السؤال ، صديق تجرأ عليّ وقال لي على الهاتف: أخبارك يا إرهابي ؟ لم أخف قلقي من الكلمة لكنني في وضع يفرض عليّ أن ابتسم رغم كل شيء ، بالوجه الجامد يمكنني أن ادفن ما أريد دفنه ، من يأمن العاصفة أن تهب مرة أخرى لأي سبب؟!

      للمرة الأولى يدخل بيتي صحفيون أعرف بعضهم وأجهل البقية ، عدسات التصوير تلتقط وجهي ووجوه أهلي من حولي ، كلمات أبي تسابق أنفاسه يشكر الله ويحمده على خروجي من السجن ، يلهج بالتقدير على قرار العفو ، ألوذ بصمتي ، أحاول أن أرحب بالضيوف الذين جاءوا لأغراض شتى ، في اليوم التالي رأيت صورتي مع أهلي على الصحف الثلاث ، هناك صور من ساروا معي على الدرب ، أعرف تلك العيون التي اصطادت نظراتها عدسة الكاميرا ، فيها من الكلام ما لا يمكن أن يقال ، أفهمها جيدا لأني قرأتها نهارات طويلة ، كانت تسبح في الدمع والدعاء والاستغفار راجية أن يكشف الله كربتها ،تلك التي ما اعتادت أن تقف وراء القضبان تنادي على السجان بشربة ماء وهي التي ابتلت حلوقها عمرا لم يحده شيء.

      قرأت حوارات أصحابي ، طفت مذبذب الفكر بين السطور ، الصفحات الأخرى امتلأت بالاستعدادات للاحتفالات بالعيد الوطني الخامس والعشرين واليوبيل الفضي ، قلبت الصفحات على غير هدى ، أغرق في نفسي وتغرق نفسي معي ، نحاول معا تقليب أوراق الأمس لعلها تعطينا مساحة ضوء لأوراق الغد.

      الأيام التالية قضيت الساعات أستجمع ما مر رغم الضبابية التي تغلف فضاءاته ، أفرغ الشحنات المتكدسة على أنفاسي حبرا أداوي به صمتي الممعن في هدوءه وسكينته ، غابت التواريخ وبقي التاريخ ، غامت الأيام في بعضها لكن الزمن بقي في ذاكرتي حيا..

      من حزمة ذكريات إلى أخرى تردد الصوت والصدى ، عن اللحظات المشحونة في الغياهب التي كانت ، يلفني ذلك الخيط المستحيل بالماضي ، أكثر من ماض ينغرس تحت أظافري ، جلدي متورم بهذه الحزمة العصية على الفهم ، كانت هي ، مساحة الحنين المترامي ، قبلها كانت مواض كثيرة حطمت دواخلي ، من أين لنا القدرة على الوقوف في وجه كل تلك العواصف؟! ولدت رغما عني ، عشت مجتمعا لا يشعر بي كما أحب ، زرع أشواكه ليتواصل نزفي.

      من ماض إلى آخر ،أقفز سريعا ، عذبتني ذاكرتي ، دفنت عذاباتي في صدر امرأة ، رأيتها المثالية التي أحلم بها على وجه الأرض ، الظل الذي يحميني من شموس الآخرين المحرقة ، لكن الماضي أبى إلا أن يرتفع حائلا ، نزق حوّل شرعية الأشياء إلى ضجيج غير مقصود ، غرق الجسد في لحظة كأنها العمر ..

      ماض شكله المجتمع..

      ماض رسمته امرأة..

      ماض سرته بإرادتي..

      وقادم لا اعرفه ملامحه بين ظلال ما قد مر.. ونكسات ما قد يمر.

      كأنها الدهور تمر في سنوات ، ووحدي من يقبل غرس رايات جحافل من مروا على جسده ، هل هو الجسد فقط الذي دفع الثمن ؟! الجسد مادة طرية قابلة للعلاج أو البتر ، لكن الروح تعبت من أسفارها ، حية بعذابها ، موتها مؤجل دائما ، كي لا تستريح من بؤس مستديم.

      الوجوه تتكاثر حولي ، في ازدحامها أشعر بالتعري أكثر ، لا تدعني قليلا كي لا أسقط في زحمة الأسئلة ، إجاباتي ستبقي في داخلي ، لن تعرفوا أيها الفضوليون شيئا ، سأقول ذات يوم ، لكن ذلك الزمن لا يزال بعيدا ، ربما موتي أقرب اليّ منه.

    2.  

 

في مساء من تلك الأماسي التي تمر كعادتها كل يوم ،جاء أبي ومعه شيخ القرية ،رجل في الستينات من عمره يتوهم أن البشر على خطأ أكيد لا بد له من نصائحه كي تستقيم الأمور ، وأموره مستقيمة كما يظهر في سيارات المرسيدس واللاندكروزر، جلس الشيخ في صدر المكان ، أبي على يمينه ، وعمي على شماله ، وزع نظراته على المكان ، تفحصني جيدا ، بدأ في مقدمة طويلة عن سيرة أبي وصبره على كسب قوته .. سألني:

  1. هل هذا جزاء تربية والدك لك وتحمله؟!

  2. لم افهم.

  3. وهذا الذي فعلته !

  4. وماذا فعلت؟

  5. تريدون تغيير نظام الحكم!

  6. هذا غير صحيح.

  7. كل الناس تعرف ذلك.

  8. الناس لا تعرف إلا الإشاعات والأقاويل.

  9. أنا أريد مصلحتك ، أول مرة في القرية يحدث هذا الذي فعلته ، لولا عفو مولانا كنت تعرف مكانك الآن.

  10. مصلحتي اعرفها بنفسي ، ولا أريد النظر إلى ما قد فات ، كل إنسان يفهم ما مر حسب ما يريد.

  11. دع عنك العناد ، واهتم بنفسك وحافظ عليها ، على الأقل من اجل والدك ، ماذا تريد من السياسة؟ يا ابني هذه الأمور ليست لعب أطفال ، لو كنتم في بلد آخر لأصبحتم معلقين في مشانق من رقابكم ، تظنون أنكم ستقنعون الحكومة عندما تقولون أن جمعيتكم لمساعدة الفقراء والمساكين منكم ، هل هذا يستحق اجتماعات سرية في بركاء؟ تظنون أنفسكم أذكياء ، توقفون سياراتكم في السيب وتتحركون من هناك إلى بركاء في سيارات أخرى ، يا ابني: الحكومة تتابع كل شيء ودع عنك هذه الأمور.

  12. الناس تقول أشياء كثيرة ولا يمكن تصديق كل شيء يقال.

  13. والأسلحة التي وجدوها معكم؟.

  14. لماذا لم تعرضها الحكومة على الناس إذن؟!

  15. اشكر ربك على أن الأمور وصلت إلى هذا فقط ، المهم ماذا تنوي بشأن العمل؟

  16. لا اعرف.

  17. مازلت شابا وأمامك تكوين أسرة ، انهض وارجع إلى عملك.

  18. هذا ليس ممكنا.

  19. نعم .. نعم ، إذن لم يبق لديك إلا القطاع الخاص.

  20. وهل تعتقد أن شخصا خرج من هذه القائمة سيوافق عليه أحد؟!

