تداعيات بصحبة جان بول سارتر أو التفكير عبر الكتابة

خالد العزري

أود في عجالة طرح بعض " القضايا " من دون تفكير عميق أو تحديد مركز لها فأنا أكتب بإغراء قوي من مؤلف قديم .. إنه كتاب كنت قد اشتريته من سوريا في ثاني رحلة لي إلى هناك وقد تمت كما أرختها في الورقة الأولى منه في 29 / 12 /1995 أي وأنا في طريقي الشاق والمحمل بالعديد من الهواجس والذكريات المؤلمة إلى تونس الخضراء البلد الذي أحببته بطريقة مدهشة وأجدني أحن إليه كما لو أنه البلد الجميل الوحيد في هذا الكون ... ! عنوان الكتاب هو " عارنا .. في الجزائر " للكاتب ذائع الصيت جان بول سارتر ونشرته دار الآداب البيروتية التي افتقدناها في معرض مسقط للكتاب في العام الماضي وآمل أنها حاضرة في هذا المعرض ... إنها هواجس وأفكار أرى بينها جامعا رغم شتاتها ! *** نزلت في سوريا في ضيافة رجل يذكرك بالخصال العربية الماجدة التي لم نعـد نلحظها إلا نادرا في غمرة أخلاقيات السوق التي نعيشها كإحدى بشائر العولمة رغم التباطؤ الذي تبدو فيه هذه الأيام .. إنك لا تحتاج إلى كثـير من الوقت لتدرك أن بندر عبدالحميد ليس شاعرا مثل كثير من الشعراء الذين يشبهون المعيدي أي أن تسمع بهم خير لك من أن تراهم ( وما أكثرهم لدينا ! ) إنه كائن متفرد في إنسـانيته ودماثة خلقه وبساطته فعلى الرغم من أن لقائي به في دمشق كان قد أعقب مغادرته للسلطنة بوقت قصير جدا بعد تجربة عمل أقل ما يقال عنها إنها غير مريحة ولم تكمل العام الواحد ( عكس تجارب مللنا الحديث عنها دونما فائدة وهي أشبه بالمضاد الحيوي الذي تعطيه بعض المستشفيات زبائنها فبدلا من أن يقتل البكتريا الفاسدة يقتل تلك التي يحتاجها الجسم ) أي أن الرجل فضل راحته النفسية ومبادئه على البقاء متزلفا يحصد من هنا ويبيع الوهم هناك ..! على أية حال ذكرني الرجل بنوعين من المثقفين أصبح وجودهم أشبه بالأمنيات المستحيلة فهو من ناحية على خلق رفيع وسام ومن ناحية ثانيـة هو موسوعي التكوين والاهتمامات أيضا وهو ما لم يشر إليه مطلقا طيلة وجودي معه فقد كنت أعرف أنه شاعر وله بعض الكتابات في مجال السينما ( فقط ) والحقيقة أنه أحد المؤسسين والقائمين على واحدة من المجـلات المهمة في السينما هي " الحياة السينمائية – وهي مجلة كم سيكون مفيدا لو تم توزيعها أسوة بأخريات غيرها تملأ محـطات الوقـود للتسلية وجلب النعاس فقط " وقد عرفت بمحض الصدفة لاحـقا أن للرجل كتابات قصصـية مبكرة ، مجموعة قصصية على الأقل وجدتها صدفة في إحدى المكتابات بمدينة أكادير بالمـغرب هذا فضـلا عن دواوينه الشعرية وكتاباته النقدية التي كنا نتابع بعضهـا في هذا الـملحق حين كان أكثر بهاء أي في الفترة التي يدعوها الرحبي في عموده الماضي " بفترة الإنفجارات " وهي بحق مرحلة خصبة ولا يمكن لمن أراد التأريخ للأدب العماني المعاصر أن يغفلها ... للأسف فإن شخصـا مثل بندر عبد