في هجعة الليل يجري حاملا نزيفه صوب الجبال المتوارية في سواد ليل لا قمر فيه، النخيل وحدها تظل ساهرة متخوّفة من قنّاص يسكب مادته القاتلة في أحشاء قلبها لتموت واقفة.. في شموخ تتيبس أغصانها.. تحترق أمعاؤها، في الغد فقط يعرف صاحبها أن عدوّه قد أخذ بثأره.
عاد خلفان إلى بيته يحتضن بندقيته، إصبعه يرقد في حالة استنفار على الزناد.. القرية سمعت طلقة رصاصة مقرونة بصرخة في ليلتها تلك.. أغمضت عينيها لتواصل النوم فما سمعته هو ثأر الأمس وانتقام اليوم، والمستقبل يضطجع في نهر دموي لا آخر له.. زوجته حبلى بالرقم التاسع في قائمة أولاده، هم وحدهم يعرفون معنى القلق لرصاصة تخترق ليلة قرية تخوض حربها القبلية بشراسة.. شيخ القبيلة أمر بالثأر لأن شاة احد رعاياه قتلت يوم أمس.. ثلاث رصاصات تمرق في الهواء باحثة عن جسد آدمي تكتب النهاية على حوافّه.. اخطأته الرصاصات إلا من جرح يجري به في الوادي المحاذي للقرية البائسة.
"يومها قرر أبي الرحيل إلى البندر، فرحت أمي الخائفة علينا من رصاصة الثأر وفرحت أيضا لأنها ستهرب من ليل البنادق والنهب، ليالي ارقبها تربط المواشي في رجلها خوفا عليها، وتظل ساهرة خوفا علينا.. نخيلاتنا القليلة غادرتها الحياة، صب عليها أولئك المتسللون ليلا تلك المادة التي نستخدمها كوقود للسراج المعلق على وتد أحد جدران بيتنا الطيني. لم انم حين تحدث أبي عن الرحيل. ضاجعني القلق في ليلتي تلك. كان القمر حينها غائبات فلم أره من كوّة سطح الغرفة".
رمى جسده على فراشه المترب، البندقية تتنافس مع قامته التي تميل إلى القصر.. "اجمعي الأغراض".. قالها صارخا للزوجة المغلوبة على أمرها.. ثلاثة ألحفة يتقاسمها الأطفال الثمانية مع والديهم مع قطع أخرى متهالكة ينامون عليها.. الغرفة تصرخ بالرطوبة وتعج بعشر قطع بشرية تتمدد كجثث متعفنة. الأم جلست تنتظر الأوامر من القائد بقلق المترقب.. "في البندر بإمكاننا أن نجعلهم يتعلمون القرآن".. تعالى شخير النائمين منهم بينما الأب يصغي لزائر الليل يأتي بالموت معه أو نذير شؤم يكمل مأتم الليلة.
"كنا عشرة وأبيهم نتبع حمارا يفتح فاه يلهث من شدة الحر، قبل أذان الفجر كنا نتسلل مودعين بيتنا.. بكيت.. لا أدري من ماذا؟ وعلى ماذا؟! لم اسأل أبي أين ومتى وكيف؟ السؤال لمن هم في أعمارنا ذنب نستحق العقوبة عليه، حتى النخلة التي صلبت عليها ذات يوم لأنني سألته عن جدوى ما يفعلون ودعتها لأنها جزء من هذه الطفولة التي لا أعيشها.. تورّمت قدماي والحمار لا يتسع ظهره لأحد منا عليه، فراشنا وجراب من التمر وجرّة سمن هي آخر ما حصلنا عليه من بقرتنا التي سرقت ذات ليلة.. بكت فيها أمي بحرقة أكثر من بكائها على أخي الذي مات بالحصبة.. أمي تحمل على رأسها "قفيرا" به بعض الطحين والأرز وعلى حضنها أختي الرضيع.. تمشي صامتة كأنها فقدت لسانها. الخوف والحزن هما وجهها الذي تحمله، أبي بشموخه وجبروته ينقل بندقيته من كتف لآخر موزعا نظراته على الجبال المحيطة بنا كقدرنا الذي نرزح تحت شمسه الحارقة".
