إنها اللعبة

الرئيسية

أضع وجهك فوق أشيائي القديمة وأغلق عليه خوفاً من دهر يحيله إلى مجرد جامد. تغزوني ملامحه كل حين فأحاول أن اقفل أبوابي حتى لا يقلق وجهك وحدتي مع قلبي.. دعيني أمسح عينيك الباهتتين كأيامي من بقايا ما يكر زرقتهما.. "الخوف" سفر آخر يصفع تذكاراتي القديمة ورسائلك المنحوتة ترقد في داخل بقع الصمت كما أردت لها.. لكنها الآن لا شيء سوى جثث بائسة في مشرحة أكثر بؤساً.

رنين الهاتف يتحول إلى صرخات موتى تسقط أعصابي قبل أن تصل أذناي.. أرى وجهك في شموع أعياد ميلادنا وأفراحنا وفي أوراقي القديمة وذكرياتي المتصلبة كقطعة صخر. أرفع سماعة الهاتف فلا أجد إلا الفراغ يصرخ في أذناي وصوتك ضائع في كل تلك المسافات التي تنالها عيناي واحجار الكون تملأ الفجوة بين صوتك وسمعي.

صراخ النائحات وبكاء الصبايا في موكب الرحيل لم يعد يكفي لاخراج دمعة وذلك المجنون الذي وصفته بأكبرنا عقلا رأيته يضع رأسه بين يديه وينتحب ووحدي الذي لم أستطع أن أطلق أي موال من مواويل المآتم.. لم يعد للحزن بقية، ولم تعد المأساة تقطن صدري وحدها، والدمع ضمير عاجز يتكلم وينام في أعماق حفر ردمتها الرياح ونام كل الكون إلا ذرات التراب ظلت مستيقظة على جسدك الطاهر، تنبض الرمال والأتربة لترجع صدى نبضاتي.. آه لو تنام بجوارك أيها الملاك.

دمعها بركة عطر وقصيدة شوق تهتف بالخلود

دم الشهداء أيها السادة.. دم الشهداء أيها الخائفون من كل شيء الراغبون في كل شي.. يتجمعون حولك يحملون جسدك إلى تلك الحفرة المظلمة.. لا أتكلم.. عيناي فقط تنطقان عيني واللفافة البيضاء ترقد في التربة الأم. للمرة الأخيرة أمسح عينيّ في جسدك الدافئ أيتها الأميرة، والتراب يتهاوى على البياض عشقا أبدياً عشقاً أبدياً يدمي العيون الجوفاء التي تمد نظرها إلى عيني تبحث فيهما عن آثار دمع.. "عفواً أيها الحمقى.. لا أملك دمعاً فقد بعته في أسواق الشعارات والخطب.. دفنته في أكفان السجع والبلاغة".

المجنون يقترب من الملتحقين حتى يصبح واحداً منهم.

ما الذي يأتي بالمجانين في موكب القداسة؟žžžžžžžžžžžžžžžžžžž

هي وحدها فقط.. أنا أيضا يقولون الحكمة في رأسي

انصرف

……………………

* * *

أغدو احمل جثتي المعتقة بروائح الغبار لأرصد وجهك في ذاكرتي.. والمدى يزحف ورائي يرقب خطواتي المبتعدة عن مأوى جسدك.. لا يا أميرة الأفراح لا وقت عندي للنزيف بل للوداع.

الليلة الأخيرة تقبع خلف جمجمتي تشاركني مأتمي.. "سيأتي عليك زمان أيها العاشق المحترف، والآخرون الذين حولك يشنقونك باسم الحب ويقتلونك لأنهم يحبون لك الحياة".. في ليلتنا تلك أغمضت أجفاني لأتوسد رأسك لكنه كان خاويا، وكان بعيدا عني آلاف الأميال، وعندما وصلت إليه كان رأسك أيتها الأميرة مدبباً، ثم اصبح كحد السكين قلت لي: اشنق نفسك فحصاد السنين ان تنهي أنفاسك بمحض اختيارك لم أفهم يومها أنك كنت تعبثين بالقدر

..وجسدي الممل وجسدك أودعته التراب.. خذي جسدي وضميه بين دفء التراب المتشوق للحظة العناق واعطني جسدك المالح بروائح العرق والرطوبة. ارمي بذلك الذي يدعى جسداً على كرسي مهتريء وأنظر إلى كرسيك الفارغ سوى من طيفك فأضع عينيَّ. عليه لأملأ حزناً ووجعاً.. والستارة الحمراء تلعب مع الريح ثم تضطرب كمريض يحتضر.. أسبلت جفني لأتوسد خيالك وأرنو إلى الفق الأسود الممتد أتعقب أرقى.. ها أنت أيتها الأميرة تلوحين من بين الأطياف والليل من حولي كقارة من الضياع والجدران الأربعة تحاصرني، تزحف على صدري.. أنا مثلك أيتها الغائبة اتنفس داخل قبر أكبر من جسدي لكنه عاجز عن احتواء أنفاسي.

الباب يرتعد.. يزمجر في غضب وأنا لا أقوى على الوقوف.. اصرخ..

من يسأل عن جثتي الآن؟

…………………

هل لديك فرحا أيها القادم؟

  1. …………………

 

أسألك بالله دع الباب واعطني رحمة فانا لا أقوى على رؤية أي جسد.. ينفتح الباب فلا اتبين القادم.. أدعك عينيّ لأزيدهما نقاء.. أي قدر هذا؟!.. أي عقل هذا؟!.. أي جنون؟!.. كيف انسللت من بين ركام الأعاصير؟!.. كيف اقتلعت تلك الأحجار المصفوفة على جسدك؟!

مللت الظلمة فجئت أبحث عن بصيص نور!

ليس مبررا أن تغادري قبرك.. الدنيا كلها قبر كبير.. هل فهمت؟!

الشهداء غالبون لا يفهمون، عليهم فقط ان ينتحروا ليصفق الآخرون..

"الشهداء".. "الشهداء".. من هم الشهداء؟! من هم الشهداء؟!

تتوارى كأنها دخان لتبدو كنورس ابيض يغادرني ثم يحوم طيف أبي، فأسأل الطيف هو.. هي.. هم.. ماذا يكونون؟!

لم أفهم عبارته الأخيرة عندما قالها مودعا..

..إنها اللعبة..

..إنها اللعبة..

..إنها اللعبة..

b_home.gif (4784 bytes)

1