الحميد لم يبق وكأني بمقولة الصديق القاص بدر الشيدي التي سمعتها منه مرة منذ سنوات " هذه البلد غير محظوظ " تدندن في ذهني اليوم أكثر من الأمس ! *** السؤال الذي يعـكر صفو ذهني أحيانا ولم يعد يقلقني كالسابق قطعا هو ذاك الذي يلطمك به أحدهم ما إن يدخل شقتك الصغيرة المتواضعة ولأنها صغيرة ومتواضعة فأنت مضطر إلى أن تصف كتبك التي تثير انتبـاه الفضوليين والمزعجين ( بمختلف أصنافهم ! ) صفوفا متراصة خاصة إذا كان في تلك الكتب ما يتألف من أكثر من جزء مثل بعض الموسوعات أو القواميس وهكذا تتـوزع الكتب بين المـجلس وغرفة النوم وأحيانا لا يسـلم المطـبخ أو الحمـام من بعضها ... هذه الهيئة اللامعتادة من أكثر أبناء البلاد لا لأنهم يكرهون القراءة ويستصغرون من يمتهنها ولا لأنك قد " لا تسلم من الحسد " كما يقال ولا لأنهم لا يتصـورون أنه يمكن لرزين أن يدفع كل هذا المال في مجرد أوراق ... بل الأهم لأنه من الصعب على ما يبدو تصور وجود كتاب على الرف لم يقرأ فأن يكون لديك خمسون كتابا مثلا فينبغي أن تكون قد قرأتها كلها وهذه بالطبع هي أمنية كل من يشتري الكتاب لكنها في الغالب لا تتحق على الفور بيد أنها تتحقق في النهاية بصورة ما ومن هذه الصور هذا الكتاب " عارنا .. في الجزائر " فإذ أني قد اشتريته قبل أكثر من ستة أعوام إلا أني أقرأه الآن ولا أقرأه فقط بل إنه يدفعني لأكتب عنه ! هل في الأمر ما يدعو للتأمل ... ! *** الحديث عن الكتب إذن ... هكذا دفعتني دار الآداب البيروتية التي نشرت الكتاب بتـرجمة كاتبة تدعى عايدة وصاحب الدار الأستاذ سهيل إدريس اللذين ترجما " عارنا ... في الجزائر " و " الجلادون " لـ هنري اليغ إلى الحديث أيضا عن معرض الكتاب الحالي ( أكتب الآن ولم يفتتح المعرض بعد ) وقبل ذلك عن المعرض السابق فثمة ظواهر تحتاج إلى قليل أو كثير من الحبر ليس فـقط لتسـليط الضوء عليها كما يحب كثير من المسئولين استخدام التعبير بمناسبة ومن دونها مثل تعابيـر أخرى عديدة ( ثمة مفردات أضحت لوازم كرّسها الإعلام دون أن ينتبه إلى معناها أو إمكانية استخدامها هكذا كيفا اتفق مثل " تسليط الضوء و " الإشكالية " !! و ... بعضها لا تحمل ما يراد منها ف " إشكالية " مفهوم فلسفي واسع وعميق الدلالة والمقصود على الأرجح القول " المشكلة " !) بل قبلا لتـفهم الحالة ذاتها من تلك الظواهر ظاهرة جميلة تتمثل في أن المعرض أصبح نافـذة " اقتصادية / ربحية " يمكن للمـعنيين تشجيعـها ،أقصد هنا عمل بعض العمانيين في بعض دور الـنشر ، فعـلى الرغم من أني لا أعول ثقافيا في الواقع في تلمسهم للكتب وإمكانية انتقال العدوى إلى بعضهم عبر اللمس إذ لا تعدو المسألة أن تكون تجـارة إلا أننا إذا فـهمنا أن ثمـة بعض الشباب العاطلين منذ سنوات وهم يجدوا في المعرض فرصة لكسب قوت شهر سيذهب جزء منه في دفع متأخرات ديون سابقة .. إذا كان ذلك صحيحا فإن فوائد المعرض