محاولة لقول شيء

حسين العبري

إنه كأس عادي. هكذا قد تقول عين غير متبصرة لكن ذلك غير صادق بتاتا. إنك تستطيع أن تتكلم عنه كلاما طويلا وصادقا: كلاما قد يضع الحقيقة في محلها ويضعه في مكانه المناسب فوق عرش الأشياء. إذ أن أي كأس في العالم لا يستطيع أن يحل محله، وهذه ليست مبالغة وإنما في صميم الدقة التي لا تعوزها مطلقا الصرامة العلمية. إن وضع هذا الكأس على هذه الطاولة هنا وفي هذه اللحظة أمر لا يستطيع أي امرئ أن يدّعي أنه متحقق في أي كأس كان. لا يوجد مثلا هذا العالم المحيط الذي يشغله الكأس حول أي كأس آخر. وقد كنت أدركت أن ثمة شيء - إن صح التعبير - يمت بصلة إلى هذا الشيء الذي هو الكأس، شيء ينبجس من العمق، من عمق الأشياء، ويمتد ليلف هذا النسيج من كل هذه الملايين من الذرات ليتمطّى أخيرا هذا الشكل الفريد. ثمة شرخ يمتد بطريقة إهليلجية ويبدأ في حافة الكوب التي هي الآن على اليسار ويسيل بهذا التمايل الرائع حتى يصل إلى المنتصف تماما في النقطة التي تنتهي فيها الجروف الأصيلة التي تنتصب من القاعدة وتمتد عمودية حتى منتصفه . ثمة إذن هذا الشرخ الحادثيّ الذي طبعته عوامل الزمن برفقة تلك الجروف الأصيلة وهذا يبدو طبيعيا وأبعد عن الاستهجان . فكأس_ أي كأس- لا بد له من جروف حتى يتسنى لنا مسكه بطريقة محكمة وذلك حق، لا مراء أن ذلك حق. لكن شرخا يمتد بهذه الطريقة المعينة ويأخذ هذا الشكل الإهليليجي وتطبعه حادثة معينة لها مواصفاتها الفيزيقية المنضبطة، كل هذا ليس طبيعيا . فإن الحادث ذاته يحصل لملايين الكؤوس لكنها لا تشكل شروخا لها نفس خصائص هذا الشرخ. لكن هذا بالضبط هو الحاصل بالنسبة لكأسي. وأنا هنا حين أدّعي انه كأسي فأنا لا أتلاعب بالموضوعية التي هي لب الأشياء . فإن هذا الكأس هو كأسي، وهو ليس كذلك لأنني أمتلكه وقد دفعت ثمنه يوما ما لبائع ما في مكان ما، فقد أتساءل داخلي وأكون صادقا، لماذا بعد كل هذه التنقلات لهذا الكأس من حيث صناعته إلى يوم أن كان مهملا هناك في زاوية مغبرة من دكان مهترئ، لماذا أنا بالذات من بين كل هؤلاء الذين يحملون ملامح تشبهني أنا الذي ابتعته. لقد كان ممكنا أن أتأخر يوما فيبتاعه رجل آخر وينتهي بشرخ آخر على جانب آخر، أو قد لا يحظى بشرخ أبدا إذ أنه سيكون قد وقع في يديْ ربة منزل ماهرة. وقد نفترض إمعانا في خلط الأشياء أن ربة المنزل هذه في الأربعينات ورزينة بعض الشيء وصالحة، وإذن ستكون قد تناولته بمهارة تنم عن خبرة ولن تمكنه من السقوط، وإذن لن يكون هناك شرخ أبدا وستنتصب تلك الجروف الأصيلة وحيدة وتشكل الجانب السابق من التاريخ الآلي للكوب ولن يكون هناك ذاكرة مستجدة أو تاريخ طبيعي . أو قد يكون هذا الكأس من نصيب صديقي الذي كان برفقتي ولانتهى في يديْ زوجته اللعوب والطويلة ذات المسكة المتخاذلة، وحينها لن يكون هناك شرخ واحد أو شيء وقد لا يكون ثمة كأس بعد . ورغم أن ذلك ممكن حقا، ف ..