  21. فعلا ، هذه ورطة ، ماذا أقول ؟ لقد ورطت نفسك بنفسك ، تريدون الوصول إلى الحكم ، والآن لا تجدون وظيفة.

لم تمر عليّ إيماءة الشيخ عرضا ، نمت في عمقي مئات السنين ، ارقب والدي منكسرا إلى جانب الشيخ كأنه يستكثر ما هو فيه من عز حينما يأتي الشيخ إلى داره ، أو كأنه خجل مما أحدثته ، عمي منكفئ على نفسه لا يتكلم ، ينظر إلى بعينين جفّت فيهما الحياة ، جامدتان لا تنطقان بشيء ، سابق أبي في الإسراع إلى دلة القهوة يصب للشيخ فنجانا ، انتظرا حتى ينتهي من شربه ليمكنهما فعل الشيء ذاته.

استأذن الشيخ في الخروج تسبقه إلحاحات والدي وعمي أن يبقى مشرفا المكان ، رمقني بعينين قرأت فيهما أزمنة لا تحصى ، من قبل ميلادي إلى ما بعد موتي ، خيط طويل جدا جدا ، واضح إلى درجة متناهية ، ملتبس على الفهم إلى درجة متناهية أيضا.

 

    1.  

 

بين حين وآخر أدلف إلى أسطورتي المترسبة تحت جبال من الحجر الصلد ، الزنزانة الأولى التي عرفت فيها شكل الزنازين رغم أنني عشتها في روايات منيف وحنا مينه ، فرق بين القراءة على السطور والقراءة المباشرة للمكان ، ارتديت بدلة سجين يعيش كل تفاصيل اللحظة ، حيث ليست لغة تعبر الأسطر داخل رواية رائعة ، إنها الواقع بكافة صوره المتعجرفة ، أترصد إمدادات الليلة الأولى ، كانت طويلة وقاسية ، إذ المجهول وحده هو ما يحيط بكل شريان حياة ..سألت نفسي كثيرا: متى يبدأ التعذيب ؟ من السؤال أكاد اسقط أرضا .

قبل التعذيب الذي توقعته عشت عذابات لا تحد ، للمرة الأولى ينسحب الزمن من يقيني ، صارت الساعات متعاقبة ، الأيام ، الأسابيع ، ربما السنوات ، لا اعرف تحديدا للحظة ، صلوات تكر في مسبحة الليل والنهار ، أقرأ ما في صدري من قرآن ووساوس ، أحيط نفسي بما أستطيع من عوالم كي لا افقد نفسي ، زمن ينسل من آخر ، ساعة تنام فوق أخرى ، أنادي على حارس الزنزانة دونما سبب ، فقط لأسمع صوت إنسان في هذه الوحشة ، بوجهه الكدر يأتي إلى نداءاتي ، يطلب مني أن أصمت قليلا لأنه ليس موظفا عندي كل نصف ساعة أناديه ، معه حق هذا المخلوق الذي يجلس بيننا مسجونا عدد ساعات عمله ، فلا تفصل بيننا إلا قضبان حديد ، أحدنا في جهة منها..

  1. أريد صحف اليوم.

  2. غير مسموح.

  3. أريد مصحفا.

  4. غير مسموح.

  5. أريد قلما وأوراقا.

  6. قلت لك غير مسموح.

  7. اخبر المسؤولين برغباتي.

  8. حاضر.. هل تريد أن تقول شيئا غير ذلك.

  9. لماذا أنت جاف في تعاملاتك ؟ الدين المعاملة واتق الله فينا.

    يرمقني دائما بنظرة جامدة ، ويذهب ليقف غير بعيد عن القضبان ، لا اعرف أين بالضبط ولكنه يسمع نداءاتي بسرعة ، أردت اختبار بعده عن مكاني ، ناديت بصوت خافت جدا ، جاءني سائلا بنبرة غضب..

  10. ماذا تريد ؟

  11. هل أنت بعيد من هنا ؟ كنت اختبر ذلك.

  12. لا تفكر في الهرب ، أمامك سبعون بابا.

  13. أرجوك ، لست بحاجة إلى تهم جديدة ، أستغفر الله العظيم من كل ذنب عظيم ، اتق الله ولا تحملني تبعة ما لم اقل.

انسحب مرة أخرى لأرجع إلى نفسي ، إلى وحدتي العنيفة التي تكاد تزلزلني ، لا اعرف كر الأيام في سبحة عمري ، ما مر يبدو زمنا طويلا ، لا زلنا في انتظار الحكم ،لا يسمح لنا بالالتقاء ، اسمع أصوات بعض الاخوة وهم ذاهبون إلى الحمام أو هم عائدون منه ، أحيانا وهم ينادون على حراس السجن ، لم أتبين الأصوات جيدا ، طفت في ممرات كثيرة من التذكر ، أسماء أولئك الذين جمعنا درب واحد اخترناه لغير ما سبب ، اندفعنا إليه شغوفين بمرئيات لا تبدو واضحة لكنها كافية لاختيار طريق محفوف بالمخاطر ، وهذه الزنازين تجمعنا ، محطة أو نهاية ، فليفعل الله ما يريد .

رغم ذلك الوهج الإيماني الذي يهب على قلوبنا بين حين وآخر إلا أنني كنت أتوقع أسوأ الاحتمالات .. الإعدام ، يا الهي ، كيف تمر على الإنسان لحظة يرى فيها عزرائيل على مرمى حجر؟! الموت قدر محتم لكن أن تعرف توقيته فهذا مرعب إلى درجة غير متخيلة ، كيف تمر اللحظات بين القرار والتنفيذ ؟! بعد ساعات تدرك انك ستنتقل إلى عالم آخر ، من أين تأتي الرصاصة التي تنقل المرء بين أمرين ، هل هي رصاصة أم رصاصات أم حبل مشنقة أم طريقة أخرى لم نسمع بها؟!

تتكاثر الأسئلة حين تعز الإجابات..

تنغرس في اللحم الطري كسكين محمى بالنار..

ولا شيء معي إلا ما تختزنه ذاكرتي ..

استدعيه ليكون معي.

تتآمر عليّ ذاكرتي كثيرا فلا تعطيني إلا اليباس من أيام حياتي..

وإذ تثور رياح الغد فان كل الذكريات تغدو ترفا فربما لا تحمل الأيام القادمة شيئا للتذكر فلا غد يكون بعد غده أمسا ..

مشبع في رحيلي بندى الأيام التي كانت حانية وبهية ،ارحل إليها في شقوتي كأني لست حبيس زنزانة ..

تلك الوردة التي آوتني أزرارها ، وباعدت خطانا آلاف الدروب..

نطقت لا شعوريا بعبارة استغفر الله العظيم .

 

    1.  

 

من زنزانة في السجن إلى زنزانة الحياة ، لكل شيء ذكرى ، يدعوني أبي إلى البعد عن الصمت والتفكير لأنهما سيتعباني اكثر ، مرهق أنا يا أبي بخطايا لم ارتكبها ، تشكلت في البعيد السحيق آنية فخار تتساقط عليها الأزمنة تتفتت اكثر فأكثر ، الخطايا التي اقترفتها وليدة لتلك التي لم اعرف من أين ولدت.

