الراعي

الرئيسية

معها يمضي كل صباح.. يجرّ أقدامه المثقلة بهموم عشرات الأعوام تاركاً القرية تسبح في مدنيّتها الجديدة، ولد راعياً، وتغيّر كل شيء حوله.. بقي هو يسوق أغنامه إلى مرعاها، ثغاؤها كان قيثارته وموسيقاه، يرى معها وجوده في ماضيه المتأصل وحاضره المتزاحم.. كان وحده هناك في تلك الرابية يضع الألواح على أكبر "سمرة" بها، ومن حوله تمرح الشياه في حريّة يحلم بها الآن.. كبرت القرية واتّسعت.. الراعي بكى عندما لم يجد سوى قطعة صغيرة من الأرض ينام فيها مع رفيقات عمره، لم يتزوج.. لم يحب امرأة في حياته.. "النساء يرغبن في كل شيء ومعهن يضيع كل شيء".. هذا هو رأيه، وهب عمره للشياه، ووحده المخلوق البشري الذي يملك عائلة من الأغنام والشياه، لم يعرف أحد اسمه، ولربّما نسي هو الآخر ذلك الاسم الوحيد الذي يسمعه في غدوّه ورواحه.. أنه الرجل الذي عرفته القرية بلا أم، وبلا أب، ودون اسم أيضا ولا عائلة ينتسب إليها.

* * *

"الجبال وحدها لم يصل إليها هذا الأسمنت الملعون" قال ذلك لشيخ القرية.. "تقدم بي العمر، والسنوات أحجار ثقيلة على ظهري.. لم أعد أستطيع الصعود إلى الجبال أو الجري، وراء شاة مشاغبة تركت القطيع مستقلة بطريقها".

لك راتب يكفيك فدعك منهن!!

ليس لي في الحياة سواهن فكيف أدعهن؟!! أو تستطيع أن تدع جزءاّ من ذاتك؟

في "الهبطة" القادمة بعهن وابن لك بيتاً.

هل أبيع عائلتي؟ هن أولادي.. وهل بالأمكان أن يبيع الإنسان ولده؟! أنتم لا تريدون أن تفهموني..

خرج كئيبا تحاصره القرية، عاد إلى شجرته المحاطة بجدار أسمنتي يلعنه كل يوم عشرات المرات.. جلس يغالب غشاء دمعيا حجب عن عينيه رؤية شياهه.. أنها بلا شك.. جائعة.

* * *

الراعي كان حديث الناس.. أي سرّ هذا الذي يخبئّه بين جنباته، الجيران اشتكوا من رائحة العفونة المنبعثة من خلف ذلك الحائط البائس تزكم الأنوف.. "أنا كنت في البدء.. هم زاحموني على هذه البقعة".. صرخات الناس تتعالى غاضبة.. دون جدوى.. إصرار غريب.. أنه يتمسك بها أكثر فأكثر.. "قاومت برد الشتاء القارس وحرارة الصيف التي تغلي الأرض تحت إقدامي.. عليّ مقاومة هؤلاء الغجر حتى النهاية".. كان كل ما فيه مختلفاً.. نعله التي لها آثار عجلة سيارة، ربطة رأسه، الجلود التي يربط بها خفّيه كأنه مصارع قديم نسيه الإغريق خارج أسوار طروادة.

* * *

بوجهه المغبر المحمول على رأس شاب شعره وبلحيّة كثّة خطها الشيب وتلبّدت بالعرق والغبار حتى غدت لوحة سريالية داستها عشرات الأقدام، رأته القرية ذات يوم يجرّ (عربانة) خضراء اللون يعبر بها الطرقات في خشوع لآثار الزمن، مشى لا يلوي على شيء.. أقدامه تتحرك ببطء تحاول ملاحقة جريان عربته الصغيرة، ظهره المقوّس وخطوط "الوسوم" التي تركها ذلك الطبيب القديم ظاهرة على مساحة كبيرة في جسده المتهالك كخريطة طبعها عالم آثار على جسد آدمي.. سخرت القرية منه وتهاوت النكات عليه من كل فم.. "اللعنة عليهم على سخرياتهم الهازئة، ذلك الأعرج أيضاً هزأوا منه عندما ارتدى ساقاً صناعية.. المسكين، غلبته السخرية فخلعها ورماها، عندما زرته يومين رأيت ساقه يقف الدجاج عليها".

