لبنى اذ تكتب سيرتها

.. قبل ان يحين الرحيل

تمهيد

لم تكن مجموعة قصصية فقط ، إنها حالة توجد أنثوي قارب مساحات الروح فتفجر لحظات صدق ، إنها مقاطع من سيرة امرأة باحت بتفاصيلها الكونية ، قاربت أمواج مدها وجزرها في استرسال عميق ، يقترب من الشعر حينا ويتفجر حكايات أحيانا ، كأن المرأة تسكن كل مفردة تتوارى خلفها كما توارت جوخة الحارثي التي عرفناها سنوات خلف اسم جوخة بنت محمد بن خليفة كما تبدى على ظاهر المجموعة ، التي فاجأتنا مرتين : مرة حين عرفنا متأخرين بأنها أصدرت مجموعة قصصية ومرة حين عرفنا متأخرين أكثر أنها فازت بالمركز الثابي في جائزة الشارقة للإبداع العربي ، أثبتت جوخة أنها قلم ناضج وان توارى حينا ، وتجربة ثرية وان قل وقوفها تحت الأضواء.

تضمنت المجموعة تسعة عشرة نصا قصصيا ، وفي العنوان الذي حمل اسم المجموعة "مقاطع من سيرة لبنى إذ آن الرحيل " اندست بضعة مقاطع /نصوص ، كأنها فصل خاص ييمم وجهه شطر المظلم من يوميات أنثى كالتي يحتضنها الحلم ، أو تحتضن الحلم تتدفأ به من قسوة الواقع .

 

المواضع المناسبة

 

المجوعة حالة بحث عن يقين لتكون الأشياء في مواضعها المناسبة ، إذ القلوب الصغيرة تحتاج إلى شمعة تنير العتمات ، تكتب جوخة الوجع المبيت في الغرف المظلمة ، تبدأ بالتقاطه منذ القصة الأولى "المواضع غير المناسبة للأشياء الحقيقية" .. قصة تحمل عوالمها المدهشة تجمع اليقين باللايقين في لحظة استغراق حلمي يمسّد شعر الليل بانتهاك ييم وجهه نحو الحرية لكن عبثية الحدث تمد يدها بوحشية تصادر الحق حتى في استقبال الحلم قبل النافذة ..

 

المرأة تواجه الأسطورة ، مرة كجارية ، ومرة كملكة عبارة عن لعبة ثمينة تفقد قيمتها إذا وصلت إلى يد الطفلة التي تحلم بها ، في القصة الأولى تطل المرأة جارية ترتق ثقوب الحلم بأشياء الرحيل ، تستكين لعبوديتها إذ لا مناص آخر للسفر بالحلم إليه ، " جمعت كل شيء" ومن ثم "أين تذهب ، إنها له" .. هي الأنثى تزنّر أحزمة دهشتها لتبدو يمامة مرة ومرات أخرى نورسة بيضاء حيث الزمن في دوران عقاربه على دائرة حياة امرأة مثخنة بجراحات لا تحتمل ، هذه الأنثى تجلس على حافة الانتظار تغتسل بالصمت : "لقد عاشت طويلا طويلا اكثر مما يحتمل".

