إنها لنا تقرع الأجراس

حسين العبري

إننا في حالة حرب. لا مكان إذن للمنطق. كل شيء يجب أن يدفع دفعا لخدمة القضية. وكل شيء عدا هذا يعتبر نوعا من الخيانة.إنه لا أو نعم. ليس من منطقي واحد يستطيع أن يلتف بمنطقه حين يلتف غاصب أرضه حول عنقه. ثمة غاصب وثمة مغصوب. وردة الفعل لا تحتاج لتفكير. من يمد إليك رصاصه تتقيه وتضربه وكفى. إننا لا نعبث حين تمس حياتنا. فقط لأنه لا مجال بعد للعبث. وإذن لماذا كل هذا العبث واللامبالاة الذي تظهره دولنا. لماذا يسلكون وكأنهم معصوبو الأعين. إن ردات الفعل التي يتخذها الجسد العربي مهترئة وغير طبيعية. إنها أشبه برجل تطعن يده بسكين فيزيح رجله. مع الفارق أن الجسد العربي يخرج لسانه حين يطعن وهولا يفعل هذا دائما. كيف لنا أن نمشي برأس مرفوعة. كيف لنا أن نلاعب أطفالنا أن نمسد رؤوسهم. كيف لنا أن نبتسم لحبيباتنا وأن ننظر في عيونهن. ماذا يمكن أن نقول لهن. كيف نذهب لأعمالنا لمدارسنا. أليست دماء مهزومة تلك التي تسري فينا. أليست أوصال مقطعة تلك التي تجرر أجسادنا. ألا نعرف أن يدا امتدت اليوم إلى ظهر أخي ستأتيني غدا من ألف ظهر. أم أننا سنبتلع هوننا ونتجر هزيمتنا. وإذن كيف ستكون هي حياتنا. كيف يمكن لنا أن نلتف على هذا القلق الأممي : هذا القلق الذي يتلبسنا كوننا من هذه الأمة. وكيف نرضى أن نورث قلقنا هذا لأبنائنا. أم أننا سنتبع وصفة فيلسوفنا: وما جنيت على أحد. إن مشاعرنا سريعة التبلد. وليس ذلك لأننا عقلانيون أو محبو حقائق. ولكن لأننا حين لا نرى أمام أنوفنا مدفعا منصوبا فإننا لا نستثار وحين نعرف أن شاشة تلك التي تفصلنا عن الأحداث وأن وراءها آلاف الأميال وأنه ليست أسوار بيتي التي تنسف الآن فإننا نتأوه ونتثاءب ونغلق التلفاز وننام. فلماذا نمسك رؤوسنا والصداع ليس في رؤوسنا ونحزم إصبعنا والجرح في إصبعهم. لكن مع هذا فثمة سؤال منطقي واضح وبسيط. إذا كانت الجماهير العربية ذات كلمة واحدة. أو لنقل أنها ذات كلمة ونحذف واحدة. فمن الذي تمثله هذه الحكومات العربية. لماذا لا تكون الكلمة الحكومية ممثلة لكلمات جماهيرها أو على الأقل ممثلة لأغلبيتهم. ألا تسعى هذه الحكومات لرفاهية شعبها. أليس أحد أهدافها الرئيسية صيانة كرامة الأفراد. وإذن فإن هؤلاء بمحض إرادتهم يقولون نريد كرامتنا. فلماذا يتكسر صوتهم على حواجز المؤسسات وصفائح الأمن. إن هذا السؤال جوهري الآن. وهو ليس كذلك لأننا نجتر الأحزان جميعها حين نُرزأ بمصيبة جديدة أو لأننا نرمي من على عاتقنا كل المسؤوليات ونبدأ في البحث عن معلاق لأخطائنا. وإنما لأن صوتنا حين نريد لصوتنا أن يمتد ويمثل لا نجد من يمثله أو يمده. كل هذا الغضب العربي الجماهيري لا شيء. فقط لأنه لا ينتظم في قنوات توجهه نحو هدف محدد. الغاضبون سيصرخون وسيحرقون أعلام العدو الغاصب. إنهم