الإهداء
إلى..
قمم النخيل..
في بلادي
شموخاً
وحُباً.
مطرح.. ميناء للواقع وبحر من الأحلام عرفتها طفولة ضمّتها تلك الأزقّة، زمن عماني كانت حين توقف الزمن يستأذن "فرضة الوطيّة" للدخول.. كانت الباب المشرع إلى غابة من الضبابية القاتمة، وبين "مدّ" القرية و"جزر" البندر، كانت صحراء التيه تترامى دون حدود، إلى أن تكسرّت القيود ذات يوم في عام سبعين مطرح.. بساحلها القديم، وببيوتها العتيقة وبقلعتها الشامخة تطل من بعيد كنت أرقبها تنفض الأغلال من ساعديها، طفل يحلم بالرحيل إليها يكتحل برؤيتها كعروس تضع أجمل ما أهدها الزمن من زينة على وجه قاوم آثار الغزاة والطامعين، ويلحظ نقش الحنّاء لتسابق غيرها في أن تكون الأجمل والأحسن.
ولا تزال مطرح تحتفظ بروائح الماضي وإن بدّلت أثوابها، وبالألق المتفجّر من قلوب عشّاقها الذين كتب لهم القدر أن يولدوا معها في تاريخها الحديث.
مطرح ولدت عشرات المرات، ومع كل لحظة ميلاد كانت تسجّل في روزنامة التاريخ حسناتها فقط، وتلقي بالباقي لتأخذه أمواج البحر بعيداً عنها.
مطرح.. كانت حلماً طفولياً ما زلت أحلم أن أراه كل يوم، ولأنّ العشق الطفولي أبقى فمطرح هي الحسناء التي أغرمت بها عندما كنت طفلاً.
إني رأيت أنه لا يكتب أحد كتاباً في يومه إلا قال في غده، لو غيّر هذا لكان أحسن، ولو زيد هذا لكان يستحسن، ولو قدم هذا، لكان أفضل، ولو ترك هذا لكان أجمل؟žžžžžžžžžžžžžžžžžžžžžžžžžžžžžžžžžžžžžžžžžžžžžžžžžžžž وهذا من أعظم العبر، وهو دليل على إستيلاء النقص على جملة البشر.
العماد الأصفهاني
ذاكرة لها طعم الموت الفضاء الواسع أمامه يمتد طولا وعرضا دون أن تبدو في الأفق ملامح رغبة ضمهّا القلب المنكسر طوال السنين التي عاشها محروماً من حريته في سجن قميء مبلل.. حتى السماء الزرقاء الصافية – أو تبدو له صافية – تتقمص له في شخصية المستقبل القذر الذي ينتظره.. ما أمامه ليس إلا خيالات مظللة لواقع جديد يعيشه الآن أو هو العودة إلى الواقع القديم الذي لم يفصل بين جديده وقديمه سوى سنوات السجن.. آه.. السجن.. وعادت به الذكرى عشر سنوات إلى الخلف ليرى بداية المأساة التي بدأت خيوطها في التجمع عقب يوم احتدمت فيه كل تناقضات الحياة لتصب في عقله.. "لماذا حاولت قتلها؟".. لأنها خائنة.. "هل لديك دليل"؟žž!.. الخيانة هي الشيء الوحيد الذي لا يحتاج منا لدليل.. وها هي السنوات قد طويت على كاهله ورياح الخيانة تزكم أنفه الواسع بحيث لا تمكنه من شم رائحة شيء آخر إلا رائحته.. عشر سنوات زحفت على جسده الأسمر لتحفر فيه آثار أقدامها، واستوطنت ذاكرته لتدميها حتى النخاع.. "لماذا حاولت قتلها".. أنه الشرف.. و"هل الشرف يأمرك أن تقتل؟".. نعم عندما يكون القتل هو الطريق الوحيد للحفاظ على شيء رائع.. وصدر الحكم عليه وقتها بالسجن عشر سنوات وجاءته الكلمات المسمومة خنجرا ينغرس في قلبه "نال جزاءه".. عشر سنوات ترتع في مخيلته لكنها لم تنسه شيئا أسمه الخيانة وما زال صدى صرخاتها يتوالى على ذاكرته بسرعة متناهية كقطار منطلق يشق السكون وسط ليل هادئ..."