تستخدم اللغة الشعرية في رسم الحدث ، محتفية بالألوان كأن اللوحة لا تكتمل إلا بألوان تختارها القاصة بعناية فهي إذ تكتب القصة فإنها ترسم الشخوص والمكان وتضع الألوان على المساحات التي تبارك شاعرية اللغة في حنين دائم بين الجملة الشعرية والألوان المنتقاة حيث اللونين الأزرق والأحمر في تناغمها يكملان الحكاية ، إرهاصات الأنثى تفتتح بهما دور الحكاية ، ترسم بقع اللون في الأسطر الأولى لتكتب الأنثى التي اختارت الإيقاع بها في شرك الحكاية ، في قصة ملكة يبدو اللون بطلا ، هناك مقاربات لونية في يوميات مريم ، في كل سطر من تفاصيل مريم ثمة لون يرفو رتوق أحلام الطفلة ، تتجلى اللغة الشعرية كأن الحدث لن يكتمل إلا إذا جاء قصيدة تناثر مفرداتها ، اللغة ليست بمعزل عن أجواء جوخة الحارثي التي تكتب حكاياتها من عالم يفيض شاعرية ، سجينة كانت أو طليقة ، الحنين للسماء ، في كل قصة تدشن جرحا يلعب دور البطل النافذ ، المرأة هي البطل الموحي فقط لكتابة بقع الجراح ، إنها تفاصيل الكائن المعتق في الغرف الداخلية يبحث في غرفه الداخلية عن أحلام يبدو أنها لا تطل من الداخل بل يأتي الحلم دائما من النافذة ، يبقى الحلم حلما ، حتى إذا لامس الواقع بدا شيئا جافا لا مذاق له ، الشخوص لها علاقة بالواقع لكنها تترصد الوقع عبر زواياها الخاصة ، وربما الأسطورية في كثير من الأحيان ، كأن هناك رابطا سريا بين أسطرة النص والإبقاء على حالة الحلم المخبأ في الداخل كأن بقايا الأساطير .

في قصة ريا (الحمامة أو اليمامة) تتلبس الشخصية وداعة هذا الطائر الرائع ، حمامة على مقعد الدراسة " ريا تطير من النافذة ، تحلق مع سرب الحمائم ، وحين تعثر على مصباح علاء الدين تقول دون تردد : أبغي أما " .. تكبر الحمامة ، تكتشف أنها على الأرض ، تنقش أوجاعها بعيدا لتذوي مع حلم الحصول على شهادة لكن نحو حنان مفقود هو الإحساس به بالتواصل اللامرئي مع الام.

 

تداعيات السرد

 

يتنوع السرد داخل القصة الواحدة متداعيا بضمائر شتى ، قد يغيب صوت البطل / السارد لكن ضمير الغائب / هو السائد إلا من تدخل المؤلفة في إسقاط تعليق بضمير المخاطب / أنت لطرح أسئلة حائرة بفلسفة قد لا تستوعبها الشخصية ، يكمن هذا النموذج في قصة جمل ، فبرغم واقعية الحدث إلا أن اسطرة النص لا مناص منها في لغة جوخة الحارثي التي لا تريد أن تستسلم لمباشرة الحدث دون مزجه برمزية متعددة الأوجه لا تقدمه كوجبة جاهزة وانما عبر طقوس تمنحه ألقا صافيا عبره يمكن الإسقاط والتأويل والبحث عن ما وراء النص في حركة مغايرة لسير الحدث وفي هذه القصة يمكن اكتشاف أن المؤلفة استثنت رصدها المرحلي المباشر لإيقاع الحركة الزمنية داخل نصوصها بقفزة كبيرة في هذا النص ، تستبق إيقاع الزمن لتكشف عن مفاجآت الحدث واحداثياته رغم بقاء المكان باردا وجامدا كأن الزمن وحده يتحرك ، في هذه القصة تناور جوخة الحارثي حركة القص بإدخال القافلة / الجمال كإسقاط غير مباشر على حركة المجتمع التقليدي ، فالبطل يزجي قافلته يحاول أن يجمع ما انفلت من الجمال التي تكونها لكن ك" حين انفلتت أصابعه كانت أخفاف كثيرة تسحقه لتواصل القافلة سيرها" في إشارة إلى جمود حركة الشيخ ، ونص خيوط يأتي لنعي حركة الزمن فهي حالة تذكر لزمن يغيب في سراديب الذاكرة ، كأنها المرايا تعكس صخب الذاكرة المتعبة: "والمسافة بيننا سماء بيضاء ، واسعة، فسيحة، والزمن صارخ الجدة".

