حكايتي مع الكتابة

 

حسين

 

تنبيه لا بد منه:

" كل مرة أحكي هذه الحكاية، أقتنصُني أقول أشياء جديدة "

 

1

أخبرت صديقا لي ذات مرة أنني قابلت للتو رجلا كتب مائة وثلاثة وثمانين كتابا. فما كان من صديقي إلا أن قال في تلقائية عجيبة: ما هي مشكلته؟ والحق أنه رد رائع . فما الذي يدفع رجلا لكتابة كل هذا الكم إلا أن تكون لديه مشكلة. وإذن فإنني اتفق تماما مع صديقي فلا بد للذي يكتب من أن تكون لديه مشكلة ما. ولا أقصد أن الذي يبدأ في الكتابة يجب أن يختلق مشكلة مع أن هذا هو الذي يحصل غالبا. ولكنني أقول أن الكاتب يبدأ الكتابة لعبة ثم ينصرف بكله إلى لعبته هذه إن منحه الذين من حوله النبوءة التي تجعله يتوهم أنه عبقري الكتابة القادم. وطبعا لكي يمنح هؤلاء شهادة مسبقة حول موضوع مبهم جدا من مثل العبقرية المرتقبة فلا بد أن يكونوا أغبياء حقا. ولقد توفر لي منذ بدايتي الكثير من هؤلاء . وأنا هنا إذ أنعتهم بالأغبياء فإنما لكي أريحهم من مغبة ما فعلوه وأزيح عن كاهلهم مشاركتي الجرم الكبير الذي اقترفوه بحقي والذي استمر أنا في اقترافه بلذة. إن الكتابة بالنسبة لي نوع من الخطيئة. وأنا إذ تعودت أن أمارس هذه الخطيئة فإنما لأنني أجد أن قلبي لم يعد بعد مأوى للإيمان. إننا قد تعودنا في كلامنا الكلاسيكي عن الشعر أن نستذكر الآية الكريمة " والشعراء يتبعهم الغاوون ألم تر أنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون " ومع أنني ما زلت من المؤمنين بان الشعر والنثر ينبعان من مشكاتين مختلفتين إلا أنني لا أجد سببا واضحا يمنع المفسرين من أن يضيفوا إلى قائمة الشعراء هؤلاء الناثرين الجدد.

وإذن ما الذي دفع طالب الطب هذا المنزوي على نفسه والغارق بكليته في اشتغالات أخرى ذات أولويات عملية والمتدين حتى العظم ما الذي دفعه إلى الوقوع في هذا الشرك المفاجئ الذي بدا وكأنه انقض من الخلف والربيع العلمي في ذروته. وإذ أحاول هنا أن أكون صادقا متجنبا عثرات الذاكرة القميئة فإنني لا أجد أية إرهاصات يمكن التشبث بها. لقد كنت من النافرين من الأدب منذ بداية اصطدامي بالوعي إذ أنني لم أجد له محلا من العقل. وليس معنى هذا أنني أجد له محلا الآن لكنني أعرف الآن لعبا أخرى غير العقل يمكن أن يدرج الأدب برمته فيها. لقد كنت مفتتنا بالنحو وأعشق طرائق الصرف ويعجبني اللعب بالكلمات لكن هذا كله كان على هامش الحب الجارف الذي كنت أوليه لذلك العالم الفاتن المسمى رياضيات. إنني أشير هنا وأمامكم بإصبع الاتهام نحو هذا القدر اللعوب الذي جعلني أفقد حبي الأول وأتخبط في شرك النزوات الملقاة على قارعات الطرق.

وذات ليلة وسرعة الزمن تكاد تقترب من الصفر والعالمون سادرون في متعة الحلم والعاشقون يقذفون بالتأوهات العذرية على الأجساد النابضة بحمى العرق وحده كان يصيخ السمع لانكسارات الذات ووحده كان يحاول أن يفك طلسم الأبدية محيلا تشابكات العالم إلى معادلات بسيطة. لم تسعفه العقلانية ولا طقوس المعابد . القرابين التي قدمها احترقت . كان لا يدرك أن بدايات أخرى في سبيلها إلى التشكل و أن القدر في سبيله لإلهائه بلعبة أخرى . التقط الكتاب الذي كان على جانب سريره مارس سيرورة الهروب وغرق في الحلم هو الآخر حلم أول قصة قرأها.

