بين المشرقين والمغربين

          محمد الحارثي

مدار الصورة

أعرف أننا لم نصبح أصدقاء بعد.

لكنكِ في لقاءاتنا المتباعدة.. وبعد كل الفوضى التي

تتركين على الوسائد والشرشف البنفسجي، على الخبز والماء،

تفصحين لي عن رغبتك العارمة في صُور يلتقطها لك

فوتوغرافي مُحترف، لا تظهر شيئا البتة، وتُظهر كل شئ

عارياً من أي شئ:

Blanc et Noir

Black & White

صُوَر بالأبيض والأسود، لأن العالم في عينيكِ، هكذا،

خالٍ من الألوان.

هكذا تريدين أن تكون الوردة والقامةُ كالحبر والورقة

(أنتِ المعجبةُ المهووسة، منذ الصغر، بالنظارات الطبية)

التي أفسدت عينيكِ فيما بعد، واضطررتِ لاستخدامها،

متخليةً، طواعيةً، عن ألوان هذا العالم.


***



أعرف أننا لم نصبح أصدقاء بعد، أعرف ذلك.

لكنني، بعد أن صرنا أصدقاء (ولم أنتبه لذلك).. آثرتُ

مفاجأتكِ ذات ليلةٍ بصديقي الفوتوغرافي الذي سيلتقط لك

تلك الصور. صديقي الذي تعرفتِ عليه في "مقهى التجار" قبل

أسبوعين، لكنني قدمته لك رساماً فقط.

آثرتُ مفاجأتكِ، وقد حضر كل شئ: الإزار اليمنيّ المزركش.

الكاميرا. الفيلم الأبيض والأسود ماركة "إيلفورد".

الخنصر والبنصر. طبلة "الكناوة" التي بحجم راحة اليد.

كونشيرتو البيانو الثامن عشر لـ موتسارت. وركاك اللامعان

في خيال العدسة والغيب. الضوء ذو الجهد العالي وأسلاكه

الأفعوانية. المظلةُ أو الشمسية التي لا تصلح لمطر أو

لشمس، سوى لظلال قامتك التي سنراها في غرفة التحميض

المُرتجلة مقلوبةً – لا رأساً على عقب – بل ظلاً على

ضوء. ورق التحميض الخاص الذي لا يُباع إلاّ في زنقةٍ

ضيقةٍ مُتفرعة من "بولفار الزرقطوني" في كازابلانكا.

الوردةُ التي ربّاها ماسحُ الأحذية في سفح دموع عينيه.

"غولف" الديزل الرمادية و"الطاكسي" الصغير. المطر

والبَرَدُ اللذان لم ينهمرا بتلك الكثافة على مراكش منذ

نصف قرن. الكؤوسُ واللغة الباذخة في المَمرّ. القرميد

الأخضر والبلبل الذي يدخل من نافذة الحديقة غير حالمٍ

بشيء سواك نافذةً في محجريه اللؤلئيين. الصمتُ والضحك.

اللغة في رمزها البدائي سوداء وبيضاء. زرقة قصائد

عبدالله زريقة. "عُودك رنان" وعرق توما النادر. حديقة

الحواس والرسولة بشعرها الطويل حتى ينابيعك. خوليو

كورتاثار وأسلحته السرية. مواء القطط في حديقة حَبّ

الملوك. سُكونُ الرابعة صباحاً. سُكون الرابعة صباحاً.

نهار الديَكة وسباقها الدائم لصوت المؤذن.

كل شئ كان حاضراً..

كل شئ، بما في ذلك انتظارنا الطويل في بؤبؤ اللون. 

كل شئ، سوى لمسة يدك المبلولة على جرس الباب في تلك

الليلة الماطرة بكل شئ؛ عداكِ سوداء وبيضاء لم يمْسَسكِ

ضوء.


مدار اللوحة

 

في جزيرة "كوه – بانغان" وجدتُ الرسام "ماتي – تونغ" في 

مُحترفهِ/غاليريهِ الذي لا اسم له، حيث لا يبيع سوى

لوحاتٍ مرسومة بالحبر الصيني على ورق هشّ مصنوع من ورق

الأرز الذي رقّقته أنامل يديه وخياله.

بعد سنوات من الفاقة في أحياء بانكوك الفقيرة ركب القطار

البطيء المتجه جنوباً إلى إقليم "سوراتاني" بقروش

استدانها من عائلته وأصدقائه. ركب الباخرة إلى جزيرة

"كوه – ساموي" ومن هناك إلى الجزيرة الأصغر: كوه – بنغان

لافتتاح مطعمٍ قد يستهوي السياح العابرين ربوع تلك

الجُزر بوجباته التايلاندية الرخيصة.

لقد كان مشروعاً فاشلاً منذ البداية.