 

سيرة لبنى

 

 

مجموعة مشاهد سريعة تشكل مقاطع من سيرة لبنى إذ آن الرحيل ، كأنها قصائد نثرية تكتب الأنثى التي دائما تود معاكسة قدر الرياح ، يؤلمها الواقع فتدخل مدن الرؤيا / الحلم ، هناك حيث العاشق يكتب مع معشوقته حكايا الشعاع الأخضر من الشمس في تداخل شعري يكاد يغيّب الحدث /القصة فربما هي لا تكتب عن محددات لا يمكن القبول بها في حالة المنولوج الداخلي وانما استقصاء حالات تعبر عنها مفردة ذات : ذات ليلة، ذات رؤيا، ذات صباح ، لكنها أيضا استقصاء للافتراق الموازي للمعاناة التي تسم غالبية نصوص المجموعة ، في ذات رسالة تبدأ بعنوان داخلي : في البدء كان النظام ، وتنهيه بالقول : نفترق .. ما المشكلة ؟ .. كل شيء جيد ومنظم ، وبعده عنوان آخر : في المنتصف كانت الحرية تبدأ ب" نفترق ، يا لمباهج الحرية ! وينتهي : " نفترق؟ .. يا للحرية حين لا ننتظر اللقاء.، والروح المتشائمة رغم طاقات الحلم التي تتبدى حينا لا تكاد تخبو في مقاطع سيرة لبنى ، العنوان الداخلي الأخير من ذات رسالة يرى : في الختام كان الصدق " لكن الرؤية معاكسة لقدر اليمامات في نكوصها باتجاه الحلم ، " هذه الأكاذيب الصغيرة عن النظام والحرية تسلية عابثة يا صديقي .. لا تصدق !"

في نهاية مقاطع سيرة لبنية يأتي ذات توهم للختام ، لوحة شعرية :

"وها أنا بعد ما لاح لي

أن كل شيء قد انتهي

استعيد جانبا من الوميض

الغصن يابس في يدي

والذئب على جانب الطريق".

 

المرأة .. اللوحة

 

في مجموعة قصص قصيرة التي تأتي بعد مقاطع من سيرة لبنى تختزل جوخة الحارثي أشكال الوجود الأنثوي فهي عفراء (عروة) الذي حين آب وجد الزمن قد فتت عروته وهي زعفرانة التي انشغلت عن مليكها بطقوس الانتظار وهي أليس في الصورة السحرية إذ الدمع طوفان وهي فتاة صغيرة تمتطي حصانا تحكي للفارس عن عالم لا تلتمع فيه أغنيات الطفولة وهي البنت الخفيفة التي لا بد من تقييدها باغلظ الحبال لان " أبناء الأرض لا يقطنون السماء" وهي المسهدة التي تكتشف أنها "مطوقة ، أسيرة ، مسجونة ، معذبة" وهي صورة الكلمات حين لا يكون له صدى حين تسير على الماء.

اشتغال على كتابة القصة /اللوحة ورشوة القارئ للدخول إلى قراءة اللوحة /القصة ، العناوين تأتي على حالة نكرة للتعبير عن انزواء المرأة كوجه نكرة ، قد يخفت حضور المرأة لكن الدمعة التي تتساءل في محجر العين لا تبعد كثيرا عن وجه المرأة في قصة وظيفة حيث لا يجد الفرح رجلا صالحا للسكنى فيه على نحو متواطئ لمقابلة ذلك بالمرآة الباحثة عن لحظة فرح أو أنها هي الفرح ذاته.

وتبقى هذه الدمعة الأنثوية صدى حارقا يتماوج بين غلافي المجموعة ، بين المواضيع غير المناسبة للأشياء الحقيقية أو بين الأمطار القديمة التي تندي الوسادات عبر حسرات الأعين ، العبارة الأخيرة تختزل كل الحكايات : "كانت تلك مساءات قديمة شحب الآن ، غير أنها أثقلت البنت الضئيلة بعناء السؤال ، وما عادت تأتيها نعمة البكاء كالمطر ، مذ قعدت وساءلت نفسها: لم أبكي ؟

وفي كل مفردة ، حكاية حكاية.