تتحرك الأقدام بعفوية.. تتعثر بالأحجار تغوص في الأتربة.. الأب يتقدم المجموعة، والطريق يزداد طولا. تطل الشمس من عليائها تلقي الأشعة غاضبة على هذه الأرض الجاحدة. الأقدام الصغيرة أصابها الوهن والتورم، الرضيع يوزع صوت بكائه على السكون الراقد من حولنا.. الساهرون يمشون صوب المجهول الذي يراه الأب شمعة الأمل وسط أكوام السواد.. والقرية الطاغية تمارس قبليّتها وجنونها، بيوتها الطينية المتناثرة أضحت لا تعرف إلا بكاء أم ثكلى وأب ينطلق صوت الثأر منه قبل دموعه.. الجوع يعم القرية كالنار في الهشيم تنتشر.. الفلج ترقد الكلاب في ساقيته الجافة. ما زالت آبار هنا وهناك شبه يابسة تزمجر الثيران بهياكلها العظيمة مع صوت "المنجور".. حتى أولئك ذوي الاثني عشر خريفا تولوا "الزجر" من أجل قطرات ماء للأنفس الجافة وللنخلات اليابسة إما عطشا أو اغتيالا من أجل بضع تمرات تسد الرمق عن اللعنة والعقاب. باع الناس أوانيهم.. باعوا أبواب منازلهم الخاوية إلا من الثأر والدم والدموع.. بعضهم شدّ الرحال بعيدا عن القرية وسفاحيها.
"في الطريق كنت أحاول جاهدا أن أتجلّد.. كانت الدموع تنسكب داخلي ساخنة كماء مغلي فتكوي أعماقي.. رجلاي أكاد لا أستطيع نقلهما إلى خطوة أخرى.. والطريق يمتد لا نهاية له، يومان من المشي وأبي يلعق صمته ولا يتكلم، وأختي ترضع من ثدي أمها المرارة والفزع، وعندما استرحنا تفجر الألم في أرجلنا نارا.. تلك الغلان – كما اخبرنا أبى بكلماته الاثنتين – آه.. أنها تبدو متعبة برياح غامضة".
تلك البلاد المنهكة من الجري مئات الأعوام نامت خائفة كقطة جفلى من مطارد مجهول.. الشمس تلعق الرؤوس العشرة الراغبة في وداع يومها الثالث.. الأب يرغب في الوصول إلى "فرضة الوطية" قبل غروب الشمس.. أرجل الصبية تئن بالجروح والورم، سيرهم يشبه مرور جنازة تتبعها أصوات النائحات.. يطلق الأب صرخاته لكن الشمس تسرع في الرحيل ليبقى لونها الاجواني يتوزع أحمر على سهول الوطية المغبرة، بذئابها وحيواناتها المتوحشة.. يصل أولئك إلى "المعوشري" يستعطوفنه للدخول إلى "البندر".. البوابة أغلقت ضلفاتها.. نام الجميع كأنهم أموات في مشرحة منسية.. أقعى الأب وبندقيته تنتصب طويلة تعلو قامته.. غموض يلف المكان في سريالية مخيفة.. الموت وراؤهم وبوابة المجهول تلتقي ضلفتاها.. ويبقى الخوف وحده الساهر حتى الصباح.
في ذاكرة الأب نبتت أغصان سوداء جذورها في القرية وامتدادها إلى القلب.. دماء البشر الذين طالتهم بندقيته تحوم حول مقلتيه لتزيدهما احمرارا. أحدهم صرخ بالفقر ويتم الأطفال عندما وصلته الرصاصة، لم يفكر حينها أن الرصاصة ربما تسكن صدره لتضيع كل العائلة، شيخ القبيلة لا يملك شيئا في زمن القحط يعطيه لهؤلاء.