لن تكون فقط معنوية ولن تكون لأولئك الذين لا هم لهم سوى الاقتيات على الأوراق وليس بالضـرورة أن يكون مكلـفا كما يخشى بعضهم بل له مزاياه الأخرى وهذه واحدة منها ! أكتب هذا الكلام وفي ذهني صديقين رأيت للمرأة الأولى ربما في وجهيهما ابتسامة فرح لأنهما سيطولان ستة ريالات في اليوم دفعة واحدة ... ! وثمة ظاهرة أخرى تحتاج هذه المرة لا إلى الضوء بل إلى ما هو أو من هو أكثر نفاذا وتتمثل في آلية التعامل التي يتبعها بعض المسئولين في وزارة التراث والثقافة وبعض المراقبين من وزارة الإعلام مع بعض دور النشر خاصة تلك التي لا تأتلف وما في أذهانهم . إذ لا يحتاج المرء لأن يستمع إلى شكاوى العارضيين من أسلوب التعامل أو من وسائط التلصص على ما تحت الأرفف أو قوائم الممنوعات التي تزداد مع مرور وقت المعرض ، أذكر هذا الحديث أيضا وفي ذهني أكثر من حالة رأيتها بأم عيني كما يقال في المعرض الماضي فثمة تخوف يصعب فهمه أو قبوله من قبل من ذكرت وهو تخوف غالبا ما يكون وهما مفتعلا بحجة لفت الانتباه أو فتل العضلات ليس فقط لأن الخوف من الكتاب لم يعد له ما يبرره بل أيضا لأن كل ما يخطر وما لا يخطر على بال الرقيب وأعوانه من عناوين هي غير بعيدة عن القارئ طالما أنه سمع عنها ورغب باقتنائها .. إذا فهم المعنيون هذا فعليهم أن يكونوا صادقين معنـا ومع أنفسهم فلا يتعاملوا مع بعض الناشرين بجلافة ليست من طبع أهل البلاد ! هل لعنوان سارتر دخل هنا .. أأكد على ذلك ! *** " أريد أن أحذركم مما يمكن أن يسمى " خداع الإستعمار الجديد " إن الإستعمـاريين الـجدد يذهبون إلى هناك مستعمرين صالحين ومستعمرين أشرارا وأن حالة المستعمرات إنما ساءت بسبب هؤلاء الأشرار . والخداع في ذلك – يقول سارتر – يقوم على ما يلي : " إنهم يطوفون بك الجزائر ، ويطلعونك بسهولة على بؤس الشعب وهو بؤس مدقع ويروون لك ألوان الإذال التي يكبدها المستعمرون الأشرار للمسلمين حتى إذا بلغ بك الغيظ ذروته أضافوا قائلين : " من أجل هذا حمل أفـضل الجزائرين السلاح : فإنهم باتوا لا يطيقون هذا الوضع " فإذا انطلت علينا الخديعة خرجنا من ذلك مقتنعين بأن المسألة الجزائرية هي أولا اقتصادية وأنه لا بد من اصلاحات حكيمـة لتقديم الخـبز لتسعة ملايين نسمة إنها بعد ذلك اجتماعية ويجب مضاعفة الأطباء والمدارس وأنها أخيرا بسيكولوجية : إنكم تذكرون " دومان " ونظريته مركب النقص " لدى طبقة العمال" فهو قد وجد في الوقت نفسه مفتاح " الشخصية الشعبية " : إن الجزائري المضطهد الجاهل الناقص التغذية يشــــعر بمركب النقص تجاه أسياده وإنما يمكن تهدئته بمواجهة هذه العوامل الثلاثة : فإذا شبع واشــتغل وعرف القراءة فإنه لن يخجل بعد من أن يكون انسانا – دونا – وهكذا نجد من جديد الإخــوة الفرنسية الإسلامية القديمة ... تلك هي الحجة وقد أجاب عليها زعماء جبهة التحرير الوطنــي بقولهم : " إنا سنحارب حتى