المسحورة

الرئيسية

المدى يتلألأ في ناظريها بؤساً وجنوناً، بعشرها الغجري الأغبر تعبر طرقات القرية التي لا تنام إلا على دقات طبول السحرة.. ليس لك أن تسال أحدهم عن أي موت يعيش فيها.. كما ليس من حقك أن تسأل الرصاصة لماذا سكنت جسد ضحيتها.. شهادة وفاتك ليست دليلاً على انك تنام تحت كومة من التراب، أي صراخ هذا الذي تسمعه القرية اللعينة وأي نشيج يجعل الآذان تغمض عينيها خوفا ورهبة؟!

إنه صوت مريم.. هذا بكاؤها.

مريم ماتت.. رأيت جنازتها منذ خمس سنوات.

"مسحورة" هكذا قال جدي، رفضته زوجاً.. سحرها.. ثم تزوجها.

"أخرسي أيتها البائسة، لا تبحلقي في وجهي هكذا..

ها أنت الآن كورقة بين أصابعي.. السحر أو الرفض.. من يستطيع الآن أن يتغال عذريتك غيري".

في ذلك اليوم تعالت أصوات النائحات لا تعينه. قطنة واحدة ثانية، عاشرة والجسد يتقلب بين أصابع المغسّلين.

موت مريم لغز أيها الباكون.

انه موت البلابل.

لا جرح.. لا قطرة دم.

والمغسّلة تتابع عملها في جسد أمامها.. لا دمعة في عينيها.. والباقون غائبون في متاهات العويل والصراخ في موكب رحيل الروح.

ذلك الصوت يترنح قليلاً قليلاً كأنه يسقط في بئر.

"نعم.. الصحراء موحشة لمن لم يدمن النوم في حضنها.. غداً تعرفينها وتكتشفين أيتها الحمقاء أنها عجوز هرمة تخاف من الليل وتضاجع وحدتها حتى الفجر، لا تقتربي من القرية فشهادة وفاتك وقعها الصغير قبل الكبير..

كل الرجال يبكون لأجل جسدك الغض الذي سيذهب هباء لديدان التراب كما يعتقدون".

أذكروا الله!!

لا إله إلا الله.

يحمل القوم النعش تتبعهم النساء بأصواتهن في طابور طويل من العويل.. يتهادى النعش على أكتاف المشيعين، تبدو المقبرة من بعيد كشبح كالح يعني النهاية، يهبط النعش على حافة القبر.

من يصدق أن يموت كل هذا الكبرياء وأن يسقط كل هذا الشموخ؟!

إنها قدرة الله. إنه الأجل.. انه

ويضيع صوته أمام مشهد القبر فاتحاً فاه ينتظر اللقمة الآدمية.. يبحث في الوجوه التي عفرها التراب عن موعد ينهي جري الإنسان إلى اللاشيء.

"اعرف انك تائهة لا تصدقي أن ذلك القبر سيحتويك، قبرك ليس بين التراب أيتها العذراء.. الرجال الذين نجلبهم قبورهم في بطوننا أما أنتن أيتها الفاتنات فما أحلى الاستمتاع بلحومكن الغضة.. هل تريدين تذوق لحماً آدميا؟! عندما تجوعين بالتأكيد ستأكلين منه".

يطلق رجل "مسحاته" على حواف القبر يتحسس جوانبه والآخرون يقرأون سورة الفاتحة ويطلقون ألف حسرة وألف وألف دمعة على فقيدة القرية.

* * *

 

القرية تنام على جراحها وساحر القرية يأكل من تلك الجراح.. كان سالم في ضاحيته عندما مرّ الساحر راكباً ضبعته ورأسه ينظر إلى الوراء.. القرية تروي حكايا البؤس والجدات يحدثن أحفادهن عن "المغيّب" الذي باعه أبوه في سوق بهلا. وعن "نقصة بهلا" المشهورة.. تقول الجدة بلأن من يقف متكئا عليها سيباع بمزاد علني دون أن يدري ثم يحمل ليذبح وليمة دسمة في مهرجان السحرة.

القرية أكلت من حكاياها حتى التخمة.. من يموت اليوم يراه الناس بعد أيام، مريم رأها الناس تسرق الطعام.

"جمالك هو الذي مات أيتها التعيسة.. جسدك ممل حتى التقيؤ وروعتك انتهت، ماذا أصنع الآن في جسد لا اشتهيه وعظام لا تحمل أي لحم؟؟؟".

تنظر إليه بعينين لا مكان فيهما لشيء، تزيح شعرها الذي امتلأ تراباً وأمراضاً حتى تستطيع رؤية ما حولها.. يمر الرعاة فلا يرونها ولا تستطيع أن تفتح فمها حتى بصرخة.. لا عقل لها، لا لسان، أخذهما الساحر وذهب إلى سوق "المغيبين".

* * *

كانت مريم تحلم بالحصان الأبيض وبثوب العرس الأبيض.. مريم أحلامها بيضاء كوجهها.. عيناها اللتان تزحفان بخجل إلى قوامها الناضج.. تعبث بأظافرها في شعرها الليلكي الجميل تفتش في خفايا سواده عن بياض أيامها، وجه في طفلة تعيش ربيعها العشرين.

"من يراك الآن سيقتلع عينيه عقابا لهما، جسدك الأغبر كأنه قادم من أرصفة التاريخ القذرة ورائحتك التي تشبه إلى حد كبير رائحة امرأة سمينة لم تستحم منذ شهر، الشمس لم تبق لم أفكر في الأمر جيدا كيف؟ž كيف لو رحلت إلى قرية أخرى بعيدة بعيدة وبنيت لك بيتاً هل كان هذا الحسن سيضيع؟ž آه.. أيتها المخلوقة التعسة لا يرجع لك عقلك ألاّ بعد أن أموت".

الساحر يرغي غضباً والمسحور لا يفقه شيئاً.. لا يتحرك منه شيء سوى عينيه.

بعد مائة عام مات الجميع وبقيت مريم تعبث بعقول الجدات.. مريم شراع كبير سقط في ليلة دافئة.

* * *

تلك القرية القديمة نسيت حكاياتها وفي ليلها الساكن تحرك وقع خطوات تبدو متعثرة.. صرخ ذلك الرجل وعانق غيبوبته.. الخطوات تقترب من بيت طيني قديم الملامح.. يفتش الشيح بين الجدران الصامتة عن بقايا حكاية وعن بقايا دموع حفظتها الأطلال.. كل من في القرية ودعوا أحلام المنام وجاءوا يحوقلون ويبسملون.. الشبح ينظر إليهم يتفحصهم.

-……………………………

أنا.. أنا مريم وهذا بيتنا، أراه تغير

……………………………………

خيوط عنكبوتية غزلت حول جمجمتي فلا أعي أين كنت ولماذا؟

أنها مجنونة.. وجهها، شعرها، ملابسها.. أحضروا لها طعاماً ربما تكون جائعة.

كل الأطفال تزاحموا لرؤية مريم، ومريم لا ترى شيئاً سوى غطاء ضبابي يغلف المكان، خاف الأطفال ثم ضحكوا وأخذوا يضربون مريم بالحجارة وفي الليل تجلس مريم وجدران البيت المتهدم والظلام يحوم حول البيت حارساً لها.

يتحدث الناس عن البيت المهجور.. ومريم التي ماتت واقفة دون دمعة عين، وعن قبرها الذي امتلأ نقوداً وهدايا.. بعد موتها الثاني أصبحت مريم قدّيسة

b_home.gif (4784 bytes)

1