في "مسكد" رأى خلفان حكاية غده، حمالا سيعمل في سوق مطرح أو عاملا في احد متاجر "البانيان".. على الساحل سيجد طعاما للأفواه الجائعة التي تنتظر.. "أيها الغد افتح كراستك لأقرأ خفايا سطورك".
".. وحاولت أن أغمض عيني.. أبي لا يزال جالسا، نظراته المترقبة تتطاول إلى البوابة المغلقة. ينظر إلى السماء في انتظار نجمة الصبح، هذا هو الليل يبدو طويلا أكثر من جسد آدمي.. أخوتي ناموا بعقولهم الصغيرة وأبدانهم الهزيلة جوعا وخوفا".
لاحت الحمرة من أعماق البحر مبشرة بالنهار يخرج من جوف الليل الطويل.. نظرات حيرى ترصد البوابة أحيانا.. وأحيانا الجبال.. هذه أمامهم الجنة المنتظرة تفتح ذاكرتها للتاريخ وللرزق القادم من أفواه اسماك القرش.. تطل الرغبة في عين الواقف خلف البوابة.. "العشر" تسحبه اليد المعروقة من زجاجة السمن وجرة العسل وأشيائهم الأخرى.
"وغدت البوابة وراء ظهري دنيا أخري.. عالم جديد رسمته أماني أبي في عقلي الصغير.. قرية أضحت محض ذكريات هلامية والفلج الذي جف قحطا يتراءى لي كحلم قديم.. باب بيتنا بعناه.. نوافذه، جدرانه بقت منتصبة تقاوم الغدر والسرقة.. وأصابع أبي القابضة على الزناد تنشر الموت في جبين القبيلة الأخرى.. ها هي "البندر" أمامي ببحرها لا أعرف ما يكون هذا البحر.. بقلاعها التي لم أرها إلا في خيالات جدي الذي مات برصاص الليل وحكايات جدتي رحمة الله عليها".
.. مطرح.. إذن هذه هي المدينة تستقبل القادمين بصور ساحلها القديم وساحلها المزدان بمراكب الصيد وسفن التجار.. بقلعتها التي تطل بكبرياء العاشق للبحر وللنوارس تحوم حول مركب البوم وذلك السنبوق الآتي من صور العفية.. الأمواج تتكسر على جدران البيوت المتاخمة للشاطئ.. الأب والعشرة أرواح تتبعه، هو القبطان الذي أنهكته رياح تتردد بين نخلة اعز من الولد وجبل يترصد قاتلا أو مقتولا.
وهم البحارة يخوضون الحياة بأنامل غضة تستشرق الغد في خزانة مطرحية.. ضائعون هم دون يد ترشدهم كأعمدة منتصبة يحتضنهم "خور بمبة" والوجوه المعفرة بالأتربة والأمراض تفتح عيونها على آخرها تستطلع هذا العالم الجديد.. مطرح بروائح البهارات والسمّاكين.. بالتيه.. بفقدان الذاكرة.. برائحة البحر العفنة تسكن في خياشيم اسماك القرية الفارة من مصيدة الموت إلى حافة الغموض.
في الصمت الذي يغلّف المكان وهؤلاء خرجت رصاصة مزقت الهدوء.. الأب يمسك بندقيته والإصبع على الزناد ترقبا من ملاحق يتبعه.. يدان تلتفان حوله من شخص لم يتوقع منه أن يفعل هذا.. آخرون حوله يحكمون السيطرة عليه.. وخرجت البندقية من يديه.
