مسافرون دون أجنحة

الرئيسية

أخفت جرحها وأرتدي صدري، ونامت كلؤلؤة لبست محارتها.. وحين أفاقت كانت السماء داخلنا تمطر مجهولا، وتغرق المدن والقرى التي نحتناها في ليلة ذات مساء طويل.

هذا الشعر الغجري يتمدد كجرح غائر، يهديني لمسة حائرة، يسافر بي في رحلة غريبة، يعبر بي مطارات الدنيا، دون جواز سفر.. دون بحث عن هوية.. دون بحلقة من وجه الشرطي الذي يشعرني أني متهم، وأن المتفجرات التي حوتها شراييني (ديناميتا) وليست قصائد عشق.

ذلك الشعر الغجري كم حلمت لأجعله وسادة، وأن أرمي منطقة الخوف لأذوب في تعرجاته وسبحاته، لكن وهما ينتظرني.. يأمرني أن أتوقف عن ممارسة هذه اللعبة الخاطئة.. دون عناد أنسى أمره وأغرق في المتاهات المفتوحة أمامي.

الدرب لا يزال غارقا في سرابيته، ونحن وإن تحسسنا التواءاته.. بكل تأكيد سنسقط.

لا تفكر في السقوط.

أنه قادم لا محالة.

عش اللحظة.

أدرت وجهي نحو الجدار الذي نحته في المحيط المملوء فراغا أمامي، لا صدى، لا لون، لا طعم.. لكن ثمة رائحة.. هذا كل ما تذكرته من كراسة تلك الليلة، وحين قدمت جواز سفري لموظف الأمن أصاب وجهي بنظراته وجعلني أذهب إلى كرسي الانتظار، هذه اللوحات المزروعة أمامي في كل مكان تنظر إليّ في قسوة مخيفة.. كطائر يريد أن يفرد جناحيه للريح ويحلق في السماء المفتوحة حرا دون قيود.. يومها ذهبت، وغازلت قرص الشمس من فوق أكوام السحاب، وابتسمت للمضيفة التي أعطتني ابتسامة أكبر حجما وأطول عمرا.. عدت إلى نفسي، سألتني عن هذه الأنثى ذات الوجه المرح، ومن أي قدر أتت؟ž وعن هذه الأنوثة تعبق في انف الرجل كجزء من تكوينه. أغوص داخل أعماقي.. أهرب من نفسي ومن تلك الأنثى التي حملتها معي.

حين العباءة السوداء مرقت من أمامي.. كانت السماء تهدي محبتها للأرض في حالة توحد خاصة.. رغبت أيضا في هذه الحالة من التوحد مع لون العباءة، وحين سكبت الخطوات بريقها كان لون الحناء يتبدى نقوشا وألواح زعفران وألوان الفرح ارتسمت بحيرة بنفسج وارتمى العشق كواكبا وأزهارا لا تعرف معنى الذبول.

القبطان منحنا بلهجته الرسمية الودودة إشارة النزول من هذا الكوكب الفضائي الذي يدعى طائرة.. صدمتني الوجوه.. صدمتني الألسنة، ذبت في غربتي، تلاشت صورتك.. سكنتني لغة أخرى وأجساد أخرى.. أنها لا تمارس دور العاشق القديم، وهذا المجنون قيس توارى من ذاكرتي وعشقي الخاص لا أرى له أثرا.. بقي الشيطان.. أزارني مدنا، واقتحم بي غابات لا حصر لها.

اعترف يا أميرة العشق - أن الخطيئة لها طعم المرارة. شعرت بالحيوان الذي تجسد في ذاتي، وحين غادرني النزق بكيت واستحضرت تفاصيل خطيئتي معك، كلها خطايا، كلها ارتعاشات جسد لعين، كلها لعنات تصب جحيمها في عمق هذا الإنسان المسكون بالخطيئة.. ولأنك الآثيرة لديّ تمنيت أن تكوني كل الخطايا.