بتدبير أبي ، أو بتدبيرهم حل عليّ أصدقائي القدامى على حين غرة ، ناصر وعبد الكريم وعلي وسعيد ،هؤلاء الذين أبقت الحياة على جلجلة ضحكتهم كنت اقتسم الزمن معهم نسير الهوينى في مشوار متحد ، منهم المدرس والصحفي والموظف الحكومي ، مضت الدقائق الأولى من وصولهم عصية على الفهم ، ثقيلة الخطى ، لكنني اعرفهم جيدا هؤلاء الشياطين الذين كانوا ينتظرون خروج أبي فقط ليهدموا سدودا سدت بيني وبينهم زمنا مر عليهم عاديا وألقى بثقله عليّ سنوات كأنها الدهر.. نطق سعيد الذي لا يعرف غير الضحك والسخرية من أي واقع مهما كان: كان اغلب الظن انك صرت من المطاوعة ولست من السياسيين ، يا ما تحت السواهي دواهي ، وقبل أن أفيق تبعه علي: من كان يصدق انك ستصبح مطوعا ، سبحان الله ، تتذكر كلامك عن الجنس والجسد والروح .. يا فيلسوف.

أعاد سعيد الكرة مرة أخرى : تتذكرون ما قاله مرة أن الجنس أصاب اللغة العربية ، تبدأ الأشياء بالنصب و بعد ذلك بالضم و الرفع والجر وهناك الفاعل والمفعول به.

واكمل عبد الكريم : هذا الهادئ الخبيث ، لا شيء إلا أوجد له تفسيرا جسديا ، حتى أبراج الهواتف لم تسلم من نظرته الفرويدية.

قال سعيد : بصراحة لا تلوموه ، حتى في كلامنا ، إذا لم نحدد المقصود في حديثنا سيتحول الظن إلى معنى جنسي ، انظروا إلى كلام الشباب مع بعضهم البعض.

اكمل علي: ألا تعرف أن التهمتين الجاهزتين لدينا هما اتهام الشخص الذي نريد النيل منه بالشذوذ أو المخابرات؟!

أجاب عبد الكريم: لان هاتين التهمتين لا يمكن للمصاب بهما الدفاع عن نفسه واقامة الدليل على عدم الإصابة بهما.

سألني ناصر الذي كان يقف متفرجا مثلي: لماذا أنت ساكت ؟ لا تخاف ، ليس بيننا جاسوس ، نعم ، هذا لا يمكن إثبات عكسه.

صاح علي : يا عزيزي "فرفش شويه" حتى تنسى ، تحتاج زيارة للنادي حتى ترجع كما كنت من قبل ، على الأقل النادي لم يدخلك السجن.

تابع الحديث ناصر: الأندية كثيرة ، قرر أنت أي ناد تريد ونحن سندفع ، والمطاعم الآن في كل مكان ،اشرب على راحتك ، الحكومة جزاها الله خير تركت الناس على راحتهم ، الجامع مفتوح والبار مفتوح ، و"اللي عقله في رأسه يعرف خلاصه".

تابع علي: الله تعالى فتح الطريقين للبشر ، بمعنى هل يوجد أحد لا يعرف أن الخمر حرام ؟ لكنه حتى يشربها يعيش مزاجه لا بد أنه سيوجد لنفسه ألف مبرر.

قال عبد الكريم متفلسفا: وإذا كنت تبحث عن الأنثى كما كنت تقول فان كل صديقاتنا سنجندهن للبحث لك عن اكثر عن أنثى ، يا عزيزي نحن نريد أن نبسطك ،ابسط نفسك وبعد ذلك استغفر.

باغتني ناصر بالسؤال: هل عذبوك إلى هذه الدرجة ، تنسى الأنثى؟!!

لم يمهلني علي حتى أجيب ولعله أنقذني: نرى صحتك الآن احسن من قبل ، ولو ترتب لحيتك ستأتيك البنات تباعا ، تعرف أن مجمعات جديدة فتحت وزيارتها واجبة ، أين تلك الأناقة؟ كنا نتنبأ لك أن تصبح مليونيرا تمتلك عشرات السيارات وفيلا في شاطئ القرم ، لكنك عنيد ، يا رجل افهم إمكانياتك والعالم يعطيك كل الذي تريد.

قال علي: وإذا كنت مصرا على أن تبقى حزينا سنخبر الجماعة عنك ، نقول لهم أن هذا الشخص لا يزال خطرا والدليل على ذلك أن البلاد بعد يومين تحتفل باليوبيل الفضي وهو حزين.

تكلمت أخيرا: اسمعوا يا شباب ……………

قاطعني عبد الكريم : ناس لا تتكلم إلا بالعين الحمراء ، ذكر الجماعة جعله ينطق ، وهذا نحن الشباب نسمعك يا مرشد الجماعة.

ضحكت أدارى عجزي أمام انطلاقة هؤلاء ، قلت: الأمر لا يتعلق بأنثى أو غير ذلك ، الهداية من الله تعالى ، أتمنى لكم الهداية أيضا.

سألني عبد الكريم : الهداية إلى الحكم ، يا سلام على هذه الهدايات ، بماذا كانوا وعدوك . أكيد وزير لأن الحكم عليك كان ثلاث سنوات فقط.

رددت على سخريته بسخرية اشد : لا ، مناصب الوزراء عشر سنوات.

صدق ناصر مقولتي : والله العظيم ؟ يعني أنك مجرد تابع ،ونصيبك مدير عام أو رئيس قسم على الأكثر.

صحت حانقا : دعني اكمل ،ممكن ننسى هذا الموضوع نهائيا ، صبرت عليكم طويلا ، يا جماعة استغفروا الله العظيم

قال علي : مرة أخرى يقول الجماعة ،يا عزيزي نحن الذين نطلب منك أن تنسى أننا من الجماعة ،لا جماعتك ولا جماعتهم.

استغفرت الله من مكر هؤلاء الأصدقاء ،وابتسمت مرددا : الله اكبر عليكم أيها الأصدقاء الذين لا أمل فيهم ، دعونا "نتقهوى" ونذهب معا لصلاة العصر.

رد علي: هذا غير ممكن ، جئنا نخرجك مما أنت فيه ، تقوم بإدخالنا إلى ما أنت فيه.

أجبته : قلت الصلاة ، حتى هذه ؟!

قال عبد الكريم : بصراحة ، الصلاة معك تخوّف ، نخشى أن يرانا أحد وغدا يعلم الله أين سنكون ، والله يستر علينا من الضرب والتعذيب ، بصراحة ، قل لنا : كم يوما عذبوك؟

تجاهلت سؤاله ، لكن ناصر باغتني : نعرف أن بعد إعلان الحكم تدخلت منظمة حقوق الإنسان وسمحوا لكم بأشياء لم يكن مسموح بها ، ونعرف عريضة المظالم التي أصدرها مؤيدوكم في الولايات المتحدة.

سألته ساخرا: ومن أعطاك هذه المعلومات يا محمد هيكل ؟žžž دعونا "نتقهوى" .. وقلت مهددا بمزحة خفية : أو أنادى أخواني يرجعوها إلى داخل البيت.

لم يتعب عبد الكريم من السخرية : طبعا القهوة معك ليس فيها شيء ، لا اعتقد انه سيعد اجتماعا مع إرهابي.