"غصت في قاع لا آخر لها إذ أرى قائد مجموعتنا الصغيرة تلبس يداه قيداً حديدياً.. لم يطلق الرصاص.. فقط كان ممسكاً بندقيته، اتهم ظلما.. توهج الدمع جمراً في مقلتي أمي.. من لنا في هذه المطرح الغافية في سرابيل الألغاز والطلاسم؟!! حملوا أبي ومضوا دون أن يلقي نظرة وداع لنا، نحن المصطفين كأصنام جلبت للسوق من أجل البيع..
لكنها لم تجد المشتري.. سماوات ترتفع بناء ثم إلى قاع سحيق تسقط دون أن نجد لها قراراً".
لماذا أطلقت الرصاصة؟
أنا اقسم لكم أنـ……
أخرس.. الدليل في يديك.
لكنني..
خذوه إلى "الكوت" هذا البدوي الأجلف ليتعلم أن "مسكد" ليست مدخنة لرصاص البنادق.
يوم.. شهر.. عام.. "الكوت" يعج بالرطوبة وأب يسابق ذاكرته في الوصول إلى صيف القرية وجدب أفلاجها.. بين الموتين ترتمي هذه الأجساد.. والبقية ضائعة في حارات مطرح تتسوّل مكاناً ورغيف خبز.. بين اللعنتين تعيش بينهما تموت، من أجل المزيد من العذاب تبدو المأساة ممتدة في كل مكان.. أجساد أخرى هاجرت إلى خارج هذا الوطن.. شقاء من نوع آخر.. غربة أخرى في زمن الاغتراب.. قسوة العمل وعذاب الفرقة للأهل والوطن.. هناك عاشوا.. تاهوا في تلك الغابات، تمزقت السواعد، تمزقت الهوية.. والوطن يئن بجراحه.
"ودعت أبي الذي توارى بين سواعد رجلين قاداه إلى حيث لا ندري.. أمي غرقت في عويل تجمع المتسوقون على صدى حرقاته.. أنا وأخوتي كنا نبكي أيضا رغم إننا لم نستوعب معنى ما حدث".
أين المعجزة تتفجر مع موج البحر في ديجور هذا الليل الذي يحاكي القرية برعب لياليها؟ أين هذه المعجزة ترجع القبطان الغائب في موجة أخذته وتركت البقية دون أدنى تجربة في القيادة؟.. أنه الغموض والصدفة المليئة بالأسرار تحركت الأقدام الصغيرة تذرع سوق مطرح المتهالك.. في "سكة الظلام" مشت الأجساد تتهجس بعفوية والأم تغرق في دموعها.. انفرطت حبات عقد العائلة عندما انقطعت السلسلة التي تحتويها.
"أمي تفقد وعيها فأهرع صارخا في أولئك الذين تصفعني وجوههم عبر ممرات السوق.. خوفي من فقد أمي أذهلني.. ركضت.. لا أدري إلى أين؟! تهت في خبايا مطرح.. ضيعتني حاراتها.. دروبها.. وكلاب لا أول لها ولا آخر يصفعني نباحها بأصوات مرعبة.. أجري خوفاً منها.. تركض خلفي.. اصرخ بما أوتيت من قوة.. نباحها يعلو على صوتي فلا يسمعه أحد.. ابتعدت عن السوق والكلاب لا تزال ورائي.. ضيّعت الدرب وكل الحياة.. قيل لي بعد ذلك أنني قد فقدت وعيي.. وحين أفقت كان "المثعاب".. وهو الباب التوأم لدروازة مطرح يوزع شيئاً من الألفة.. الحطابون يكومون حطب السّمر. وقود البيوتات المطرحية الفقيرة.. والحمالون يصنعون بقطرات قِرَبْ الماء على ظهورهم ممرات ذكرتني بظلال سعف نخيل قريتي.. الفقر يصهل بخيوله هنا.. ولولا الرطنة الأعجمية لتذكرت ريفنا الفقير.. ولولا الماء المحمول بين حارة "اللولوة" وبقية حارات مطرح لتذكرت "جميعه وخلوف وزلخة وشيخوة" والهاندوات على رؤوسهن.. تخيّرن أعذب المياه.. الوجوه هنا فيها ألفة.. والقهر السحنة المميزة.. والشقاء كحل يتوهج بظلامه في العيون المتعبة".