 

شاعرية اللغة

 

وقبل أن تنتهي هذه العجالة من التجوال في مقاطع سيرة لبنى فان إغفال شاعرية النص إغفال لجانب هام في أسلوب جوخة الحارثي الذي ناور بين سردية الحكاية وشاعرية النص دون الوقوع في مثلب الانحياز لأحدهما ، ارتقت بالنص القصصي عبر النص الشعري فتوهجت الحكاية ألقا بهيا صافيا يشد القارئ لاستكمال الحدث مع انسياب وشفافية اللغة ، فالمهم أن تصل الكلمات عبر اللغة ، وكانت اللغة محور الرقي ، في مقاطع شتى تبدد القاصة مزهوة بانشغالها برسم صورة المكان ، بالتقاط تفاصيله، كأن المكان هو صورة المرأة المزروعة في وجدان القاصة، ومع التقاطات الصور المتلاحقة بمفردات شاعرية تكون الطبيعة هي الأنثى ، أي أن المكان هو البطل، صورة البطلة ، كما نلاحظ في الجمل التالية :

"كانت مساربي تتشكل صخورا وتكوينات ساحلية عظيمة الهيبة".

"القمر الموشك على الاكتمال يطل من ذراعي نخلة إلى غرفتي عبر النافذة ورفيقا ينير الفجوات المتكلسة لأرى أني حانقة على انبهاري لا عليه".

"يستلقي نور القمر الواهن فوق ثياب العيد المطرزة بحنان أمي أو زهوها"

"تزحزح أيها النور القمري عن مجاهلي، كم أنت واهن ، ها قد عدت تستلقي على ثياب العيد

"أضئني أيها القمر .. كيف ستصبح الألوان في العالم حين يتسلل نورك إلى ألسنتنا ، فنتخلص من بقعها الداكنة .. حين تبدد ظلام هذه المضغة فقط .. كيف يكون العالم".

انه خطاب النور في ثنايا الكشف داخل المسارب المظلمة ، رفع الأقنعة السوداء بشلالات النور التي يوزعها القمر تنادي : "تعالي بقعة الضوء إلى مغاوري الخفية ومساربي الداجية .. هنا أروم القراءة ، هنا أتوق النور ، ولكن القمر ينزلق في اذرع النخلة ، لا يمنحني نوره ولو بوهن ، اعجز عن القراءة في هذا الضوء الخافت".

في نص مربعات ، ورغم هندسة النص داخل التقاء أربعة أضلاع متساوية إلا أن شعرية اللغة التقت المد الذي اعتمدته جوخة الحارثي لكتابة الشرخ الإنساني في التعاطي الحياتي بين الرجل والمرأة ، هناك شخصية جميل نمر التي تسير داخل مربعات جامدة لا تأبه إلا للمربع/الإطار الذي يحيط بلوحة دنيا ، هذه الأنثى التي تتمنى أن يرى اللوحة الحية وليس الإطار الجاف ، تكمل المربع الذي انطلق منه الحدث في ديمومة النمط الاستهلاكي الممل ، هناك المنبه المعدني يعرفه الرجل /جميل وهناك عصافير في عش نافذة امرأة ترسم اللوحة تأبه للندوب التي لا تمحيها تواترات المراحل.

الختام

الإبداع لا يحتاج إلى تقديم ، وليس معنيا باختلاف النظرات إيجابا أو سلبا ، لقد قدمت جوخة الحارثي رؤاها حول ما شاءت ، وقرأناه كيفما شئنا ، وحين وضعت النقطة الأخيرة على إصدارها صار من حقنا أن نراه ، وأيضا من حقها أن لا تصدق كل ما نراه