ذاكرة الليمون

حمود بن سليمان الجوابري

 

. . . وأنت ما تزال تنفث بقايا حزنك الأليم في جدران الغرفة الليلية ، تعبث أحياناً بكومة الأشرطة الغنائية لتنتشل شريطاً أنهكته مسننات المسجل ، لتعيد تشغيله للمرة الألف ، ثم تتركه وتسرح في نهاية الشارع الممتلئ بالفراغ المظلم .. لحظاتِ وتعاودك الذكرى من جديد .. تتذكر تلك اللحظات السوداء التي ما برحت تراودك بين الفينة والأخرى ، تعرجات مريعة ترتسم في ذهنك ، دوائر و اسطوانات بلاستيكية ، محاقن ، قطرات دم صغيرة حـيـيّة ، وجه طفولي بريء وعينان تلمعان بدميعات خجولة .. ثم زفرات طويلة متقطعة ثم ....

 

تلمح ورقة ساقطة من شجرة الليمون المتهالكة المجاورة لغرفتك ، ورغم سطوة الليل كان اخضرارها دافئاً ، تهدهدها نسيمات الهواء المسائية الباردة ،  ترقبها  حتى تنام على قطعة حجر صغيرة .. صغيرة .. تأخذك الوريقة إلى عالم أخضر .. تتنفس بامتداد رئتيك .. تغتصبك بسمة طفولية عابثة ما تلبث أن تتمرغ في أنحاء صدرك حتى تتلاشى  ، تسحب نفساً عميقاً من بقايا ذاكرتك ، تنسى أن تعيـده مرة أخرى ، تسـعل بقسوة جارحة لتتقيأ ذاكرة منهكة  ما تزال في طور التكون ، تحدق فيها بكل قسوة ، تنبش فيها بألم ، تتحرك يداك المتعرقتان في أعماقها ، تبحثان عن شيء ما بين ركام تلك الذاكرة الصغيرة المنزوية ، وكارتجافة العصافير ساعة الاحتضار ، تلتقيان في قمة الذاكرة ، تحتضنان طويلاً  طويلاً ... ثم ترقدان على حافة النافذة .. تشربان بعض العرق .. وبارتجافة يتحرك إصبع شقي من اليد اليمنى ليتلصص على انحناءات اليد اليسرى ، يرجمه إبهام اليسرى بنظرة ذات مغزى .. فيرجع متخاذلاً إلى مكانه .. تنطلق أنت بعاصفة من الضحك الأصـفر ، ثم ..

 

تلمح ورقة أخرى تسقـط من شجرة الليمون .. هذه المرة كانت سطوة الليل واضحة عليها .. اخضرارها مطفئ ونسيمات الهواء الباردة   أشد مكراً .. تدور حولها في استدارات مسرحية   مباغتة .. تتابع عيناك في شغف مدارات الورقة المنهـكة ، وشيء بداخلك يرقب الورقة الأولى النائمة على قطعة الحجر الصغيرة .. ثمة وشوشات بين قطع الحجر الصغيرة المتناثرة حول شجرة الليمون .. الورقة الساقطة تستسلم لنسيمات الهواء .. تتراقص .. وعيناها على أختها النائمة .. تتمايل نحوها ثم تعدل عن رأيها .. تقترب مرة وتبتعـد ، تحط على الرمل ، وتنام. تبقى ساكناً لحظات توقعاً لأي حركة  ، الجميع نائمون عدا نسيمات الهواء الماكرة .. وفيروز : " .. وحتى انته يا حبيبي مش كاين هيك تكون !" ...

 

في آخر التواءات الشارع المظلم تفاجؤك هيئة عمك سالم ، يدفع أمامه خيط الضوء الضئيل من مصباحه الصغير يستدل به على الطريق ، ذات المصباح منذ سنوات عديدة ، ذات الكمية من الضوء ، ذات المشية المتخبطة  وذات الفراغ. أذناك تتلذذان بوقع خطواته المتعثرة على الطريق وصوت مشاجرة عصا عمك والحصى. ذات المشاجرة التي توقظك _ رغماً عنك _ صباحات كل يوم قبل هذه الأيام. ينقلك طقس عمك اليومي وسيمفونية فيروز الباكية إلى فلاشات مجنونة تتوزع ما بين الخطبة وعقد الزواج واللقاءات البريئة وارتباكات البداية والمزاح الطفولي وايتيكيت التقاليد البالية ورقصات العرس الماجنة والعينان المرهقتان و.. و...   تتكرر من جديد فلاشات بعينها ، وتظل تعيد نفسها عليك دونما حياء.