قال ناصر: قل إرهابي سابق.

قال علي: هذا لو تاب ورجع إلى الحق.

قلت لناصر : طبعا ، الحق هو الذي أنت عليه.

أجابني: ولماذا تعتقد انه هو الذي أنت عليه؟!

رددت: يا رب صبّرني على مصيبتي.

قال سعيد : وسّع صدرك ، أنت إنسان مؤمن ،وهؤلاء كفار يجب قتالهم ولكن ليس في بيتك هنا.

رد عليه عبد الكريم: نحن لسنا كفارا يا سعيد ، وإنما نباتات طفيلية يجب اقتلاعها.

لم تفتني إشارة عبد الكريم إلى الوصف الذي أطلق علينا ،احتفظت بأعصابي هادئة إلى حد كبير ، ونهضت اقرّب صينية الفواكه إلى الأفواه المترقبة لعلي أستطيع إسكاتها بالأكل.

قال ناصر: فكرنا أن نحضر إليك بعض الفواكه عندما كنت في …….. صحيح ، لم تقل لنا أين سجنت؟ هل في الرميس مع بقية المساجين من الشعب ؟

قلت له: ممكن تأكل وأنت ساكت؟ .

قال علي: هل هذه نعتبرها تعليمات ، عموما يا عزيزي ، أريد كتبا دينية من مكتبتك ، ألم تفتحها؟

قال عبد الكريم : يا لك من مغفل ، المكتبة صودرت.

سألني سعيد : هل هذا الكلام صحيح؟

أهملت سؤاله ، ورأيتهم يتغامزون ولسان حالهم يقول يكفيه ، لكن عيون ناصر لا تزال تتلصص حكاية تثار ، قال ضاحكا: إذا كان الكلام في السياسة يخوف ، دعنا ننتقل إلى موضوع آخر ، هل لا زلت تبحث عن أنثى؟

أجبته: لا ، الحرام ما حرمه الله.

قال سعيد: ونظرية الجمال؟žž ولا بد للروح من جسد يعبر عن رغباتها ؟ ولا بد للنقيضين جسديا أن يتفاعلا ليتواصل عطاء الكون ، والجنس هو الفعل البشري الضروري لاستمرار الكيان الإنساني؟

قلت له: ذلك أيام الضلالة ،سأتزوج قريبا ، قبل نهاية العام إن شاء الله.

رد عبد الكريم المنهمك في قضم تفاحة: وبالطبع لن تحس أن الزواج مؤسسة تقليدية كما كنت تضحك على البنات سابقا ، وان خير الحب ما يبقى لا آخر له لان الزواج هو نهايته ، لكن لا ننسى أن آخر بنت جعلتك زاهدا في كل البنات ما عداها.

رددت عليه: قلت لك أن ذلك أيام الضلالة.

قال علي: وطبعا هذه التي نحن لا نزال فيها.

قلت له: بأيديكم تغييرها.

رد عبد الكريم متهكما: بصراحة لا نبدلها إذا كانت ستوصلنا إلى ما وصلت أنت إليه ، بصراحة تامة ، وأقول تامة: أنا موظف ودرجة رابعة من الحلقة الثانية وقانع ، في النهار أروح الدوام والعصر العب كرة قدم وبالليل اسكر والأوقات التي تفصل بين هذا وذاك تكون في المجمعات التجارية.

قلت له: يكفيك هذا الشرف.

استأذن الأصدقاء وجلست وحدي أتخبط بعواصفي التي تشعل أتوني الداخلي أكثر فأكثر ، كم من الثورات أججها هؤلاء عن غير قصد ، بضحكهم وهزلهم أشعلوا أحزانا بت أداريها زمنا لعلها تخفت سعيرها لتطاق ، عن السجن وعن الأنثى وعن فلسفاتي القديمة التي كنت أصدمهم بها ، ماذا تبقى في ذلك مني أو ماذا تبقى منها في نفسي.

كان الفراش شوكا تقلبت عليه ساعات طويلة كأنها العمر ، كلما واجهني وجه من مواضيّ أحاول أن أزيحه للنوم الذي جفاني كعادته منذ سنتين تقريبا .. يأتي صوت المحقق يدخلني إلى مفكرة أجاهد أن أمحوها ..

  1. لماذا تعمل ضد البلد؟

  2. نعمل ضد عمان ؟ هذا مستحيل.

  3. نعم ، ضد عمان واستقرارها ،هل تعرفون ماذا كانت أهدافكم ، أم أنك لا تحتاج إلى تذكيرك بها؟!

  4. أهدافنا العمل الصالح.

  5. وهل العمل الصالح تغيير ما تريدون بالقوة؟.

  6. لأنه ليس متاحا غيرها.

  7. نوّرني يا مفكر الجماعة.

  8. ليس هناك حرية الرأي والفكر.

  9. هذا غير صحيح ، رؤساؤكم أوهموكم بذلك ، حرية الرأي مكفولة للجميع.

  10. بما يوافق ما ترون؟!

  11. لقد غرر بك هؤلاء ، كشفوا كل شيء وأنت المسكين تحس انهم يحمونك!

  12. لا اعرف شيئا.

  13. لقد اعترف عشرة عليك وقالوا انك معهم في التخطيط.

  14. هدفنا جمعية لمساعدة المحتاجين منا.

  15. وتساعدون المحتاجين بالشعارات الدخيلة والأفكار التي لا يعرفها مجتمعنا العماني.

  16. لا اعرف عن ماذا تتكلم!

  17. من المسؤول عنك في خليتك؟

  18. لا اعرف.

  19. ماذا كان دورك بالتحديد؟

  20. لا اعرف قصدك.

  21. كم اجتماعا حضرت؟

  22. لم احضر اجتماعات ، مجرد لقاءات بشباب التقيتهم في الإسكندرية.

  23. كم عددهم؟

  24. ثلاثة.

  25. ما هي أسماءهم؟

  26. لا أتذكر ، لم أسألهم.

    وأعود أجر قدمي إلى زنزانتي ، مئات الأسئلة كل ليلة ، أسئلة معادة ومكررة حفظتها كحفظي للأجوبة .. مرة مثلت أمام وجه معروف جدا قال غير ما كان يقوله أولئك المحققون الذين يبدون أقل شأنا منه ، كانت أعينه الحادة تذيب مجامع القوة فينا ، يتكلم كثيرا عن الهوية والوطنية والخصوصية والحكومة التي لم تقصر في شيء ، رأيت صوره كثيرا في التلفزيون والصحف، داخلني الرعب عندما قابلته وجها لوجه ، كان غاضبا ، وفي لحظات نادرة كان يقول كلمة عطف كأنه ليس هو الذي ينطقها.

