أشرعة الموت تتهادى كقارب عتيق وسط أمواج بحر غاضب، والسماء شراع أسود عملاق يمتد عبر الأفق في مسافات لا نهائية من السواد القاتم، كل شيء يوميء بأنه موت يتربص بالأجساد البشرية الراكضة المبلولة بالمطر.. لكنه ينتظر اللحظة المناسبة لينعتق من شرنقته الجافة منطلقاً يحصد الأرواح التي ماتت ألف مرّة قبل أن يصل ذلك الوحش الذي يدعى موتاً.. السماء لا تزال تقذف أشياءها على وجه الأرض.. مطراً ورعداً وبرقاً.. نسمات الهواء الموغلة في البرودة تصفع الوجوه العارية بقوة هائلة تذرها تدمع.. الأصابع المرتجفة تتسلل تلتصق ببعضها البعض في صرعات عصبية متوترة، الأهداب المبللة بالدموع والمطر تتحرك بثقل واضح يحمل ألف معنى لنظرات متكسرة على أبواب الأمل الذي يبقى برجاً عاجياً يمتناه الضعفاء سكناً وسط مئات المخاوف التي لا تنتهي.. بقي الصمت الشيء الوحيد الذي يصرخ من بين الأجساد المتناثرة حزناً وجوعاً على أرض المخيم..
هل حصلت على رغيف.ليته يبقى الأمنية الوحيدة.
وماذا بعد ذلك؟!
الحرية.
الأجساد تتدافع محاولة طرد بعضها البعض للوصول إلى الرغيف.. جسدها الهزيل لا يتيح لها المغامرة في الثبات فيضيع جسدها وسط تلك الأكوام البشرية التي تجاهد من أجل الأرض، والرغيف للبقاء من أجل الأرض.. صراخ طفلها اليتيم يرنّ بقوة داخل أذنها فتهز رأسها هرباً من ذلك الصراخ المتكسر طمعا في لقمة طعام.الأجساد تتصارع.. رائحة الخبز تصل إلى أنوف الجياع كالمخدر اللطيف.. تتصادم الأجساد أكثر فأكثر.. مشادة كلامية بين اثنين يدّعيان الأحقية في ذلك، يقف ذلك الرجل المتصلب بقامته المشدودة دون أن يصل إلى سمعه بكاء أم تبحث عن أسمها في قائمة اللاجئين، وعن اسم ولدها الوحيد في قائمة اليتامى.
-… وولدي!!- إسمه ليس مدوّناً هنا.
وهل يموت جوعاً لأن اسمه ليس مكتوباً.الأسماء هنا حسب الحروف الأبجدية.. لا تهتمي بالأمر، غداً سنراجع الأسماء.
الجوع لا ينتظر والموت أكثر استعجالاً، أعطني رغيفاً ولتذهب الأبجدية إلى الجحيم إذا كان بسببها سيموت ولدي.
انصرفي.. لا تضيعي وقت غيرك، آباؤهم يهاجرون طلباً للراحة وتبقين معشر النساء هماً علينا ولنا بعقولكن الصغيرة.
انسحبت تجر جسدها لتخفيه بين الأجساد الأخرى الزاحفة من أجل الوصول.. السير في الاتجاه المعاكس مخاطرة كبرى يلفّها الموت المشبّع برائحة المطر، والأبجدية تتلوى لتمنع رغيف خبز عن طفل يحلم بالطفولة السعيدة فأصبح يحلم برغيف خبز يبقيه على سطح الأرض دون باطنها.. مجرد حروف تتشكل تكوّن اسماً له الحق في الطعام والحياة.. إذن هي الحروف تنغرس في الجسد الجائع تمنع عنه بقية ما يعينه على البقاء.أخرجت جسدها من التكدس البشري، تنفست الصعداء مخرجة بزفرتها حقداً وحزناً.. المطر لا يزال يغسل الوجوه المتعوّدة على اعتناق الدموع في لوحة يومية معبرة رسمتها يد المأساة لتوزعها على الناس بالمجان دون توقف في طوابير بشرية ودون الحاجة إلى "الاسم ليس مدونا هنا".
المأساة وحدها لا تنتظر وصول ذلك القابع خلف شريط بشري طويل لكنها تلتصق في لحظة ميلاد واحدة.. ثمة مآس أخرى تنتظر تلك الجموع الزاحفة بحثاً عن الحرية ورغيف الخبز.. هذا اليوم الأسود يظلل الوجوه رغم القتامة التي تحملها ورغم خرائط الحزن التي تشكلت على الوجوه التعسة.
خطوة واحدة للأمام ودمعة أخرى تلحق سابقتها لكنها هذه المرة لم تختلط بقطرات المطر التي توقف بل بقيت كزهرة بنفسج تحكي جوهر المأساة.. كحبة لؤلؤ تعكس ضوء البرق الخاطف الذي يزيد في القلوب احتراقها.. الرعد لا يزال يواصل هديره رغم انقطاع المطر، يصل إلى الآذان التي أدمنت سماع هذه الأصوات.. رعداً، مدفعاً، البرق المثير للترقب.. ألعاباً نارية يتسلى برؤيتها الصغار والجائعون.