 

تتنهد بعمق ومازالت تدور برأسك الصور ، عمك ما زال في منتصف الطريق إلى المسجد ، وفيروز تعيد الكوبليه مرة أخرى ، تعيدك إلى ذات الصورة المخملية ، الآن تتحرش بك من جديد بسمة عابثة ، ودون أن تدري يمتد ذراعاك إلى الأمام برفق ، تستقلك رغبة جموح في الوقوف ، يستجيب لها جذعك بكامله ، تستدير للنافذة بظهرك ، أمة’ جسدك بكاملها تحتشد لترسلك إلى ذات المكان الذي ألقيت فيه دماء الليلة الأولى ذات مساء.  وبلهفة الصغار تستقبل حضنها الأليف ، تودعه كلك ويودعك كله.   تجدك على ذلك السرير الذي ... الذي كنتما تنامان عليه.

 

لا شيء في ذاكرتك الآن غير رائحة الليمون الجاف والحناء الطري ورائحة أنثوية طافية تحوط  الغرفة تردد: "... كان غير شكل الليمون / كان غير شكل الينسون / وحتى انته يا حبيبي ... " .. . مازالت فيروز تلامس صدرك انحناءات رقيقة ، فتسري رجفة لذيذة في داخلك ، تشدد الضغط على ساعديك الممتدين في الهواء ، تشعر بنسمة هواء بيضاء تمر على خديك ، تستجيب لها بتأوهاتك الهادئة حيناً والصاخبة أحياناً ، يستمرؤك حوار النسمة البيضاء وتأوهاتك الطويلة ، تتفنن في إطلاق التأوهات لتحيل الحوار لصالحك ، تستخدم كل الإغراءات لتبقى نسمة الهواء إلى جوارك ، تسحبها إلى جوفك بكل ما لرئتيك من اتساع ثم تطلقها على مهل ، تستعين بإغلاق عينيك كي لا تسرقا دفء النسمة البيضاء في الجوف المظلم لعينيك تراها ، ترى شعرها الحريري الناعم ، شفتيها الحمراوين ، ابتسامتها الموناليزية الوديعة وحرارتها .. ثم انطفائها .. السرير الحديدي ، الدوائر و الاسـطوانات البلاستيكية ،المحاقن ، .. دفئها قطرات الدم الحـيـيّة ، الوجه الطفولي البريء، العينان اللامعتان بدميعات خجولة .. ثم الزفرات الطويلة المتقطعة ثم ....

 

يصمت كل شيء ، تصمت فيروز ، تصمت عيناك الحارتان لدرجة الاحمرار .. يغتصب السكون فجأة كل الفراغات ..

 

تسمع صوت عمك يؤذن لصلاة الفجر ، تطبق شهوة النعاس على جفنيك المثقلين ، رأسك يتضخم وكأنه مملوء بقطع الفلين الضخمة  .. ما يزال عمك يكمل الأذان بصوته الذي تعودت على رائحته الخشبية .. تدور في نفسك حقول من الأسئلة عن هذا العم الذي يواصل حياته ، بكل تفاصيلها المعتادة دون أن يؤثر فيه رحيل ابنته .. يأخذك الرحيل إلى الرحيل .. تنزلق دون إدراك في تفاصيل الرحيل الجنائزية   بكل سوداويته وآلامه .. تدور في دوامة البدء والنهاية .. ليأخذ جسمك المنهك في الذوبان شيئاً فشيئاً في السرير الذي تستلقي عليه .. تنام

 

تسقط ورقة جافة من شجرة الليمون  ، تسرقها نسمة هواء مجنونة حتى تتلاشى تماماً في الأفق. تصفق نسمة الهواء بمصراع النافذة ، تهب مفزوعاً من نومك ، تبعثر بعض التمتمات عن يمينك وعن شمالك وتتشبث ببعض الآيات بأنفاس متقطعة ما تلبث أن تذوب على شفتيك. ترن في عينك دمعة حارة من بقايا البارحة تعزفها وتكمل نومك البليد.

 

ما زالت النسمة المجنونة تعابث شجرة الليمون ، بينما أنت مستغرق في نومك الثقيل ، توزع وريقاتها في متاهات الحارة وسككها وبيوتها القديمة المندثرة. شجرة الليمون تلقي وريقاتها بجنون ، الهواء من حولها يتراقص في موجات عاصفة ، والوريقات تسلم أنفسها ببراءة لتغيب في قدر الرياح. بينما أنت مستغرق في نومك الثقيل