ما بين اللحظة واللحظة قطار لا نهائي من الانتظار على أرصفة التسول الزمني.. ثمة أفكار تغزو رأسه فتذيب آخر ما تبقى له من هدوء.. الأفكار تتصاعد من رأسه كأبخرة ساخنة اتبعها الجلوس على مقاهي جمجمته النازفة دماء الملل.. رائحة الرطوبة تنساب من بين الجدران والأزقة لتصل إلى أنفه ليتسلل ماض عميق من بين الزوايا إلى ذاكرة حبلى بمئات التساؤلات.. تململ على الكرسي الذي يحتضنه في أحد المقاهي، صوت الجرسون يأتيه معلنا له عن ما يقدمه للزبائن.. أشاح بوجهه عن رؤية الجرسون مدارياً قلقه وحيرته، القى بقبضة يده على الطاولة بعنف كأنه ينتقم منها، أشعل سيجارته دون أن يمر بصره إلى وجه الجرسون، بصره كان معلقاً يرقب منظر الحلقات الدخانية المنبعثة من انفه وفمه وسيجارته.. الحلقات المفرغة قد تكون أحياناً مجرد دخان يذهب مع الريح وفي احايين كثيرة تكون سلاسل حديدية تجثم فيها الذات الإنسانية تقودها إلى حيث لا تعرف مصيراً لها سوى المجهول.. وما زال الجرسون منتصبا أمامه كعمود كهرباء.
طلباتك؟
أريد أن اعرف..!!
أننا لا نقدم معرفة، ما نقدمه هو للبطن وليس للعقل.. أننا نقدم الشاي والقهوة.د
أجال بصره في الوجوه المبعثرة على طاولات المقهى، لا أحد يهتم، ذلك الرجل السمين كعادته دائماً إما أن يأكل أو يثرثر.. وعجوزان آخران يحتلان ركناً آخر في زاوية من المقهى يقتلان الوقت يلعب الكوتشينه أو التحدث عن ذكريات بالية.
الشاي
شكراً
رمق كوب الشاي بنظرة عابرة، شيء أسود يعلو فنجان الشاي، نادى الجرسون دون أن يتأكد من حقيقة ذلك الشيء.
ما هذا؟!
ذبابة؟! ما الغريب في هذا؟!!
وانطلقت صفقة من يده وضحكة عالية أعادت الوقار والجدية إلى وجه الجرسون الذي وقف صامتاً ينتظر انتهاء فاصل طويل من الضحك ثم فتح فمه.
آسف جداً.. لم تخبرني بأنك لا تحب الشاي بالذباب، لا بأس هناك أنواع أخرى إذا كنت ترغب في آخر.
لا.. لا.. شكراً.
نهض من الكرسي يجر قدميه بخطى وئيدة كأنه عاجز عن حمل نفسه أيضا.. عاجز عن معرفة نفسه.. عاجز عن الوصول إلى معرفة ماهية الأشياء التي تحيط به.
شاغل نفسه بقراءة الإعلانات المعلقة على جانبي الشارع.. "آه.. ما أجمل الخطوط التي كتبت بها وما أحلى العبارات التي تعلن عن الأصناف المباعة" قال ذلك وهو يتأمل بروازا للوحة معدنية كبيرة.. شغله مظهرها عن التمعن في قراءتها.. مد بصره إلى تلك الحروف الكبيرة المكونة أسم المحل.. "محلات الحرية للإبادة البشرية".. قرأ أسفلها "خبراء متخصصون في تصنيع أرقى المبيدات لقتل الإنسان.." أصبح الإنسان سلعة رخيصة تتداولها الأرصفة والمحلات التجارية، شيء غير مرغوب في بقائه.. شق طريقه وسط المئات من الدعايات المختلفة.. تصرخ فيه.. تبصق في وجهه.. تصادره كأي بضاعة أخرى.. يأخذ الشارع الآخر ملجأ له.. يمشي حاملاً معه كرامته الآدمية المذبوحة وكبرياءه النازف جراحاً وقهراً.. يقرأ أسم الشارع الآخر "شارع 31 فبراير".. تعود إلى ذاكرته بقايا من ذكريات مدرسية.. شهر فبراير لا تزيد أيامه عن تسعة وعشرين يوماً، فلتسقط حسابات الأيام من ذاكرتنا المهترئة بجراح السنين.. عشرات من الجموع تتخذ الرصيف فراشاً بينما عشرات أخرى من الرؤوس تطل من ثقوب ذهبية تحملها نوافذ مغلقة على منظر تلك الجموع.. تأخذهم الحمية القرشية والنخوة العربية فيلقون إلى عشرات الأفواه الجائعة لعباً وكراسات كتابة.. يهرب من ذلك التناقض إلى شارع آخر يقرأ على جانبيه لافتة مكتوب عليها "حديقة السلام – 200م" حمل ذاته المنهكة إلى الحديقة الحلم.. رأى فيها رأى أشخاصاً بأجسامهم الممتلئة يقتسمون مبلغا من المال فتنطلق ضحكاتهم وصرخاتهم لتختلط مع أنين الأجساد الدامية وصرخات المتحاربين.. هناك في زاوية أخرى وقف رجل عجوز بقامته النحيلة يبكي بحرقة كأنه يبكي عزيزاً عليه.. لاحظ تلك الدموع التي تعبر مجاري وجهه كأنها تسلك طرقاً تعودت عليها.. تقدم منه.
لماذا لا تشاركهم وتكتفي بالبكاء؟
هم يا ولدي.. هم يتقاتلون وأنا الصحية الكبرى.. يدعون أنهم يذبحون بعضهم البعض من أجلي.. انهم يجهلون ما أريد منهم.. أريد أن يتفقوا.. لقد اختلفوا على من له الحق في حملي من بين هذا الدمار والجو المرعب.