الوجوه تعبر بي كأنها شلال، تحبس الفواصل في مخيلة المكان وتضحك هازئة، فنجان القهوة يجلس القرفصاء في انتظار شفتين تقيلانه، والوطن يبدو كبيرا، أكبر من هواجسنا، أكبر من انكسارات العاطفة، وحين يخيم على المكان كملاك جميل فان هذا المكان يبدو صغيرا ومملا.. هناك للوجوه ألفة.. ووطني الذي أحبه قادر أن يعيدني إلى ترابه.

النادل يسأل عن عدد الفناجين التي شربتها قهوة ولا يسأل عن حجم المرارة التي أحسها في حلقي.. ويسأل ويسأل.. وأنا لا أجيب.. عيناي تدوران في الفراغ.. هذه السحنات التي قابلتني وهذه الابتسامة الممطوطة التي يدفع ثمنها بالدولار.. هذا الوطن معي وتلك الحبيبة تبحث عن تساؤلات، وليس هناك ما يبدو أنه أجوبة.. عشق الروح.. عشق الجسد.. وما بين العشقين ضاع الاثنان.

أحمل خطاياي واواصل خطواتي.. الأولى تسبق الثانية.. وأنا في سباق مع نفسي.. كيف أصل إلى هذه الذات؟ هي الغائب الحاضر.. هذه المساحات الهائلة ما عادت تكفي لكي أضع عليها جبيني وأنام كأي كائن حي في هذه الدنيا. الوجوه بأصواتها الناعمة تسابق الفراغ من أمامي، تصنع حولي دوائر والأجساد ضائعة في دوامة المتاهة.. عشقي للمكان انتهى.. ماتت الرغبة وحين أبصرت وطني من سمائه كان الذهول هو الحاضر الأكبر في نفسي، وكان وجه حبيبتي يدفعني للهروب نحو اللا شيء.

أهبط السلم والقي بجواز سفري في حقيبتي للأبد.

يعود الصقيع إلى بوابا الصمت سريعا، الألوان تبدو باهتة أكثر من أي وقت مضى.. يعود الرعاة من الصحاري يجرون أغنامهم صوب المدينة المتعبة من حالات الإجهاض المستمرة التي تصيب أحلامها، تمرق الأنثى بنقوش فساتينها وأحمر شفاهها، بألقها الدائم وابتسامتها المولودة من رحم (جوكندا) جديدة.. تدور الرقاب سريعا حول العطر المنساب كأغنية ربيعية لأن الصقيع قد غطى بوابات المدينة فان ثمة لغزا حملته الأنثى وذهبت.

أعود في منتصف الليل أمارس الغواية مع هذا النوم المستبد بنا.. الظلام أثواب منسوجة حول المكان وفراشي تركته على همجيته.. وعيون حبيبتي المحها تراقبني من خلال الظلمة.. رأسي مثقل بخطاياه.. ألف أنثى يمددن جدائلهن فينتصب الشعر المجدول حبل مشنقة يجذبني إليه بسادية متناهية.. أقاوم.. العن الوقت وغرفتي.. الأسماء من حولي تلعب مسرحيتها الهزلية.. واحدة.. ثانية.. عاشرة.. امتلأت صفحات العمر ولم تتعب رجلاي من المشي فوق أسلاك شائكة.. ورغم النزيف إلا أن الرغبة مستمرة.. أي رعب هذا الذي يسيرنا؟ž أي خوف هذا الذي يمتزج في دمنا يحولنا إلى مهرجين داخل سيرك ترمى إلينا الكرة الملونة فنقفز إليها قفزة مميتة كأنها الحياة؟žž أي لون لهذه المقصلة التي تمارس شنقنا.

وفي الصباح غادرني طيف تلك الأنثى.. وغادرني شيء ما أحسست بروحي تتأرجح متأوهة لأنه غادر.. وحين هممت أن افتح نافذتي سقطت الستارة من يدي وتحطم زجاج النافذة.. وعرفت أيضا ان جسدي يسقط قطعة بعد أخرى.. ورأيت كرة زجاجية قذفها الجدار.. كأنها ماء.. وحين تذوقتها كان لها طعم الدمع

b_home.gif (4784 bytes)

1