ولو كنا سعداء في ظل الحراب الفرنسية " وإنهم على حق – يقـول سارتر – بل ينبغي أن نذهب إلى أبعد مما ذهبوا : إن الإنسان لا يستطيع إلا أن يكون شقيا في ظل الحراب الفرنسية . صحيح أن معظم الجزائرين يعيشون في بؤس لا يحتمل ولكن صـــــحيح أيضا أن الإصلاحات الضرورية لا يمكن أن تتم على أيدي " المستعمرين الصالــحين " ولا على يد " المتروبول " نفسه ما دام يدعي المحافظة على سيادته في الجزائر . والحق أن هذه الإصلاحات ستكون من شأن الشعب الجزائري نفسه حين ينتزع حريته ... هذا ما أود أن اطلعــكم عليه فيما يتعلق بالجزائر ، التي هي للأسف أوضح مثـــال وأبلغه عن النظام الإستعماري . أود أن أريكم صرامة نظام الإستعمار ولزومه الداخلي وكـيف لا بد له من أن يفضي بنا إلى ما نحن عليه، وكيف أن أطهر النيات حين تولد داخل هذه الدائرة الجهنمية تفسد على الـفور . ذلك أنه ليس صحيحا أن هناك مستعمرين صالحين وآخرين أشرارا . هناك مستعمرون وحسب ... " ! هكذا يصرخ جان بول سارتر في احتجاج عنيف وصادم يومها لأبناء جلـــدته قارنا أفعالـهم في مواضع أخرى من "عارنا .. في الجزائر " بوضع الأمة الفرنسية ذاتــها إبان الإستعمار النازي لها ، لكن صرخة سارتر يومها لم تكن شبيهة من حيث النتيجة بصـرخة مفكر بارز لا يقل أهمية عنه هو إدوارد سعيد لمـا يجري في فلسطين أولا وتاليا للانتهاكات التي تطال حقوق الإنسان اليوم في ظل الحمى المسعورة لمــا سمي بمكافحة الإرهاب ، إن سعيد الأمريكي مثل سارتر الفرنسي كلاهما ينتقد بعنف ومرارة أوضــاع ساسة بلده الثاني بالأمس والأول الـيوم بحيث يبـدو للمتأمل وكأن التاريخ يعيد نفسه في شكل ما وليس تماما لأن صدى صرخة سارتر كانت مدوية وضجيجها لم يهدأ حتى بعد وفاته بينما صخب الهياج الحالي يكاد يلغي صراخ سعيد ومع ذلك لا ينبغي التقليل من أهمية النقد الذي يوجهه للسياسة الأمريكية في العالم وبخاصة في فلسطين والعراق وينبغي – وهذه نقطة في غاية الأهمية – النظر بإجلال للمبدأ النقدي الأخلاقي الذي لا يحيد عنه البروفسور والذي دعاه في مواضع أخرى إلى نقد ظواهر سياسية ودينية يسخط منها الكثيرون في العالم العربي ، إذ أن مشاكسة التيار أو الإنشقاق عليه ليست بالعملية الهينة .. من هنا تأتي قيمة مثل هذه الأصوات وسـط أصوات كثيرة في البرية ! إن صوت سارتر بقي حيا في التاريخ والحاضر لا لأننا نستشهد به اليوم فقط بل لأن الساسة الفرنســيين اليوم وهم يتعاركون من أجل الوصول إلى سدة الحكم يتراشقون بما فتح سارتر عليه أعينهم ، كانت كلماته يومها مثار سخط ذوي السلطة أما اليوم وبعد مرور عــقود من الزمن لا تزال تشعل المعارك و تشحذ جذوة الصراع بين الأحزاب المتنافسة .. كأنما لعنة الجزائر حيــة إذا ! وكأن الجنرال لا يزال في متاهته رغم كل هذا الزمن .. لكن للمسألة وجـوها أخر .. فقط لنتذكر أن أطهر النيات يمكن أن تكون فاسدة أيضا