تقدم إليه ستة من المقاتلين.. وجوه قميئة تحمل في قسماتها الحقد والأنانية المدمرة.
قال أحدهم مستنكراً: عليك أن تريحنا من وجهك قبل أن………
لم يسمع بقية العبارة، انطلق بأقصى ما تمكنه ساقاه من الجري…… اصطدم بامرأة عارية.. "آسف".. قالها وهو يواصل انطلاقته……… متسول يعترض طريقه بملابسه الرثة البالية.
ماذا تريد؟ أنا لا أملك شيئاً؟
أنا جائع.. أعطني مسدساً
أزاح المتسول من طريقه وبدأ الركض مرة أخرى.. كلاب تتبعه بنباحها المتواصل لا يدري من أين خرجت والضباب بدأ يخفي الرؤية شيئاً فشيئاً.. تعترضه جماعة مسلحة فيقف مرغماً.
ما هويتك؟
انسان!!
أقصد إلى من تنتمي؟
ما موطنك؟
الأرض
تباً لك ومن إجاباتك.. ولكن لماذا تلهث؟
متعب بذاتي
ينفلت من بينهم راكضاً والكلاب ما زالت وراءه.. يركض.. والكلاب تركض أكثر.. يركض والكلاب تتعلق بملابسه.. تلقيه أرضاً.. يحاول النهوض جاهداً.. وبعد محاولات ينهض.. كلب منها ينهش ذراعه، تتركه بقية الكلاب تحتفل بوليمتها المتواضعة.. يواصل الجري.. تعترضه عصابة أخرى.
ماذا في يدك؟
ساعة
يا لك من أحمق.. أما زلت ترتكب حماقة حساب الوقت في عالم لا يعترف بالوقت بل يذبحه دون إحساس بذنب
يتناول أحدهم يده التي تحمل الساعة فيقطعها، يلقيها لكلب جائع.. يأكل الكلب الساعة ويترك المعصم.. يواصل الجري مرة أخرى بطريقة غريبة، لا يملك يدين.. والضباب يكاد يحجب الرؤية.. شخص قريب منه يراه يمشي وسط شيء لامع يجهله فيتساقط لحمه ثم يهوي.. النار تمتد إلى رجل هناك فتبدأ بحرقه وهو لا يهتم إلا بما أمامه من أوراق نقدية.. جسد آدمي معلق على واجهة مجزرة يسلخ كأنه شاه.. يواصل الجري.. شاب هناك يمسك طبشوراً يكتب عبارة، مجرم يرديه قتيلاً، على جدار آخر يقف طفلاً ماسكاُ قلماً يرسم خريطة على جدار مليء بالكتابات.. وما زال يجري، تعب من اللهاث، سقط.. الضباب بدأ يعم المكان وصرخات هستيرية تتوالى على سمعه.. أصوات أقدام تقترب منه ولا يزال ملقى على الأرض.. يحاول أن يصرخ حتى لا تدوسه الأرجل القادمة فينحبس الصوت في داخله.. يجف السائل الساخن عن الجريان من مكان اليدين المبتورتين.. الأرجل قادمة.. يحاول الزحف بما تبقى له من رجلين، لا تقويان على تحريك جسده.. مرهقتان هما من الجري هرباً، الأرجل تقترب.. تدوسه أول قدم منها، يتألم.. تدوسه قدم أخرى.. يحاول الصراخ دون جدوى.. "حتى الصراخ أصبح سلعة غير مرخص بتداولها".. ما زال يحاول لكي يصرخ.. صرخة واحدة تكفي.. لماذا هذا التمنع من صوت يطلقه عالياً فوق الضجيج والضوضاء تنسج خيوطها على كل ذرة من جسده.. يحاول.. محاولة أخرى غير مجدية.. ما زال يحاول.
أخيراً انسلت من حنجرته صرخة أوقفت زحف الجموع على جسده المتهالك.. انقشع الضباب فجأة ورأى المئات من العيون البشرية تخترق جسده بسهام نظراتها الحقيرة.. خاطبه أحدهم:
أين يداك أيها المسكين؟
مسحتهما أقداري من خارطة جسدي
هل بعتهما أيها المجنون؟! بلا شك كان السعر غالياً
نعم إن الثمن كان غالياً.. غالياً أكثر مما تتصورون
ورغم هذا لم تمت؟!
أقداري أصرت على تعذيبي.. ما أصعب أن تحلم بشيئين متباينين ولا تحصل على أحدهما.. ما أصعب أن تحلم بالحياة فلا تنالها.. وتحلم بالموت فيكون أصعب الأمنيات.. أعطوني أحدهما إذا استطعتم.. أرجوكم.. أرجوكم.. أرجوكـ..
وتضيع كلماته في تواصل زحف الجموع التي تبدأ بمواصلة طريقها.. فجأة تتوقف تلك الجموع لتتناحر.. يصرخ فيهم "توقفوا عن ذلك".. "توقفوا".. الدماء تسيل والقتل مستمر.. "توقفوا".. "توقفوا".. نهر من الدماء يزيد رويداً رويداً.. "توقفوا".. السائل الأحمر يصل إلى حيث يرتمي.. "توقفوا" والدماء تصل إلى أذنه.. "توقفوا" والدماء تغطي وجهه.. "توقفـ..".. يغرغر بالدم فلا يقوى على النهوض ولا على إتمام كلمته.. النهر الدموي يغرقه.. يتلاشى في مساحات حمراء أرجوانية حاملة في تيارها لافتات إعلانات وأشجار زيتون خضراء.. وشخصا من بني البشر