    يأتي صوت الحكم ، العيون تراقب ذلك العدد الكبير الذي كناه ، لم أتصور كل هذا العدد معنا ، كان في عيوننا تعب مضن ، الأسابيع الطويلة التي مرت قبل المحاكمة قاسية ومرة ، تمنينا عبورها كي نعرف ما هي نهاية كل هذا ، لم أنم ليلتها ، تفصدت عرقا وأحسست أن الزنزانة بدأت تضيق ، أو كأنها تضن بالهواء القليل الذي يدخلها ، بعد نهارات التحقيقات ولياليها كنت ممزقا بين الخوف والرجاء ، الخوف من حبل المشنقة ، والرجاء في أن يستجيب الله دعواتي الدامعة كل حين ، افترشت نفسي ونمت على افاقات لا تنتهي أسبابها ، ممدد بين أحزاني وصراعاتي ، اسحب أبسطة الأمس أتوسدها كل ليلة لعلها تأتيني بالأحباب أستعين بهم على حاضري المرعب ، كان الماضي وليد تفجر مخز بالنسبة لي ، في الزنزانة استوى الماضي مؤنسا ، استدعي أولئك الذي ما غابوا عن البال يوما وان توهمت انهم غادروه ، في لحظات الضعف نستجدي مواطن القوة فينا لتصعد إلينا قبل أن تصعد أرواحنا منا زهقا ، ورقة بعد أخرى تسبح في عمقي كل ليلة ، قبل أن يأتي السجان يدعوني لمائدة التحقيقات العامرة بألوان من الأسئلة لا يمل منها السائل وقد تعب منها المجيب..

    بداية كان حلما صغيرا ينير عتمات القلب ، لكن ترسبات أخرى تشنق هذا الحلم باستمرار ، هذا المجتمع يلقي تبعاته الكثيرة على ذاتي ، يقولها بأعين متعددة النظرات: كأنك نسيت نفسك!! ونفسي تسبح في ملكوت علوي تفتش عن خلاصها ، تبحث عن حلم لا تعرفه ولكنها تشعر به ، كأنه القريب ، وهو العزيز ، لا طريق هداية في الأرض ولا أمل في سماء تمنحني قمرا أصعد إليه لأري الكون من عل ، يقول أبي: من ينظر إلى فوق دائما تتعب رقبته ، فتعلمت أن النظر إلى الأرض أسلم للبصر .. وللعنق أيضا ، لكنني تواق إلى التغيير ، إلى إثبات الوجود دون ممارسة عقد النقص التي تهوي إلى الكارثة ، وما أنا فيه الآن أليس كارثة؟! هذا التوق العجيب والمشروع أوصل مشروعنا إلى نهايته ، دفنه في عتمة الليالي التي تطول وتطول، ولا ضوء في آخر النفق ، ولا حتى عتمة أقل..

    تخيلت نفسي هي ما ابحث عنه ،أعطيتها ما تريد ،سبحت وراءها مسافات طويلة ، وكلما ابتعدت عن المرسى باتجاه البحر اشعر أنني لم أغادر إلا إلى ضياع اكثر ضبابية ، وشعورا بالنأي ، لم أنحن لكبير القوم ، فوبخني والدي ، وأصررت أن لا أنحني إلا لخالقي ، مع مرور السنوات وانكفائي إلى عالم جديد سرت فيه صرت حتى هذه لا افعلها.

    دفنت نفسي في الكتب ، كلما قرأت اكثر اكتشف أنني قزم أمام هذه المعرفة ، اشعر بالراحة مع هذا الكون العجائبي الذي يخترعه الأدباء ويسيرون فيه ، يختارون ويحددون طرقات السير ومستوى الناس والأبطال .. والضحايا ، وددت أن أتصرف في عالمي ، أن اجتاز الشوارع التي لا احبها أرسم وطنا بحجم أحلامي ، وبشرا كالذين أتصورهم ، كائنات جميلة وشفافة لا فرق بينها ، ألوانها متفرقة لتصنع إذا اجتمعت لونا رائعا ، بعد سنوات من الرسم بقيت خرائط أكواني حبيسة الأوراق وبقي العالم الذي حولي يترصدني مقهقها وساخرا:أيها الولد الصغير الذي تحب الرسم بالكلمات ، أيها الحالم الغبي ، انظر حولك ، إلى هذا الإنسان الذي لا يعشق في الدنيا شيئا مثلما يعشق الشر والرذائل ، القتل والدسائس والمؤامرات ، هذا إذا اجتمعوا ، وإذا نظرت إليهم منفردين ستجدهم عبيدا للكأس أو الجنس أو الجشع أو حب التملك ، يودون لو أن الآخرين يصبحون سندات تملك ليعيدوا زمن العبودية بطريقة أخرى ، أيها الحالم الغبي: ماذا تنتظر؟ قطرة ماء الشرب تنسل من العالم ، زر واحد يقتل الملايين في أية لحظة جنون بشري ، ماذا تبقى من أحلامك ؟! أيها الحالم: قد بالغت في حلمك أن تغيّر ، وان تفرض شروطك التي آمنت بها ، ولذا فأنت حبيس زنزانة وقد تعلق في مشنقة كأنك لم تأت ولم تفكر يوما وتحلم أياما.

    من حلم إلى حلم ، أترصد طيف المرأة الذي رأيته الحقيقة السائرة في طرقات الأرض المخضوضبة بالأوهام ، دخلت كونها فرأيت كوني أسطوريا ليس له حدود ، رأيتها وطني ، رأيتها نفسي ، حلمي ، عالمي ، لكن شموس الصحو تغيّب السحب التي يفترشها عاشقان ظلا زمنا يأويان إليها كلما احرقهما جحيم البداوة ، ينامان عليها ، يتراشقان بالندى ويلوحان للطيور التي تبدو اقل ارتفاعا.

    حلمت بها أنثى ، وجدتها كما تخيلت ، أردتها حلما استثنائيا ، جذبتني إلى الواقع ، صحت ب"لا" ولكنها أصرت على ال"نعم" ، أريدك حبا لا يحد ، أريده كما أتمناه ،وأريدك كما احلم ، وحين أيقنت بالواقع كانت السماء تلوح بالعواصف لتفرق سحب الأحلام قطعة قطعة ، تفرقها في السماوات المترامية ، ذهبت إلى البعيد ، أرادتني سلسلة مترابطة تجمع الأمس واليوم والحاضر وأنا قد لا املك إلا نفسي ، أمسي لم اختره ، جاء بي أبى ، هذا الإنسان الكادح الذي وجد نفسه وصل إلى الأرض عن طريق أب آخر ليس بيده أن يغيره وان يختار أبا احسن منه نسبا ، وهكذا تسير المسافات من أب إلى آخر ، نحتاج قرونا لنفك عقدة السير ، ربما بدأنا أول الخطوة لكن الآلاف بقي منها.

    هذا الشرخ العتيق في داخلي ثار طويلا ونزف كثير ، يقول لي المحقق: ماذا ينقصك وأنت لديك الوظيفة الجيدة وتدرس على حساب الدولة ووالدك قد استراح من العمل المرهق ولديه وظيفة أراحته وأراحتك أيضا من عذاب الغربة ؟! يقول لي المحقق: ماذا ينقصك وأنت تنام ملء جفنيك على صوت مكيف الهواء وتشرب ماءك باردا وتلبس احسن الثياب وتعيش في نعمة يتوجب معها الشكر؟!.

    هذا النقص الذي أسعى إلى إكماله ، لو اعرفه لأكملته سريعا.

    أغوص في عذاباتي واسأل نفسي : ما سرها هذه العذابات ، كأني منذور لها استعذبها وارى فيها روحي الهائمة في بحار وجزر وجبال لا آخر لها ، لا طولا ولا عرضا.