أكرهك".. "أكرهك" وما زالت كلماتها تدق بقوة في رأسه التي نال منها التراب مساحات كبرى تشكلت كخرائط في كراسة طفل يتعلم الرسم.. ليس المهم أن تكرهيني بل المهم هو الشرف.. هذا ما قاله لها ذات يوم.. ويوم آخر يطرق عقله بين الحين والآخر كناقوس ثقيل يدق في كنيسة صدئة متآكلة.. ما أجمل السجن عندما يكون عقابا على جريمة استرداد لشرف.. الحياة أهون من الخيانة وأن ضياع الحياة أهون من ضياع الشرف.. الوحدة التي أحسها في أول يوم له بين تلك الجدران شيء لا يحتمل.. الجو الخانق يلتف حول رقبته ليقطع أنفاسه اللاهثة ورائحة الرطوبة تتجمع كحشرات لزجة تتعلق في جسده دون أن تكون لديه القدرة على إبعادها.. "أما كان طلاقها أفضل من قتلها"؟!.. قيل له ذلك ذات يوم ليأتيه الجواب سريعا منطلقا على حافة لسانه.. في أول ليلة لم يذق طعم النوم، كان قلقا أن لا يتحمل أو يضعف.. أحس بالضياع ينهش ذاكرته المتعبة ليمزق تفكيره إلى أجزاء صغيرة يلفها سراب باهت يحاول أن يتعلق به دون أن يعرف ما هو؟.. صعب أن نتمنى ما لا نعرف. أن لا نعرف ما نتمنى.. عشر سنوات مرت، سنوات أخرى أمامه في انتظار أن يعيشها، الدنيا أمام عينيه، تلك التي تصورها طيلة سنواته العشر وراء بوابة السجن.. ما أكثر ما عاودته الأحلام بالخروج من هذه البوابة، وها هو الخروج قد طرق بابه، لكنه ذلك الطرق الذي يخلف في الجسد المهترئ رماد الذكرى، ورائحة الخيانة تزحف مرة أخرى إلى جسده لتغتال آخر قطرة فرح يحملها قلبه سعادة بالخروج.. ما أقسى الحياة عندما تتراءى لنا شبحا مخيفا للماضي نحاول اغتياله وشبحا مجهولا للمستقبل نحاول اصطياده وعدم الاصطدام به.. الأشد قسوة أن نعيش بين الشبحين معا.
الفضاءات الممتدة ما زالت تصرخ معلنة عن بدء الحرية التي حرم منها فترة من الزمن، محاولة الهرب من شبح الماضي لم تنته بعد، وما زال شبح المستقبل فاغرا فاه مكشرا عن أنيابه ينتظره أمام بوابة السجن..
"أنني الآن في نظر الناس مجرم.. وخريج سجون" قالها وهو يخطو أول خطوة له بعد أن حسب أن قدمه أصبحت – لطول وقفته – قطعة من الأرض.. توقف.. "قد خرجت ولكن إلى أين"؟.. وهل كل تلك المساحات الهائلة من الاتساع باستطاعتها إيواء جسدي على الرغم من هزاله.. نعم قد تستطيع ذلك ولكن هل بإمكانها أن تفعل نفس الشيء ولكن لتضم مأساتي وثورتي وجنوني.. باسم العدالة دخلت السجن، فهل لتلك العدالة أن تحمني من نفسي ومن الألسنة..خطوات وراؤها خطوات ستتبعها تحملني إلى حيث يسكن المجهول وتعشش الذكرى كغراب قبيح الوجه ينعق في وجهي بالشؤم و.. وبالخيانة.