هذه مطرح إذن.. وهذا كوتها.. هنا يحرث الجميع تعاسة الزمان.. وهناك أبي يخفق قلبه مع خفقان العلم الأحمر في الكوت.. وهذا ليل مطرح يفح كأفعوان.. وهذا طبل "النوبة" يدق لتنام العيون.. وابقى وحدي اتجول في ذاكرة بيتنا الصغير.. أعدد أسماء التقاها أبي في رحلات سابقة "للبندر".. أي بانياني ذكر أبي يبدأ أسمه بسيت.. أي تاجر لوتي يبدأ أسمه مسبوقا بالحاج.. أي.. أي..
هذا سطح بيت طومس.. مناخ من لا مناخ له.. وهذا المصاب بالجذام والذي ينفذ لك بجمل غير مألوفة في اللسان يهذي باشياء كالمسيح والصليب والمخلص.. ونصير الضعفاء.. يدعوني لأعمل "بشكارا" في بيت طومس.. لا أفهم ما يريد وكل ما أفهمه هو أنني ثرثرت بتفاصيل حكايتي.. ونبشت على سمعه جرحي.. أخبرته عن أبي الذي يرصف بحديد السجن في قدميه.. أخبرته إن أبي لم يعش طفولة هانئة.. ولم تضع أمه على قدميه وهو صغير حواجيل فضة وها هي مطرح التي تفاخر بصاغتها تهدي أبي حواجيل من حديد بوزن كل السنين التي عاشها.
كل ما أعرفه إن ذاك المجذوم بكى.. ولعله والده هو الآخر مات في الكوت.. بل ولعله مات والحواجيل في قدميه.
كان كأس الماء بارداً.. وكان أول كأس ماء أشرب وبرودته خرافية.. وعندها عرفت المرة الأولى مصطلح الثلج.. ونخرت في سمعي كلمة الثلاجة.. كل ما أتذكره أن رجلا أحمر الوجه بتقاطيع وسيمة وسحنة ودودة.. وبلغة عربية مكسرة سألني عما إذا كانوا فحصوا مأسورة بندقية أبى ليتطلع على آثار الطلق الناري الجديد.. وعما إذا كان الحزام وجد ناقصاً من عدد الرصاصات.. وما إذا كان الرصاص "التهمة" كان من نوع رصاص محزم أبي.. كان يسأل وكان يجيب بنفسه على أسئلته. ثم أضاف مختتما مداخلته الإنسانية.. في أمريكا لدينا محققون جيدون.. نادراً ما يؤخذ بريء بجريرة متهم إلا في حالة إن المجرم محترف، وأن أساليبه أكثر رقياً من إدراك المحققين.
..ودار الزمان.. تسلقت خلاله عملاً يسد رمقي.. ويفي بقيمة إيجار خيمه.. خيمه من مال الوقف في "الشجيعية".. وعلى ضوء قنديلها الخافت صنعت أحلامي.. وعلى ضوء قنديلها أيضاً.. صعقت وأنا أرى البريق في عيني أمي يتوارى.. فالزيت نضب والعمر أوشك.. وعلى أرضية الخيمة الرطبة أسلمت الروح.. ولو وافق سعيد المعشري وكيل الوقف لحفرت في مكان رقدتها الأخيرة قبراً يؤنسني حتى وهي ميتة.. فكلانا ميتان.. الفرق أنها نامت مغمضة العينين.. وأنا نائم بعيون مفتوحة ارقب بوابة كوت مطرح حتى تفتح.. وكيف حال أبي؟.. هل تغير شعر لحيته؟.. وماذا عن عينيه؟! هل ذبل الاصرار فيهما؟! هل لا زال أبي يعرف "التفق"؟! وهل بمقدوره الآن أن يضع في بطنه "الصمع" رصاصة "ولايتيّة" يسقط بها "عقعق"؟! وهل؟! وهل؟!!