    مر هذا التذكر ، وهذا الاسترجاع الشقي لآلام النفس ، كأنني في واد سحيق غيري أنا ، هل وحدي من لديه هذا الشعور؟ ساءلت نفسي كثيرا ، الزنزانة وفرت لي فرصة الجلوس مع نفسي ، أتعرى أمامها وأعريها لنتكاشف دون أقنعة ، تورطت في هذا الكشف والتعرية ، كانت الأقنعة ضرورية ، نواجه الآخرين بأقنعة كلنا ملتزمون أن نلبسها وعدم التساؤل عنها ، يرضي غرورنا ذلك .. مع الذات تغدو اللعبة اكثر مرارة ، هل لا بد من الأقنعة حتى ونحن نخاطب ذواتنا؟ ربما ذلك أجدى لبعض الهدوء ، التفكير دخول غير مقبول إلى الأغوار وكلما كانت اللامبالاة كلما استطعمنا طعم الحياة من حولنا ، الحياة لذيذة بإلغاء التفكير ، كل ونم والبس والعب .. واذهب للعمل لتتمكن من الحصول على ما سبق.

    يأتي صوت السجان يقطع علي متاهات غصت فيها تتبعا لمتاهاتي ،"انهض" يأمرني فأطيع ،أجمع نفسي عضوا عضوا من الأرضية التي عشقت جلدي إلى حد عدم الرغبة في تركه ، يذهب بي بين أبواب الزنازن الأخرى والهمسات التي تتلو وتدعو ،أقف أمام شخص رايته سابقا على هذا المكتب:

  27. ألا تنوي الاعتراف بالحقيقة؟

  28. أية حقيقة؟

  29. لا تراوغ ، نحن نعرفها جيدا ولذا فإننا نريد أن نعرفها منك.

  30. ومادمت تعرفونها فلستم بحاجة إلى معرفتها مني

  31. نريد أن نتأكد هل فعلا تعرفها أم انك جئت وسط الزحمة لا تعرف عن الأهداف الحقيقية.

  32. وما هي الأهداف الحقيقية؟!

  33. نحن الذين نسألك ، لنا طرقنا ، ربما أخبروك بها لتعترف بما تعرف.

  34. لا اعرف غير الذي قلته عشرات المرات لكم.

  35. نريد سماعه مرة أخرى ، وإضافة الأشياء التي لم تقلها المرات السابقة.

  36. قلت كل شيء.

  37. بعنادك ستكون أنت الخاسر ،هل تعرف أنني أداوم يوميا ولا عمل عندي إلا سؤالكم وهو كما تعرف عمل ليست به مشقة ، كل يوم سأسألك ، ويمضي اليوم ويأتي الغد وأنت في الحبس ، وتمر السنوات وأنت في الحبس ، فبدلا من أن تقول غدا كل شيء قله اليوم وتعفي نفسك من سنوات السجن ، ربما الحكم عليك يكون العفو أو السجن شهر أو شهرين إذا ساعدتنا وقلت لنا الحقيقة ، وبمعرفتنا سنتمكن من إثباتها طالما هي الحقيقة ، أما المراوغة فلا يمكننا إثباتها ، عموما نعرف انهم ورطوك معهم ، وسأسر إليك بأمر: هل تعرف أن قرارا سيصدر اليوم أو غدا للعفو عن المتعاونين معنا في التحقيق والذين تنطبق أقوالهم مع ما نعرفه من حقائق ، أرجوك لا تقل هذا الأمر لأحد أيا كان ، نحن لم ننس أنكم مواطنون والإنسان يخطأ ولكنه لا يرتكب خطأ آخر ويكذب ويراوغ.

  38. قلت كل ما عندي.

  39. إذن عد إلى زنزانتك وستعرف نتيجة عنادك ، ربما ابتداء من الليلة وقبل الفجر.

عدت أسحب الخطوة لعل الأخرى تتبعها ، مثقل الكاهل أحمل على ظهري ألف عام تستوطن فقرات عمودي الفقري ، والليل مستودع الأسرار والدموع التي تسير في الشرايين محل الدم ، لا فرق ، حرف واحد بين الدم والدمع ، سقطت العين وسقطت من العينين ملايين القطرات حتى وان لم تر ، في الليالي الطويلة ، كان ذكر الله الأقرب إلى النفوس الواجفة من هول التجربة ، كنت أسمع حينا واسبح في البعيد أحيانا ، وكلما اقترب موعد النطق بالحكم زادت الأشواك في الأفرشة التي نراها ولا نشعر بها ، الإعدام لمن ؟ المؤبد لمن ؟ هل من براءة ؟ الأبواب مفتوحة على احتمالات الجحيم ،استغفرت الله من الجحيم الذي وعد به الله المشركين يوم القيامة ولكنني أستشعر جحيمي الخاص الذي يضرب شواطئي بكثافة.

 

    1.  

      توزعت الأحكام والسنوات علينا كل أخذ بشيء منها يقضيه وراء القضبان ،خففت أحكام الإعدام إلى السجن المؤبد

      فكت مغاليق الأشياء من حولنا ، بدأنا نلتقي في جلسات تجمعنا ، لكن شيئا ما نشعر به ولا نستطيع قوله ، نقرأ في عيون بعضنا البعض الشيء الذي يقال ولا يقال ، جحيما مستترا وراء الأعين التي تحاول أن تبتسم لتقنع الآخر أنها لا زالت على قوتها ، أو لتساعد الآخرين على الصبر في مواجهة الأيام ، كان شعورا غضا يقترب من احداقنا ، يملي علينا أن نقترب من بعضنا أكثر ، ويطلب منا أن نتذكر ما مر ، من سحب من؟ من اعترف على من ؟ كان الجميع يحرص على الإيمان وان ما أصابنا لم يكن ليخطئنا وما أخطأنا لم يكن ليصيبنا ، رددنا كثير قوله تعالى : {قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا}.

      هذه القدرية المحتمة امتدت رفيقتنا في ممرات الليل الطويل ، أحضرت المصاحف فتلقفتها أيادينا ، كانت ملاذنا ، وكنا ملاذ بعض ، نتسامر حول كتاب الله نحفظه وحول آياته نتدبر معانيها ، نتبادل الأخبار التي تحدث في العالم ، وأثارت نقاشات كثيرة نجتث بها شبح الوقت الكالح ،نبحث عن النقاش والجدال سعيا إليه ، بعضنا لا يعرف البعض الآخر ، اقتربنا من بعضنا كثيرا ، هناك من همس أن منظمة حقوق الإنسان السبب في بقعة الضوء هذه التي نفترشها كل يوم من أيامنا ، هناك من وطد نفسه على المؤبد من العمر يقضيه وراء القضبان ، نحاول أن نشد أزرهم: ما دمتم سلمتم من حبل المشنقة فإنكم ستخرجون من هنا بإذن الله ، يقولون آمين ، وفي الحلق نشيج الشوق إلى الأحباب ، والى كل ما هو خارج القضبان من هواء ليست به أدنى شبهة.