"اسمه ليس مدونا هنا".. الموت إذن لكل من لا تحمل دفاترهم أسمه ولكل من لا تحب حروف الأبجدية الرقص والتشكل على هيئة اسمه.. أنها المأساة التي تريد ان تجعل من قلوبنا دفاتر للأحزان ولوحات للمآسي ومناديل للدموع.. "غداً سنراجع الأسماء".. عسى للجوع أن يقتنع بتلك الفكرة، ربما يبقى ولدي للغد حتى تعيد الأبجدية ترتيب أوضاعها في اسم ولدي.. "آباؤهم يهاجرون".. حاولت طرد هذه الكلمات التي كان لها صوت أعلى من الرعد وطلقات المدافع.. زادت من خطواتها في محاولة للهروب من عبارتها تلك.. رأت تلك الكلمات وحوشاً جائعة تتبعها وعليها أن تحث الخطى.. "آباؤهم يهاجرون".. نعم إلى الموت، الخطوات تتلاحق كأمواج في مهب عاصفة عنيفة تحاول اقتلاعها، ولدها يجلس بن حافّتين للنهاية.. الجوع والبرد.. رغيف واحد لا يكفي لإشباع بطنين.. جنود ببنادقهم يجوبون الشوارع هنا وهناك اصطياداً للحرية، خفضت بصرها كي لا تراهم، ستبصق في وجوههم إذا ما رأتهم.. وولدها ينتظر هذا المكور في يدها.
قفي.. إلى أين؟إلى المخيم، الذي أمامكم.
ومن أين جئت؟ ألم تعرفي أن الخروج في هذا الجو المريب شبهة.
جئت من حيث يوزعون الطعام.. انظر.. رغيف واحد فقط.. لم أحصل على غيره، ولدي ينتظر.
أعطني ذلك الرغيف.
أنه لولدي.. أنا.. أنا.. أنا لا أريده لنفسي، أنه لولدي.. أرجوك دعني اذهب إليه بسرعة، سيموت جوعاً إنْ أنا تأخرت.
سنحتفظ بالرغيف ليفحصه خبير المتفجرات، ربما كان محشواً بأشياء خطرة.
عندما نجد الرغيف فإننا سنأكله فأفواهنا لا تعرف شيئاً آخر غيره.
ناوليني الرغيف، ولتذهبي مع ولدك إلى الجحيم.
جذب الرغيف بقوة، انزلقت قدماها، سقطت في حفرة تجمعت بها المياه، تناولت بيدها حفنة من الطين، رمته في وجه حامل الرغيف، تخلص مما بيده ليمسح بها عينيه اللتين أعماهما الوحل.. تناولت الرغيف بسرعة، أطلقت ساقيها بحثاً عن ولد لها يضمه ملجأ حقير.. أصوات الجنود تلاحقها "قفي".. أنه الموت.. لا تلتفت كأنهم ينادون شخصاً آخر.. طلقات الرصاص تحوم حولها.. تشبثت برغيف الخبز المبتل لتواصل جريها.. شيء ساخن يغسل قدمها، هي لا تتوقف، أحست بخدر يشل حركة قدمها، دخلت المخيم، السائل الدموي القاني يخرج ليختلط بالوحل مبدداً لونه الأسود الداكن إلى لون قرمزي يحكي ارتباط الأرض بالدم.. تسقط أمام طفلها الذي أغمض عينيه على يدي صديقتها بالمخيم، توقف الجنود الملاحقون في نصف دائرة.. تكلمت صديقتها.لم أجد ما أطعمه به، قد نام بعد أن يئس.
هذا هو الرغيف.. أحس بألم فظيع، بنادقهم قد نالتني، ليس سمهماً ذلك، الموت أفضل، المهم أن يصل الرغيف إليه ليبقى ويأخذ بثأر الأرض، ثأر والده.. أعطيه الرغيف، لست قادرة على ذلك.
رفعت المرأة الطفل ليرمي رأسه الصغير إلى الوراء في حركة مخيفة.. عينا الأم تأخذان أقصى استدارة لهما، تفتح فمها في محاولة للتعبير عن لوحة جنائزية، تعجز عن ذلك، السائل القاني يخرج بصعوبة ملوناً كل المساحات التي يصلها.. الجسد الشاحب لا يزال فاغراً فاه محاولاً الوصول إلى كلمة تعبر كل جسور الخوف والحزن لتصل إلى كل الأرض.. أخيراً قد صرخت، ملأ الصدى أرجاء المخيم وآذان الجنود المتصلبين كأسماك متجمدة.. ولدي.. ولدي.. أفق فهذا هو الرغيف، قد أتى.. ولدي.. ولدي، قم، خذ بثأر الأرض.
تناولت ولدها، أخذته في حضنها النازفة جراحة دماء وقهراً، تصلب واضح يعلو شرايينها يعلن أن كل الدماء قد امتزجت بالأرض، وحتى عندما تحين ساعة الموت تبقى الأرض هي الحضن الدافئ.
هي، وولدها.. ورغيف الخبز بينهما، قصيدة عظمى كتبتها الأرض بالدم النازف من أجساد الأبرياء