هب.. لم يكن من ذلك شيء ولن يكون حيث أنني _ على الأقل أنا - لن أستطيع أن أرجعه بدون شرخ إلى ذات البائع وذات الزاوية في ذات الزمن الذي كنت قد اشتريته فيه. فعلاوة على أنني لا أذكر التاريخ والوقت بالدقة التي قد تحيله إلى مساراته القبلية، فأنا عاجز كأي إنسان آخر عن إرجاع الزمن للوراء وتلك بديهة، لا مراء أن تلك بديهة أن لا أستطيع إرجاع الزمن للوراء. إن هذا الكأس جميل . وهذه ليست الصفة التي ربما قد أصفه أنا بها. فإن جميل هذه تأخذني دائما لأماكن أخرى. بيد أن أمي حين جاءت تزورني برفقة أبي وحين مددت لها بالعصير الذي كان داخل هذا الكأس بالذات ، نظرتْ طويلا إلى الكأس وكنتُ قلقا وكدت أن أتفوه بكلمات حنق واستغرقتني لحظات ندم فقد اتضح لي أن تقديم عصير تفاح في هذا الكأس يخفي تلك الميزة الحادثية . ولو كان عصير برتقال فلربما كنت أقل قلقا لكنه لم يكن ويا للأسف عصير برتقال بل كان تفاحا. وهذا يذكر بطعم الخطيئة، وإلى هذا فهو لا يلتف على مجد، ويشعرك أنك على حافة جرف و..هب لحظة واحدة كافية لجذبك إلى عالم سحيق، ثم إنك بعد أن تشرب فإن تلك الرائحة تلطمك في منخريك بلزوجة . وإذن فقد كان هناك ثمة هذه اللزوجة الخطيئيّة الدبقة وهذا الشرخ الذي بدا باهتا وكاد أن يتهدل كأي شرخ في العالم وكان ثمة قلب يخفق وثمة عقل متوثب وثمة أمي وأبي وأنا. وبالطبع كان هذا الكأس .. لكنها.. هب لم تقل ذلك الكلام الطويل والصادق عن هذا الكأس ولم تتفوه بشيء فيما يخص الشرخ وإنما بهدوء خمسينية محنكة قالت:" جميل.. هذا الكأس جميل" . وقد صفعني هذا لوهلة وانتشيت لوهلات؛ فها هنا كأس جميل وأم مُبهَجَة لكنني إذ تجاوزت هذا أدركت أن هذه لا مبالاة. وكنت صادقا وما زلت حتى الآن استشعر أن تلك كانت لامبالاة حقا فأن تتجاوز الجروف الأصيلة وتهمل الشرخ الذي كان باهتا وقتها ولا تعير الانتباه لهذه اللزوجة الدبقة التي تفوح في المكان وتقول بكل بساطة جميل فإن ذلك ذروة اللامبالاة . وحيث أنني ماقتٌ للامبالاة، ماقتٌ أصيل، فإن ذلك هزني بشدة وجعلني متوترا والحقيقة أنه أغضبني وكان غضبي واضحا آنذاك وأظنه سيكون واضحا في كل وقت فإن انتهاكا مثل هذا لا يجدر بأم محنكة. وقد حاولت قدر الإمكان أن أتخلص من أبي وأمي وأسرعت إليه وقذفت بالعصير المتبقي وقمت بغسله جيدا وجعلته لامعا خصوصا تلك المنطقة المبهِجة حيث يتمايل الشرخ هبوطا اهليلجيا، لكن.. هب لم يكن من ذلك فائدة فالكأس كان قد تغير. ونظرت نحوه ومسكته بعنف ثم بلين ووضعته على طاولة المطبخ تحت ضوء أصفر ومن ثم على سطح الثلاجة وأخيرا بروية أدخلته سلة المهملات.وحاولت لفترة أن أتجاهله، لكنه كان دائم الانصباب في المنطقة المشكلة لوعيي. وأظنني كنت مستثارا من ذلك الضعف الذي سيطر عليّ، وانتابتني نوبة من الغضب على ذاتي .كان ثمة شيء يحصل داخلي فيما يخص كأسي. لكنه لم يعد كأسي. ليس شيء فيه يمكن أن يمنحه الحق في أن يكون كأسي. إنه كأس. إنه عادي وقد تقول العين المتبصرة تماما كما ستقول العين غير المتبصرة. ليس ثمة كلام طويل وصادق فيما يخصه، ذلك الكلام الذي قد يتوهم البعض أنه قد يضع الحقيقة في محلها ويضع الكأس في مكانه المناسب فوق عرش الأشياء. إن ذلك هراء. إذ أن أي كأس في العالم يستطيع أن يحل محله. وهذه ليست مبالغة ، وإنما في صميم الدقة التي لا تعوزها مطلقا الصرامة العلمية. إن وضع هذا الكأس في أي مكان وفي أية لحظة أمر لا يستطيع أي امرئ أن يدّعي أنه غير متحقق في أي كأس كان .لا يوجد شيء خاص في هذا الكأس. إنه كأس..إنه كأس عادي.