سيتظاهرون وسيرفعون عقيرتهم . سينددون سيلعنون سيدعون على وسيدعون ل. وماذا بعد. أم هل أن الحكومات أعلم بمصائر جماهيرها وأعلم بمصالحهم. ومن الذي منحهم هكذا حق. فثمة أمرين واضحين: فإما أن تكون الحكومات ممثلة لجماهيرها وإذن فأين هذا التمثيل وكيف تتضارب إذن آراء الأغلبية الساحقة مع آراء النخبة السياسية وإما أن تكون الحكومات غير ممثلة لجماهيرها وإذن فهي ليست بحكومات طبيعية. ليست ناشئة ب وعلى جماهيرها فليس إذن من حقها أن تقول حكومتهم وليس إذن من واجبنا أن نقول حكومتنا. إن هذا الموضوع مهم الآن لأننا نريد أن نقول شيئا لكن هذا الشيء لا يتسق ويتوحد ويدفع بشيء للأمام أو للخلف. إننا مهمشون وغارقون ومغرقون في لا مبالاة غريبة. وحجة: أن هؤلاء لا يفقهون في المسائل الدولية والاتفاقات العالمية وأن النظرة يجب أن تكون كلية وأن المصالح يزنها أصحاب الحل والعقد وأولو الأمر هم أولو الأمر ولا خروج على ذي أمر مثل هذه الحجة وغيرها سخيف وإن كانت تحتوي على جزء من الصحة فلماذا إذن لا يتم تثقيفنا وتنويرنا فيما يخص القضايا المصيرية التي تخصنا نحن وتهمنا نحن وتسيرنا نحن. لقد انتظرنا أن تقول الولايات المتحدة شيئا ويا لسخفنا حين ظننا أن الولايات الراعية للإرهاب الدولي المنظم والراعية لإرهاب إسرائيل الموجه نحونا يا لسخفنا حين ظننا أنها سوف تقول شيئا في صالحنا. لكنه صرح أنكم شعوب ليست بديموقراطية في مقابل حكومة ديموقراطية تنفذ رغبات أغلبية جماهيرها. إنها كلمة حق وأريد بها باطل. لكنها بعيدا عن مشاعرنا المفعمة بالحقد وكل النوايا الخبيثة والمعلنة تحتوي على صحة مقلقة. إنها بالطبع لا تبرر أيا من الأعمال التي تقوم بها إسرائيل ولا هي تبرر كل الكلام المهين والمستهتر الذي قالوه في الولايات الإرهابية. لكنها تضع السؤال الكبير في أدمغتنا : أين نحن. أيننا. لماذا لا يكون لنا كلمة فيما يخصنا لماذا حين نريد شيئا لا يكون هذا الشيء. إننا قاعدون على شرخ رهيب وهذا الشرخ فقط نغطيه بتلة من التراب لكنه شرخ كبير يبتلع كل التراب الذي يغطيه. جرح غائر نزفه لا يجف ويٌتعمّد تلويثه بين فترة وأخرى. أظن أن كلاما عن سلام كلام يحتوي على لا شيء. إننا لسنا مسالمون. وأظننا حين نعرض مبادرات مثل هذه الآن فإننا خانعون فقط وإنما نغطي الكلمة حتى لا تزيد من قلقنا. ولكن ليس من سلام. الدبابات موجهة ضدنا. ونحن داخل حرب شئنا أم أبينا وإذن فكفانا هذا القلق الأممي الذي نتجرعه بسبب انتمائنا لهذه الأمة. ولا بأس إن بدأنا في إعداد أنفسنا للحرب. إنه ليس أمرا سهلا لكنه أحيانا لا نفع من حياة بكل هذه الحقارة والمهانة. لسنا حول الموضوع ولسنا فوق الموضوع بل نحن فيه وفيما بينه. ولا بأس إن بدأنا في دخول المنطق العملي الذي تمثله الحرب لأنه الباب الموصل إلى الوجود الحق