سيارة تخترق الطريق الموصل إلى حيث يقف فيمد يده إليها مؤشرا لسائقها بالوقوف.. يحملق السائق في وقجهه دون أن يفتح النافذة أو الباب.. يذهب عنه، قطرات من الدمع تتجمع في عينيه في محاولة فاشلة لغسلهما من غبار الحياة وغبار السجن لكن الدمع تخنقه تلك المآقي الضيقة.. "أنني احمل الآن سنوات سجني كتاج قذر فوق رأسي يراه حتى من لا يعرفني.. الذهاب إلى البيت يعني أن أجر قدمي إلى حيث تسكن الذكرى المقيتة التي حاولت أن ادفنها في رمال السنين طيلة عشر سنوات لكنها أبت إلا أن تظل كبركان ملتهب لا يهدأ إلا ليثور.. ذلك البركان يطغي في أعماقي على أي محاولة يائسة للوقوف على أول الطريق.. صوت السرير الخشبي سيصرخ في وجهي "الخيانة.. الخيانة" الطاولة المقلوبة في غرفة الجلوس ستدمي قلبي النازف لأنها ستذكرني بالوضع المقلوب في معادلة الحياة.. "الخيانة طريق للسعادة والشرف طريق للسجن".. ما أتعسها بل ما ألعنها من معادلة.. حتى الكأس التي سأشرب منها سأرى فيها صورة مائية لوجه قبيح، وفي زجاجة العطر عش مقيت لرائحة شيئين نتنين هما الخيانة والسجن.. حارس السجن ينظر إليه بغضب كأنه يأمره بالانصراف ثم يأتيه مقتربا منه.
ماذا تريد أيها الرجل؟ طريقا واضحا إنها أمامك مهما مشيت عليها لن أصل من سار على الدرب وصل.. هذا إذا كان هناك ما أريد الوصول إليه.. أنني ابحث عن طريق يكون مساحة بيضاء تعاملني كطفل لا يحمل ذنبا ولم يعرف طعم الانتظار وراء قضبان حديدية. ذلك الوهم بعينه ليت الوهم يبقى صورة خالدة في رأسي.. كنت على الأقل اعرف شيئا بدل ان لا اعرف. الحياة بانتظارك تفتح لك ذراعيها الحياة لا تفتح ذراعيها إلا بعد أن تأخذ ثمنا وقد يكون عظيما. والباقين الذين عليها؟! ما خلقت الكلمات التعسة إلا لتكون لهم رداء وتعزية. وطوى الصمت حديثا عابرا ممزقا بين إنسان خرج للحياة بحس قاتم وبين آخر عاش الحياة ببصيرة مغلقة.. الحيرة ما زالت تلبد سماء تلفها سحب سوداء.. سيري في الناس الوجوه الكالحة التي تشمئز منه خوفا وسخرية.. الخوف منه لأنه مجرم.. والسخرية لأنها خانته.. من السخافة أن يسعى الإنسان للحفاظ على شرفه فيدعى مجرما ويسخر منه لذنب ارتكبه غيره.. حتى المجتمع يتحول إلى فارس يسدد سهامه إلى مخلوق أحب الشرف حتى القتل، وجاءت العاقبة لتتنافى مع العدالة، اختلت كفتي المعادلة.. كفة تحمل عبارة خانته زوجته فأراد مسح الخيانة دون عار.. وكفة أخرى عليها عشر سنوات من اللاحرية.. وحدة وانعزال وتحطم نفسي.. وعشر سنوات مسحت من قاموس حياته، حرمان من العمل – مصدر الرزق – وحرمان من اجتماعيته كإنسان.سار يجر قدميه يضرب الشارع بكعب حذائه بقوة كأنه بضرباته تلك يخفف نارا ما زالت تأكل جسده.. أسرع في خطواته أكثر كأن هناك شبحا يطارده، يخاف أن يلحقه.. "إلى أين"؟.. دار هذا السؤال في رأسه، طرده، لا يملك الإجابة عليه.. قدماه تتحركان بصورة آلية تحملان جسدا مخيفا، عليه من الهموم جداول مرهقة.. لم يرفع بصره ليرى من حوله تجنبا للنظر في وجوههم، كأنهم يعرفون ما يفكر فيه.. ومن أين أتى؟! تخيلّ سكان الأرض اجتمعوا في صفوف متراصة ليتهامسوا سخرية منه.. "المجرم الذي أرد أن يقتل والفاشل الذي لم يعرف كيف يغسل عاره وزوج الخائنة التي تزوجت فلانا الثري بينما رمي هو في السجن ككلب قذر"..