إلى أين يتجه الراعي؟

إنه يستخدم التكنولوجيا الحديثة في الرعي.

نعم، تظل الشياه في المنزل ويذهب هو بالعربة المصنوعة في تايوان ليحضر لها طعامها من العلف.. بكل تأكيد إنه علف صناعي.

أنه الراعي على آخر موضة.. يا صديقي.

لم يأبه الراعي لأولئك العاطلين كما وصفهم.. "كانت الأغنام تبحث عن طعامها بنفسها، في رحلتي اليومية معها كانت تعجبني رؤيتها، انقضت السنوات واستمرّ تيّار الزمن يجرفني نحو البعيد، ما لها هذه القرية تقر عليّ السعادة؟! وكل شيء أمامها سهل، أنهم لم يعودوا في حاجة إلى أغنامي، تلك الجثث المعلّقة والمجلوبة من بلاد النصارى تكفيهم بأسعارها الرخيصة، تعساً لهم من أشقياء تهون عليهم صحتهم في سبيل توفير ريالات قليلة، ما اسخفهم حين يصدّقون أنها ذبحت على الطريقة الإسلامية.

* * *

في المساء عاد الراعي صامتاً من رحلته الرتيبة.. لقد كانت الشياه تمشي حوله في الماضي كحاشية وكأنه ملك يسير بينها يحمل تاجاً خرافياً وها هو ذا يعود في هذا المساء من المرعى وحيداً دون حاشية.. كأنه ملك مخلوع.. يرفع بيديه المجهدتين ذراعي العربة ليدفعها أمامه بمشقة.. تلكما اليدان المتشققتان من جزّ الحشائش.. ها هو يدخل إلى حاشيته الجائعة الثاغية.. هذا هو الملك يدخل قصره منكس الرأس، بثغائها التفت حوله.. هو يقاوم حتى لا يسقط إعياء، تبدو وكأنها تبكي غيبته الطويلة، الجوع وحّد بينها.. هي جائعة وهو أيضا جائع، ما يحضره ملكها في آخر اليوم لا يكفيها، ولا هو يحصل على قوت يومه، عددها أكبر من سنوات عمره.. الجوع يخنق أمعاءه.. "من أجلكن احتمل الجوع والعطش، المعذرة على التقصير، مرعاكن أصبح حارة تملؤها البيوت وبشر يتوالدون كالفئران، ودّ لو يقبّلهن واحدة واحدة.. بعضها لا يقوى على الوقوف.. ومن استطاعت قفزت إلى العربة تزاحم من أجل لقمة في آخر اليوم.. لكنها على كل حال تكفي إلى اليوم التالي.

* * *

بدأ بكاؤه نشيجاً.. بصوته الجهوري ملأ طرقات القرية وازقّتها، سمعه الناس في بيوتهم، وفي مسجد القرية خرج المصلون.. تجمع بشري اختلطت فيه النساء بالصبيان كأن أهل القرية على موعد أمام بيت الراعي، تجمعوا بفضول ليعرفوا ما يبكي الراعي.. لأنه لم يحب النساء تصوروا أن إحساسه قد مات.. أذن ما يبكيه هذه المرة.. المرة الأولى.

قال أحدهم: لدغته حيّة، فبيته مزبلة تتجمع فيها كل حشرات العالم.

رد عليه صوت نسائي متهدّج: جسده تخاف منه الحشرات لخشونته وعفونته.. الراعي يبكي، لا أحد يجرؤ على الدخول إلى مملكة الراعي خوفاً من لسانه.. تجرأ أحدهم ودخل.. الراعي يبكي وأمامه شاه جفّ ضرعها راقدة تنتفض احتضاراً، دخل الجميع، أصبح الحائط يحوي داخله بشراً وبهائم..