***

سيتذكرُ ماتي - تونغ نداء الفنان في خربشات طفولته،

عندما سمع أن فناناً عجوزاً حطت قدماه في الجزيرة قبل

سنوات، لكنه لا يهبط من الجبل حيث يقيم في كوخ معتزلاً

حتى عالم الجزيرة الصغير. حمل ماتي - تونغ زوادته

الصغيرة وصعد الجبل. أكل الأوراق والفواكه التي تجود بها

الأشجار بعد أن لم يبق في زوادته سوى دواة حبر، فرشاة

رسم وفرشاة أسنان.

ظل يصعد الجبل أياماً بحثاً عن ذلك الفنان الذي قيل له

أنه لا يحب ولا يرحب بالغرباء. وصله صوت عجوز يغني في

قمة الجبل فتابع المسير باتجاه مصدر الصوت. اختبأ خلف

شجرة عجوز ليراقب العجوز وهو يغني ويرسم، يرسم ويغني،

ينام ويصحو، يصحو وينام.

بعد ثلاثة أيام ثلاث ناداه الرسام العجوز قائلاً: لا

تخف، تستطيع أن تشرب الشاي الأخضر معي بعد أن تذهب إلى

تلك القمة حيث ستجد شجرة ياسمين. اقطف منها ما يكفينا

أنا وأنت لنضيفه إلى الشاي. كانت تلك إشارة قبول جعلت

ماتي - تونغ يركض باتجاه تلك القمة مُبعداً كافة روائح

الغابة الجبلية عن أنفه للعثور، بين فسيفساء الروائح،

على رائحة الياسمين.

عاد إليه بحزمة من الزهور البيضاء وشربا الشاي والصداقة

معاً.

هكذا أصبح تلميذاً وفياً لـ المعلم. 

تعلم منه كيف تُصنع عجينة ورق الأرز الرقيقة بتقنية

بدائية. كيف يمزج الأحبار من مواد أولية أتى بها المعلمُ

معه من مكانه الأول، ثم كيف يصنع ريشته الخاصة به؛ وفيما

بعد كيف يغمس تلك الريشة في الحبر ويرسم بها على رقاقات

الأرز الهشة بعد أن تجف.

لازمه عاماً ونصف العام تلميذاً، خادماً ومُريداً لشيخ

كان يسمع، قبل غيره، رفرفة عصفورة الموت التي لم تتأخر

طويلاً.

أحرق جثمان معلمه وهبط من جديد إلى حياة الجزيرة.

باع ما تبقى من فكرة المطعم الفاشلة: القدور، الأطباق،

الطاولات، الكراسي والفكرة.



***

80% من لوحات ماتي - تونغ عبارة عن دائرة كبيرة تتوسط

اللوحة بخط يبدأ سميكاً ليتلاشى قبل التحامها بقليل.

يتوسط تلك الدائرة رجل حكيم ضئيل الحجم ذو قبعة صينية

وعصا كبيرة. رجل جالس يتأمل نهراً غير منظور يعبر الفراغ

الهائل في الدائرة.

سألته لم لا ينوع في مواضيع لوحاته إرضاء لرغبات السياح

الذين قد لا تعجبهم هذه اللوحة. قال: أولاً هي ليست لوحة

واحدة تتكرر. ولو دققت النظر لوجدت فروقا غامضة بين لوحة

وأخرى. ثانياً هؤلاء السياح يتغيرون دائماً وجميعهم

يشترون ما يظنونه لوحة واحدة.

قلت له: وما الذي تعنيه أو ترمز إليه اللوحة؟

- الحياة. الحياة بكل بساطة. دورة حياتنا التي تبدأ

قويةً سميكة كحبر الدائرة وتنتهي، كحبر الدائرة، ضعيفة

هشة. ونحن، نحن جميعاً ذلك الضئيل المتأمل في نهرها.

- أهذه حكمتك؟

- لا. بل فلسفةُ معلّمي.

في زيارتي تلك لم يكن الموسم السياحي المعتاد قد ابتدأ

بعد. مع ذلك عزمني تلميذ معلّم الجبل على سهرة مع ثلة من

أصدقائه في مطعم مطل على ساحل "هَدرين" الصغير.

شرب دون إفراط وأكل رأس السمكة الكبيرة، دافعاً حساب

الجميع من المبلغ الذي تقاضاه مني عن ثلاث لوحات

اشتريتها منه. 

لا آكل رأس السمكة الكبيرة إلا في يوم طيب.

هذا تقليد خاص بي؛ التزمتُ به منذ أيام الإفلاس الكبير

في بانكوك.

في اليوم التالي زرته في الغاليري. أهداني لوحتين

صغيرتين من مجموعته الخاصة بعد أن أعارني دراجته النارية

لأتجول بها بين سواحل الجزيرة وطرقات جبالها العالية حيث

لا يرى المرء في الأفق المستدير سوى بحر الصين الجنوبي

يغمر الروح، من شاهق، بفيض الزرقة