اصطدم في سارية عمود كهرباء، تخيله وحشا كاسرا يلعنه، والدنيا تدور به في حركات دائرية مخيفة، خطوط الشارع ترقص أمامه رقصات هستيرية ضاحكة.. ساخرة.. اللافتات على واجهة المحال التجارية رأى في حروفها ثعابين تتحرك تغير من هيئتها السابقة لتتجمع في عبارات ساخرة رافضة اياه.. ضحكات صارخة تتجمع في رأسه.. قهقهات تتجمع منطلقة من هنا وهناك تبتلع المكان أمامه.. الخيانة.. الفشل.. الضياع.. وما العنها من كلمات.
"السجن ارحم" فجأة صفعت رأسه هذه الكلمة وبنفس سرعة مجيئها أقنعته بمصداقيتها.. "السجن ارحم" قالها لنفسه وهو يلتف بحركة نصف دائرية "السجن ارحم" حتى أجد بصيص أمل يقودني لا اعرف إلى أين اخرج.. يعود أدراجه مرة أخرى.. "سيكون السجن رحمة في حياة لا طعم لها، ومن وجود لا مكان لي فيه إلا في شوارعه.. وحتى الشوارع تتحول أحيان إلى ثعابين قطبية تتحرك أمامه ببهلوانية غير مألوفة".
السجن حيث يجد مكان ينام فيه دون أن يحس في صوت أخشابه قهقهة العار.
أريد أن أدخل.
قالها لبواب السجن
أجابه بنظرات حادة تحمل الخشونة القاسية.
الزيارة ممنوعة الآن. أنا لا أرغب في الزيارة.. أريد الإقامة. انصرف.. وإلا. وإلا. وإلا ماذا؟.. ستسجنني.. تلك أمنيتي.. أريد أن أعيش هنا. بصفتك ماذا؟ سجين. ولماذا نسجنك؟ لأنني أريد ذلك.. المساجين هنا لا يعرفون طعم المعاناة من سخرية معذبة لأنهم جميعهم يدورون في فلك واحد.. "تعددت الجرائم والسجن واحدة".. من فضلك اعطني فرصة لإنال لقب سجين إلى آخر العمر. لا تضيع وقتي فيما لا طائل منه.. أنك مجنون بلا شك.انطلقت الدموع تجري بغزارة.. "عندما لم اركن ارغب العيش بين قضبان سجنكم أخذتموني إليه بالقوة تحت ستار الجريمة وعندما أردته أنا رفضتم رغبتي.. إلى متى هذا التناقض يعصف بكم؟.. دخلت السجن لأنني أحب الشرف وتركتم الخائن يعيش سعيدا كما أراد.. حتى السجن يرفضني حينما يبقى أملا وحيدا لا يتحقق وسط حياة حطمها السجن".. زوابع ضبابية تتجمع أمام بصره وروائح القضبان الحديدية الصدئة تتزاحم للوصول إلى أنفه ورائحة الذكرى تصفع وجهه بقوة شرسة.. لكن كل تلك الروائح ما هي إلا مقاطع بسيطة من موال رائحة أكبر لشيء يدعى الخيانة.. وللخيانة رائحة أيضا