ها هو أبي يخرج من السجن.. وها هي درجات السلم الحجري الطويل تبدو طويلة جداً.. صعدها أبي أربعاً أربعاً وكأن مارداً يلاحقه.. وهو يهطبها الآن ربعُ ربعُ درجه.
أبي لم يعرفني.. الناس التي التقته لم يعرفها.. وكأنه في عالم جديد.. ولكنه في الحقيقة في زمن جديد.. قلت له أن أمي ماتت.. قال بل قتلت.. قلت له وأنا أعمل في.. قال وأنت قُتلت.. وأردف يقول" وأنا قتلت.. ولكن يكفي أن عمان هي التي تولد..
أضاف التغيير هنا خارج الكوت مشاعر وانفعالات ربما لا تستطيعون أن تلمسوا الفرق.. لأنكم مسكونون بالعاطفة.. ولكننا نحن في الكوت لمسناه من أول لحظة.. من السجّان الذي تحول إلى سجين.. من ارتعاشه حجارة الزنازين.. من الأقفال تتكسر.. من المساجين يؤمرون أن يكفوا قيودهم بأنفسهم.. من خفقان العلم.. ومن انكسار الأمواج على الشواطئ.. من الأيدي تحملني لاستطيع ان اهبط بسلام ذلك السلم الطويل.. من كأس الماء النظيف البارد الذي نشربه.. ومن رغيف الخبز وصحن المرق.. ومن خشوع المصلين.. ومن روح الأسرة الواحدة بين مساجين التقوا عند شواطئ أزمات ومواقف متباينة.
وبعد هنيهة جاء من يسلم التفق لوالدي.. لم ينظر إليه باشمئزاز كما نظرت أنا.. بسببه فقدت أمي، وابتعدوا بي وتشردت ولكن أبي قبّله.. فالتفق كروحه.. قال لمن سلمه: اعطني المحزم.. وإذا بأبي يطلق الواحدة تلو الأخرى.. ليقضي على المحزم بكامله.. أنها اجمل الرصاصات تفصل بين زمنين.. وعند آخر رصاصة.. طلب أبي كوب ماء.. وطبع قبلة على البندقية وتحسس حرارة المأسورة التي تحملت رصاصات محزم بكامله.. ناولني البندقية.. وقبل ان يشرب كأسه.. كانت روحه المطمئنة سافرت لتشرب من حوض خالد..
ولتبتهل هناك بصلاة الخاشع.. وتبتل الصادق.
حملت بندقية أبي إلى قريتي.. علقتها على وتد الزمان.. ونمت.. فهنا في قريتي الصغيرة تولد بندراً جديدة.. فيها كل شيء.. الهاتف والثلاجة.. وآخر موديلات السيارات.. وهنا أرتدي نفس كمة المطرحي.. واتغدى بطبق من السمك الطازج مثله
اضاءات
المنجور: من وسائل الحصول على الماء قديما من الآبار.
الغلان: مكان قريب من مشارف مسقط.
المعوشري: لقب الرجل الواقف على البوابة للحصول على عشر الأشياء المحمولة للدخول بها عبر البوابة.
مسكد: اسم العاصفة قديما.
طومس: طبيب اشتهر في مطرح كان يعالج المرضى بعيدا عن الوسائل القديمة في العلاج.
الكوت: القلعة حيث تستخدم كسجن.
التفق: البندقية.
عقعق: طائر موسمي زاهي الألوان.
اللولوة والشجيعية: من حارات مطرح.
المحزم: الحزام الذي يحمل الرصاصات ويربط في وسط الرجل.
خور بمبه: مكان قريب من البحر في مطرح.