أبحث عن حفنة رمل أدفن فيها رأسي خوفاً منك، لكنني أكتشف بعد رحيل العمر أنني لست نعامة وأنك لا تجيد فن الخوف.. هل تكفي دموعي لإحراق جسدك كله وإذابته تحت أي مسمى؟! عذراً أيها القلب فمنفاك رهان خاسر في معركة تؤثر النزيف أن يظل مستمراً وتؤثرني أن أكنن قطرة دم على رصيف إسفلتي لم تغسله إمطارك الحارقة.
"لم يعد المكان هو المكان.. وجهك لا يروقني، والجسد أصبح معزوفة مملة".
ها أنت مكسورة لترى النور بينما أظل انفخ في الظلمة حتى تسحقني أنفاسي.. ألملم أوراق جسدي المبعثرة وأحاول ان العن.. لا.. ليست اللعنة وحدها تكفي لرمي عنقك بها أو أنك لا تستحقها.. إنما..
إنما ماذا؟! لحظة عبور في زمن مأساوي يزرع ابتسامة على صخور صدئة أو وسط أكوام من القبور. إنها ثورة الجسد!! بل انتكاسته. لا فرق.. بين الثورة والانتكاسة خيط رفيع.. عبثا أحاول أن انتقي سيفاً يحتضن حياتي المتبقية كبقايا رماد.. كل العيون تلعقني بنظراتها المحمومة ووحدة الليل تحمي الأجساد من الذئاب التي تحدق في كل جسد يتحرك.. دائرة تلف بي كأنني قارب في بحر هائج وأحاول أن اصرخ في كل الوجوه وأقتلع كل عين تمتد بوقاحة إلى جسدي.. واخلع كل الرقاب التي تستدير هامسة توجه الدعوة.. لكن الدائرة تكبر ويبقى مركزها مغروساً في قلبي.. الدوران مستمر والنزيف لا يتوقف.. تتسع الدائرة ويتسع الجرح ليضم بقاياي.. فاختنق. هكذا إذن تبدو النهاية. لا.. لا يزال هناك هناك من يتعين عليه دفع الثمن. ليست قضيتي بل قضيتك الخاسرة. وتبدأ عشرات العناكب تتسلل في خوف إلى داخلي.. كأخطبوط بآلاف الأرجل أرى لحظة عبثت بأشيائي الوحيدة.. كانت لعبة.. استمرت.. انفتح الجرح.. نمت في داخله ألف بذرة.. رقد العقل واستيقظت شهوة الجسد.. أي عذاب هذا الذي يتحرك وأسمع طرقاته على باب بطن يمتد في عجرفة واضحة؟. أي عيون تلك التي تلسعني؟. تقتلني. ووحدي أدفع ثمن رغبة في لحظة لم أملكها فسقطت الروح إلى القاع. لن أملك إلاّ أن أضع رأسي في أول قطار يبعدني عنك. ورصيدك الذي تركته؟! إنه وليد لحظة جسّدها الشيطان. والشيطان لا يريده. وأنا لا أريده. لكنني أحمله.. …………………* * *
الزمن يلتف حول رقبتي ليواصل شنقه اليومي والإتساع يستمر والمجهول يتوسط خاصرتي.. لن أصمد.. ربما الآلام ستكون خير مطهّر لذنب ارتكبه القلب فكان الجسد كبش الفداء.
شخص آخر ينبت في رأسي.. يسألني.. لا أملك إجابة.. يأكل أعصابي… وأين كان العقل؟! اعتقلته رغبة جامحة لممارسة جديدة. لماذا تمارسين ما تجهلين؟! كانت فكرة تطاردني، تضرب أذني، تغسل عيني، وصدري يلتهب في انتظار حائط ثلجي دافئ يريحني. امتدت يده، ثرت، صرخت في ثورتي، تذكّرت نفسي.. لكنّها الرغبة.. امتدت يده مرّة أخرى، فامسكتها، أي شعور ذلك الذي عرفته.. داست جسدي عربات قطاره. إنه النزق. إنه النزيف.. الشرف ظل ينزف حتى آخر قطرة، دون أن أدرك أنه كان يحتضر.. العيون تغسلني بأوساخها تنتظر مني ليلة حمراء تلتقي فيها الأجساد.. "يا للعار".. الشرف انتحر على جسدي ليبقى هذا الكوم اللحمي يتغنّى بفارس يلهب اللحظات ليشتعل كل العمر. * * * … ولد.. أنه ولد…يشتد الصراخ من حولي وتكبر ألف صرخة في أعماقي.. كل العيون تلتف حول وجهي، تحاصرني حتى تكتم أنفاسي.. لكنني لا أمت حتى يبقى من يدفع الثمن.. أنفجر.. لكن ثمن لا يزال له بقية وهو يعانق حياته في براءة من كل شيء.
(امتدت يده).. هناك كان الطعم مقروناً بابتسامة تخفي حقد الإنسانية ليلتهم كل شيء دون أن يدفع ثمناً لشيء.. إلا القربان الوحيد الذي تقدمه يد العدالة إلى مذبح العذاب.. إلى جلاد الحياة، وحيدة كأنني خلقته وحدي على هذه الدنيا..
أبي.. أمي.. أخوتي.. صديقاتي. يحاصرهم ألف عار ويقتلهم ألف.. ألف لسان. لكني… ووالدهžž إنه ابن اللحظة. دائما نحن نزرع أخطاءنا في شيء اسمه "اللحظة" وعقارب الزمن لا أتبينها.. أتخبط في دائرته.. تصفعني عقاربه، ورأسي لا يعرف أي مرسى.إلى أين؟ كل الأبواب مغلقة.. هذا ثمن اللحظة.. والولد يصرخ كأنه يلعنني لأنني تركته وصمة عار في جبين الحياة.. واصل صراخك أيها التعس والتصق بي.. واصل صراخك وأسألني عن أبيك لأقول لك أنه في كل وجه تراه يمد بصره إلى جسد أمّك.
… والطريق يمتد أمامي راقداًَ عبر مسافة لا أستطيع أن أعبرها.. وهو.. غسل جسده ودوّن جرحي على خارطة النسيان.* * *
ذات يوم وصلتني هدية من والدي.. دهشت، فتحتها.. وجدت سكيناً.. بحلقت في طفلي الذي يرضع جرحي وحملته باحثة عن أصله الأبوي.
وعندما التقينا.. صمت هو.. وصمت أنا.. والطفل أيضا.. الشيء الوحيد الذي نطق هو السكين.. لا أدري حينئذ فيمن تكلمت تلك السكين؟ž! وأي لحم عانقت؟! وبدم من ارتوت؟žž!.. هو.. طفلنا.. نفسي.. اللحظة.. كلنا جوهر مأساة اسمها..
اللحظة