ما رأيك لو وضعت رأسك على الأرض ورفعت رجليك إلى السماء.
حينها.. ربما سأرى العالم مقلوبا، الشمس اسفل قدمي، وجميع الوجوه ستبدو مرتفعة تناطح النجوم.
يا لك من ثرثار.. لسانك هو عقلك وليذهب بقية جسدك إلى الجحيم.
اخرج من كابوس البارحة لأتذكر صفعة الشرطي وعضة الكلب المتوحش وأحاول أن أنصب جسدي لأنفض عنه بقايا كوابيس الليلة المنصرمة، لا أستطيع.. أحاول، أعجز.. بقايا ألم في ساقي، أتحسس بيدي كأني أريد أن أعتقل ذلك الألم، ما هذا؟.. دم، المرآة لا تكذب.. حفرتان في مكان العينين، لا أنف لي.. لا أسنان.. لا فم.. لقد نسيت أنني جعت البارحة فبعت كل أشيائي عندما أغمضت عيني لأنام في ذلك المساء.* * *
الطبول تقرع رأسي بحركاتها الصاخبة، والجميع يرقصون، ينشدون، وفجأة يتوقف كل ذلك الضجيج ليبدأ رأسي بتحمل أحذيتهم الثقيلة.. أبصق في الحاضرين وأترك لهم رأسي وأحاول أن أهرب..
خذ رأسك أيها الغبي وحافظ عليه فربما لا نجد – في يوم – رأسا يشبه هذه الصخرة التي تحملها رقبتك. أعدت رأسي إلى مكانه وهربت إلى الظلمة احتمي بها لم أر شيئا، حركت رجلي على غير هدى.. "مسرح".. هكذا رأيت الدنيا واليافطة التي أمامي. قهقهات كأنها الرعد، نسيج من الخوف والترقب يغزل المكان، وحش يتسلل إلى الخشبة يعانق المهرجين ويتركهم لا شيء.. يضحكون وتتعالى صرخات الفرح بين المتفرجين، تعقد الدهشة جميع أجزائي.. تلك المرأة العجوز تلقي ببقايا أسنانها إلى خشبة المسرح وتصمت.. حسناء أخرى تعانق الفراغ الذي أمامها. سيجارة.. أخرى.. عاشرة، امتلأ المسرح دخانا واعقاب سجائر وعيناي مصوبتان إلى تلك الحسناء.. أنها تحتفظ بأسنانها تبدو لآلئ عندما تضحك.. اقتربت من ذلك الفراغ الذي أمامها.. السيجارة في فمي ورأسي يقرأ سر هذا العالم في عينيها اللتين بلون النار، حماراوتان تستحيلان أحيانا إلى بقعة فحم، يخرج البطل يعانق عشيقته فيبكي الجميع.. الدمع للورود والابتسامة للأشواك، أي رعب هذا الذي يتفجر في عيني الحسناء.. أردت أن أطلق ما أراه وأمضي.. البطل لا يزال يقبل حبيبته فأمسكت الحسناء وأهديتها قبلة.. لم يكن الشرطي وحده الذي قبّل وجهي بصفعة ذلك المساء بل كانت تشاركه يد الحسناء.* * *
القرية تغفو ويبقى موتاها يعبثون بخيوط الضياء.. يضحك القمر منهم ويتوارى.. في ذلك اليوم نَمَتْ على رأسي شجرة ضخمة، امتدت عروقها إلى قلبي وشربت من غديره حتى الثمالة، سكرت الشجرة وسقطت مقتلعة كل ما تعلق بتلك الجذور.
الرجل.. أيضا احترق ونبت في جسده فحم ومأساة، قال في أيامه الأخيرة أن الأرض جسر رماد.. لم أصدقه، آويته إلى مقعد السيارة وجلس يعد ما بقي له على ساعات الرحيل.
سقط رأسه على كتفي، وتمتم بأشياء غير مفهومة، لم أنطق.. بادرني بالسؤال: هل وصلنا إلى النهاية؟!!
أردت أن أتكلم.. ماتت الكلمات في حلقي فخنقتني.. كلنا نعيش، كلنا نموت.. علينا أن ننتظر.
أصابعه تتدلى متمسكة بباطن الكف، الجلد المتفحم يتساقط أسود على مقعد السيارة.. أحاول أن أخاف.، لم استطع، كيف الخوف يصنع؟!! نسيت كيف أخاف ونظرت إلى وجه الرجل، أي جسد هذا الذي لا يتألم وجسدي يصرخ بألف ألف ألم.. انطق.. لسانك لم تطله النار.. رائحتك أشبعتني حتى الغثيان، وكتلة اللحم المشوية تسخر بجانبي من غرور هذا العالم.
في يومي الذي لم تبق منه سوى رائحة الموت تعتق انفي وصديد الذكرى يملؤني كوابيس ورعبا، نامت قريتي كطفلة احتضنت كراستها وعلبة ألوانها واصلحت من جديلتها وجلست تخربش بريشتها في وجه الليل، نامت قريتي تحلم بالصحو وعندما أدركها ما تحلم به تمددت كغجرية تنتظر عاشقها يأتيها من سقف السماء كطائر أو كنجم.. أكلني الخوف من أن تلتقي أهداب عيني لأتمزق بكابوس ثقيل.. صوت الشرطي يأتيني بالأمر أن أقف على رأسي كي ارى وجهه عاليا.. عاليا، العن الفضاء الذي يتمدد كثعبان أمامي فأغمض عيني خوفاً من آخره..
من أين طلعت أيها السيد المطاع؟من ذاكرتك المشحونة بالقلق، المتوجسة بؤسا.
لا تأمرني أن اقف على رأسي.. بدون ذلك بإمكاني أن أرى العالم مقلوبا، وجودك.. هو الكابوس أم الحقيقة.. من أنت.. من أنت؟ذاتك.
والحسناء التي قبلتها وعيناها المشتعلتان جمراً.
تلك ذاتك.
يتوارى ذلك الرجل الذي أذكر جيداً أنه مات ذات صباح، فاصرخ فيه أن يحمل معه رائحة جسده.. يبدو المكان قلعة كبرى مليئة بالأسوار والغموض.
اختفى الرجل والشرطي والحسناء.. وبقيت أعدُّ أعقاب سجائري وأتمنى لو أستطيع ركوب موجة الدخان التي تخرج أمام وجهي.. رائحة التبغ تطغي على رائحة الرجل، تأخذني اللذة بالنجاح.. انتهت السيجارة.
واحترقت
شفتاي !!