      كانت الأخبار تتابع بعد اشهر من وجودنا بين حساب السنوات ،الصحف تحمل الكثير من الأخبار المثيرة للنقاش ، التنقل بالبطاقة الشخصية بين قطر وعمان ، أحداث يوغسلافيا تحتدم ، الخبر المفاجأة يقول أن عمان افتتحت مكتبا للتمثيل التجاري في إسرائيل ، تعديل دوام الموظفين في الجهات الحكومية ، الخطوة العمانية مع إسرائيل بررت بأنها ضمن تشجيع السلطنة لخطوات السلام فالفلسطينيون والإسرائيليون وقعوا اتفاق المرحلة الثانية من توسيع الحكم الذاتي وكانت سلفيت أول بلدة فلسطينية تتحرر بعد 28 عاما من الاحتلال.

      الأخبار الأخرى التي حظيت بنقاش كبير خبر كسوف الشمس الذي راقبه الملايين وخلال دقيقة وربع بدا العالم كما لو انه مات ليولد من جديد ، من الأخبار المحلية التي نشرت صدور عملات جديدة وقياسات جديدة للعلم العماني.

      في يوم الجمعة الثالث من نوفمبر أوردت الصحف العمانية موضوعا نشرته صحيفة الخليج ،علي بن ماجد وزير مكتب القصر يصرح أن الإفراج عن المتورطين غير مستبعد لما نعرفه من عفو جلالته وتسامحه ، بدأت خيوط من شعاع الشمس تسقط على كل المفكرات التي كتبتها حيطان الزنازن ، الأمل اقترب إلى حد مدهش من القلوب التي تعلقت بالأمل ، قال أحد الإخوان: لو لم يكن يعرف أن ذلك سيكون لا يمكن أن يقول ذلك ، ورد عليه آخر: أنه تهيئة للرأي العام ، وبنفحة إيمانية قال أحد الذين تعرفت عليهم في السجن: أن الله لا ينسى عباده ، يقيض لهم من الأمور ما يفرج عنهم كربتهم ، أيقنا أن الإفراج قريب خاصة وان البلاد مقبلة على احتفالات العيد الوطني الخامس والعشرين أي اليوبيل الفضي ،شكرنا ربنا كثيرا على هذا التوافق والقرب من هذه المناسبة إذ نقرأ انه سيحتفل بها بشكل غير مسبوق ، تبادلنا نظرات ذات مغزى ، وانتظرنا عدد اليوم التالي من الصحف ،كان العنوان الرئيسي: مصرع رابين برصاصات إسرائيلية ، ونسينا إلى حد ما التفاؤل بقرب الإفراج وانهمكنا نحلل ونتبين مضمون هذا الخبر وتدافع زعماء عرب للتباكي وتعزية أسرة رابين وهو صاحب سياسة تكسير العظام ، مر اليوم التالي بلا جديد وشعورنا ينبئنا أن الفرج قادم لا محالة ، وان تأخر بعض الوقت.

      في المساء كان الحلم الجميل قد مس شغاف النفوس ،ولم ننتظر كثيرا صحف اليوم التالي السادس من نوفمبر لنعرف أن السلطان اصدر عفوا عاما.

    2.  

      لا مست جراحاتي ،كانت قبائل جراحي تتظاهر في ضجيج لا يحتمل ، أواجه نفسي بمراراتها ، ,فتح حساب السنوات ، وماذا بعد ؟

      أحصيت معاركي..

      أحصيت خسائري ..

      كان المجهول يترصد أبوابي ، ونوافذي التي تحاول أن تقول لشعاع من الشمس أهلا..

      تمخضت جراحي عن آلاف المواليد من الأسئلة تتناسل تغيّب الأمل في الإجابات ، ومجاديفي تكسرت ، وان حاولت زمنا أن أجدف بيدي العاريتين إلا أن الملح شقق الراحتين وتسرب إلى الجروح التي انفتحت تتشهى الملح في سادية البحر .. المراسي بعيدة ، وأنا السائر على غير هدى تتقاذفني الأمواج .

      ورائي البحر وأمامي الموج .. والموت.

      أتطلع إلى بياض الزبد المنبعث من اصطدام موجتين ، كأنها ذاتي تتحول إلى بياض الموت جراء اصطدام الأشياء ببعضها.

      أيها الحالم : لقد بالغت في حلمك حقا!

      أي ريح ستسافر بك وفي داخلك العواصف؟!

      أي ميناء ستقبلك وقد ألغيت من خارطتك رسم الموانئ؟!

      أي سفر سيقبل لك وقد كنت السفر المرهق منذ انبعاثك على هذا الكون؟!.

      عشت جسدك الصعب الذي لاحقته أزمنة العبودية..

      وعشت روحك التي تقبّل كل النجمات في ليلة واحدة..

      جسدك هو امسك.

      روحك هي حاضرك وغدك.

      ماذا تبقى أيها المسافر الجريح؟!

      لا ريح تقلع بها السفن ، ولا خرائط جديدة تتبع خطوط الطول أوالعرض في رمال الربع الخالي..

      ماذا لديك أيها المسافر العنيد ؟! أرضك قاحلة وسماءك غادرتها زرقتها ،غرقت الزرقة في الماء المالح ، ولا تستطيع أن تشرب من الماء المالح أكثر مما شربت!

      يتفصد جسدك عرقا مالحا يختلط بموج اكثر ملوحة.

      تتفصد روحك متاهات ..

      هل تجمع الروح والجسد حقا؟! ..

      تحملهما ؟!

      نعم ، تحملهما منذ ولدت ، لكنهما لم يلتقيا في رقصة مشتركة إلا مرة واحدة .

      كانت مرة لا تدري إن كانت حلما أم جحيما .. يختلط الحلم أحيانا بالجحيم!!

      روحك .. جسدك ، هذان المعذبان الثائران ، الحالمان ..

      للجسد شهوته .. وللروح شهوتها..

      من هذا ومن هي تلك؟!

      أية فلسفة ستعينك على الفهم؟!

      الجسد ، هو صوتك ، لحمك ، دمك ،أعضاءك المحركة ، وسيلتك لتحويل الأفكار إلى أفعال.

      روحك ، هي سفرك الأبدي ، تقاسيمك التي تبحث عن ناي تحط أنفاسها عليه ..

      لكن حظك أيها العاثر ، تحطم نايك اكثر من مرة ، واستوى النأي خارطتك المتبقية في بحر الماء وبحر الرمل.

      الأنثى ؟ كانت سرابك البهي ، أردته أن يكون سرابا ، عندما تحققت من الرؤية لم تتحمل رؤية الماء ، أهلت عليه الرمل ليبقى سرابا.

      أي حقيقة تحملها الآن إلا نفسك ؟!

      تحسس جسدك ، انك الحقيقة الواقفة ، ولا بد من مواجهتها ، واجه جسدك أيها الحالم ، جسدك لا يقبل الحلم .

      روحك لا تزال تهفو إلى البعيد ، أنها موجودة لأن جسدك حيا..

      الجسد دليل بقاء الروح.

      الروح علامة بقاء الجسد.

      تسافر هي إلى المحطات المستحيلة

      ويبقى الجسد ينتظر.

      ليستمتع بالحصيلة ،أو ليدفع الثمن!!