ما دمت غير قادر على توفير العلف لها فلماذا لا تبيعها أو تذبحها؟ž

قال أحدهم ذلك.. الراعي مستمر في بكائه لا يجيب.. لا يأبه لامتلاء (حوش) منزله بالمتطفلين.. أنفجر البركان.. صاح أحدهم: رائحتها أزكمت أنوفنا وهي نصف حيّة فكيف بها عندما تموت؟žžžžžžžžžžžžžžžžž.. زمجر آخر: اللعنة عليك وعليها.. بدأ الناس يخرجون وقد سدّوا أنوفهم تقززاžžžžžً.

 

في اليوم التالي.. بصمت خرج الراعي كعادته ينتظر شيئا ما في الأفق البعيد يراه وحده دون الآخرين، يغلق قلبه على شيء ما ويترك القرية تغرق في تساؤلاتها عنه، انهم لم يتعودوا على رؤيته، كان بعيداً عن بيوتهم، ها هو الآن وسطهم يتنفس مع أغنامه قلقاً وبداوة، أي إنسان هذا بينه والموت خطوات يجهد جسده في جمع حشائش لا تكفي القلة القليلة من أغنامه، بعضها مات جوعاً وأمراضاً، وبعضها ما زال يقاوم ليرى آخر الحكاية..

وحيداً ينام على حصير بال تظهر عليه مخلفات عائلة طواها التاريخ.. يخلط الحشائش بالروث ليطعم هياكل رعاياه، أحزمة الجلد تزداد على جسده، كلما أحسّ ألماً في مكان ما ربطه ليخنق الألم فيه، يلبس إزاراً مرقّعاً تتهاو الأيام والأشهر عليه دون تغيير، القرية تعوّدت أن تراه يفترش الأرض في أي مكان يعجزه التعب فيه عن مواصلة المسير، يطرق الأبواب في طريقه يستجدي قطرة ماء.

* * *

القرية عرفت التمدّن، وسافرت خطوط الهاتف إليها، هو يعيش في بدائيته العتيقة، وسط التحضّر ينفرد بوحدته في عالمه الخاص، ويمضي يسرد أحلامه بلا نهاية كشاب في العشرين من عمره، يفتح أجنحته لريح الأمل ناظراً للغيب يستطلع المجهول، ينظر الأطفال إليه بعيون متطلعة ويمضون.. يتهافت الموت على شياهه فلا يجد سوى عظام كساها الجلد والصوف، ونفس يتردد بين معدة خاوية وأمراض تعجّل بالنهاية، هو يتألم لكنه لا يريد بيع عائلته، كانت تلك فلسفته ويحمل خصوصيّتها بكل اعتزاز، لم يعرف الأنثى سوى أم ورأتها طفولة بائسة في زمن لا يذكره هو.. اعتزل الحياة والأنثى التي تشعل دنياها رغبة ونزقاً وعاطفة.

ارحم هذه الحيوانات، وكفاك جنونا؟!

ارحموني أنتم من نصائحكم، فالجنون أن اتركها لكم تتمتعون بها.

أذن اتركها للموت.

أفضل لها من أن تنالها امعاؤكم.. الموت مقدّر على الجميع وليس على أغنامي فقط.

إلا أنت.. فقد تأخّر أجلك أيها الأحمق.

غرقت القرية في كسلها الجديد، وأدمنت رؤية الراعي.. كلها أمل في يوم تشيّع جنازته لتحمله الأعناق مكرهة للمرة الأولى.. وللمرة الأخيرة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

* سمرة: شجرة صحراوية كثيرة الشوك تنبت بكثرة في عُمان وتنقّى أوراقها من الشوك لتقدّم طعاماً للحيوانات.

* الهبطة: سوق موسمي تشتهر به عُمان.

  1. عربانة: عربة صغيرة بعجلة واحدة.

  2. الوسوم: جمع كلمة وسم وهي الكي بالنار طلباً للشفاء وتعتبر أحد أنواع الطب الشعبي

b_home.gif (4784 bytes)

1