لا أدري إن كان من حق الإنسان أن يستند إلى ذاكرة يعرف أنها تخونه بأمانة . لذا بدأت في كتابة مذكراتي . كنت حريصا على تسجيل التحايلات على الذات كانت الكتابة لدي اعترافا بالضعف . سجلت الكثير وحين أرهقتْ إصبعي خشونة القلم كنت قد نمت لكنني كنت أحلم بأسرار أخرى وكان يبدو أن العالم منحني متعة جديدة مؤذية. لكنني كنت أعلم أن الماسوشية لذة النابغين. أظن أنه لو قدر لأحد أن يرسم صورة لي آنذاك لكنت اثبت لكم بموضوعية الرسومات أنني نمت وعلى ثغري ابتسامة بلهاء. لم أعد إلا لماما إلى كتابة المذكرات كنت خائفا لأنني كنت صادقا وهالني أن أكتشف كل هذه الحقائق عن ذاتي ورميت بالأوراق. لقد اقلقني أن يعثر فضولي في دسة أنف على اسراري الصغيرة ويعرف أناي التي هي أنا من غير هذه الأقنعة التي تدرعنا. لكنني ما مللت من تتبع القصص القصيرة التي كان يحتويها الكتاب. وقربتُ أذني مني وقلتُ لي بصوت هامس: هنا يرقد عالم سحري.

 

2

أستطيع الآن سرد ثلاثة وثلاثين حجة تجعلني أستمر في محاولة كتابة قصة جيدة. لكنني بصدق لا أعرف ما الذي يخدمه الأدب في الحياة الحديثة. لكنني اغمض عيني واتفق مع عالم اجتماع مرموق في أن الظواهر الحياتية أيا كان سببها لا بد وأنها تخدم وظيفة ما إن هي استمرت في البقاء. إنني أقرأ الآن للمرة الخامسة رواية ماركيز الجنرال في متاهة لكنني ما زلت غير قادر على استيعاب التاريخ السياسي لامريكا اللاتينية. ولم تستطع رواية أولاد حارتنا أن تفهمني التاريخ الفلسفي ولا الجريمة والعقاب جعلتني أشفق على راسكولينكوف إن أعمال جوركي لا تحرك نوازعي الاشتركية ولا أعمال ميلان كونديرا تثير غرائزي الجنسية الفلسفية. وإذن ماذا يفعل هؤلاء. ليس الأدب مرآة للمجتمع وإن كان كذلك فإنني أرفضه. لا أحمل أنا شخصية عدائية للمجتمع لكنني غارق فيه حتى الغثيان وإذن فقط فإنني أرفض ما أنا غارق فيه. ليس لقيم الحق والخير والعدالة أي شأن مع الطبيعة التي هي للأدب وإن كان حصل أن كان الأدب يوما ما نبيلا ففقط بسبب ملابسات تاريخية قابلة للفصل. لست متحيزا ضدي لكنني أجد أن الصناعة الأدبية مستترة خلف عباءات مهيبة. ولست أرى بحس المادي أنها ذات فائدة جمعية. مع هذا فأنا أعرف أنها صناعة مربحة لأصحابها لأنها إن لم تكن كذلك فإن ذلك يعارض المبادئ الأساسية للكائنات الحياة.

قابلت مرة رجلا أظن أنني أحمل الفكرة المضادة لفكرته. اخبرني أنه مغرم بكتاباتي وعرفت آنذاك أنه لا يدرك ماهية كتابتي. ولم أعرف ماذا أقول. كانت الإنسانية تخرسني لكن الصدق داخلي ظل يعذبني . لذلك أرغب هنا والآن أن أقول للجميع أنكم حين تكرهون ما أكتب أو تحبونه فإنما تستولون على الحيز الذي أعيش فيه. ولستم مذنبون ولست أنا مذنبا إنما للحياة قوانينها اللامبالية التي ينبغي لنا أن نمرّ عليها ولا نُلِح.

 

تنبيه لا بد منه:

" كل مرة أعود إلى حكاية سابقة، أجدُني أشكُ أنه أنا من كتبها "