      خرجت من رحم المرأة ، ليشغلك طيف المرأة ،ومن ثم ينتظرك رحم أمك الأرض ، تودع روحك جسدك لتطير في الفضاءات المترامية ، تقف فوق أغصان الأشجار تزقزق مع الطيور تعزف الألحان المستحيلة التي كنت تتابع خطوها ، أو تسافر إلى غيمة ، أو تسكن الورد الذي طالما عشقته وعبدت الجمال فيه.

      افتح كشوف حساباتك..

      كم من أزمنة وددت تكتبها؟!

      كم من أزمنة خسرت رهانك عليها؟!

      كم من أزمنة ضاعت وانسلت من بين أصابعك؟!

      هل لازلت تراهن على الزمن؟!

      تعب الزمن منك ، جازت سنوات كثيرة من حياتك ، لم تمهد للباقي الأقل من عمرك

      لماذا تختبئ في صمتك وكلك أصوات؟!

      انهض من خطواتك العاثرة ،اصعد إلى جبالك الشاهقة..

      طل على الأرض من عل ، ستكتشف كم هي الأشياء صغيرة!!

      كم هي الأحلام صغيرة أيضا!!

      راهن على الروح.. إنها قادرة على النهوض ، الجسد يتعب ، الروح قادرة على التحليق اكثر ، جسدك يحمل ملامح الماضي الذي تود أن تغادره ، روحك شفافة ، عصية على الدمع ، عكس جسدك المثخن بألف عين تدمن الحزن كأنه الصديق الأثير..

      وراءك البحر .. أمامك الموج ، صادق نفسك ، لا تثق في الزرقة كثيرا ، لا تثق في الحزن ، ولا تثق في العيون التي لا تنتهي ملامحها ..

      لا تثق بالأشياء كثيرا ، تكتسب الأشياء قيمتها بمقدار ما نهتم بها ..

      الأنثى: كائنك الأثير ، مدنك الواسعة ، ظهرت لك مدنا عادية ، مثيرة إذا لم تصلها حوافر حصانك ، عادية إذا استبحت أراضيها ، عقدك ما يثيرك ، هذه العقد تحدد مساحة الرؤية ..

      ابتسامتها طريق مفتوح عبر عقولنا المظلمة إلى السرير ..

      وابتسامتنا لها طريق مفتوح للخوف من دعوة يطلقها هذا الوحش للسير إلى السرير..

      كلانا خائف من الآخر ، كلانا يتربص عقد نقص من هذين الضدين الذين يلعبان مع بعضهما لعبة القط والفأر ، رغم أنهما ليسا كذلك ..

      الجسد واحد متكرر ، الروح قد لا تكون كذلك ، ولاء أهدتك جسدها ، اشتريته بمائة جنيه ، في وقت محدد ، ينتهي باستهلاك جسدك ووصوله إلى لحظة الذروة ، ذروة جسدك حين تنتهي يكون الثمن جاهز للصرف فورا ، هل تتذكر هالة ؟ تلك التي تفكر رغم حملها لجسد ، لكنه بعيد عنك رغم انه قد يكون لغيرك ، إنها لعبة الجسد أيها المبالغ في قسوته.

      الجسد متشابه على السرير ..

      تتغير ألوانه وأحجامه فقط..

      نزداد إليه شبقا كلما تحرك فينا العطش .. عطش الروح لمن تحب وعطش الجسد للجسد.

      أيها المباغت في حلمه: صحراؤك واسعة ، ممتدة بلا حدود ، والرمال تتحرك تخفي عليك الرؤية ، مبعثر بجسدك ، محاصر باحباطاتك ، بحثت عن الجسد ، بحثت عن المرأة ، بحثت عن المستقبل ، وبحثت ، وبحثت………………..

      وحين عدت ، كنت الخاسر الذي فقد فرسه وفروسيته.

      الأنثى: ربما تكون سلعة تمنح الجسد لمن يستحق .. الرجل هو من يدفع !!

      الأنثى: كائن نعبده نهارا لنحطمه ليلا ، شيء ملتبس في أعماقنا نجهله إذ ندعي معرفته ، نعرفه إذ ندعي جهله ، نحيط أنفسنا بأمراض مستعصية كلما حلت الأنثى وهي تدرك أمراضنا وتراقبنا كما يراقب الطبيب مرضاته في مصح نفسي.

      أيها الحالم ، المباغت في حلمه: ضبابية هي الأشياء ، رحلتك باقية ، لأن الطريق تصنعه خطواتك ..

    3.  

      غادرت ذاتي وصخبي ، أتحسس معالم الرحلة ، تتبعت الخطوات التي مرت ، إلى أخرى سوف تأتي .. رغم كل الخطوات الصعبة لا بد من بعض الحلم لنخفف من قساوة الواقع ، لنحب هذا الواقع ، طويت دفاتري وأوراقي ، أحرقت أمسي ، بقي الرماد حقا لكنني واثق من أن الريح ستلعب لعبتها..

      لم أفهم الأمس ، لن أستطيع فهم كل اليوم..

      لكنني قد أخسر الغد ..

      من متاهة الغيبوبة إلى متاهة الصحو ، أتحسس دربا فقدت آثار سيري عليه ، في كفي الأمس وفي كفي الأخرى الغد ، وأنا الحاضر.

      عاد الصحاب إلى وظائفهم ، وبقيت لأسباب ما بدون وظيفة أسير إليها الحاضر على الأقل.

      وماذا بعد ؟!

      داهمني السؤال ، وداهمني عجزي عن الإجابة ، مرهق الخطوة أجتر تاريخ السنوات أنزعه من ظهري ، وظهري عاشق للنصل لا يود مفارقته ..

      كان لا بد من السير ، رغم الأقدام المتعبة والذات الأشد تعبا ..

      لا مناص يا سيدي الحلم ، لا مناص ..

      لا احب الوقوف ، الوقوف جمود ، السقوط غير وارد.

      إذن لا بد من الحلم للسير في الواقع.

    4.  

 

كان حلما ..

أو أشبه بالحلم..

مرت الأيام على حلمي تتابع خطو الأحداث ..

كان حلما أو أشبه بالحلم..

عادت الأنثى كما رسمتها منذ طفولتي كائنا شفافا ، عادت الأنثى التي شكلتها خرافة لنبحث معا عن جزر أسطورية نغرس فيها أحلامنا لتكبر..

لم تكن هي تماما كما نزعتها من رأسي قبل سنتين..

ولم تكن مختلفة عن تلك التي آوت حلمي آلاف السنين..

خلعت (المصر) الأبيض الذي لازم رأسي سنواتي الأخيرة وارتديت مكانه آخر له لون بني ..

واستبدلت دشداشتي القصيرة بأخرى أطول منها قليلا ..

وطلبت من الحلاق أن يقص ما تناثر من شعر لحيتي فتجرأ وقص اكثر من نصفها .

اتصلت بأصدقائي المشاكسين أدعوهم إلى فرحي ، فدعوني إلى فرحتهم ، ووقفت فوق رز الباب ، قد يأتي أصدقائي إلى فرحي ، وقد اذهب لأرى فرحتهم ، لم أحسم أمرا ، ولكن وقفت بين ضلفتي الباب ..

بين خطوتين ..

الرحلة تبقى أثرا مغموسا في المتاهة ..

والخطوات تكتب نفسها لأنه لا طريق أمامها تهتدي به فوق أبسطة الرمل.

 

     
1