تصادي الظلال

 

محمود الرحبي

في لقطة عينية نافذه ، يصف الروائي الجواتيمالي استورياس في روايته ( رامة الشحاذ) عقربا ميتا تزحف به قرى النمل بأنه بدى في زحف تلك النقاط السوداء له من تحته وعلى جانبيه ، وكأنه استعاد الحياة واسترد حركات ذنبه الخطرة وابرتيه 0

الا تمهد الخرافة بذلك لهذه اللعبة ، لعبة بريق الموت في صورة حياة ، على أن احد الفلاسفة القدماء كان يذهب الى أن الحلم ماهو في حقيقته الا الحياة التي نعيشها ، وما الحياة الاحالة من الحلم الطويل ، لانستيقظ منه الافي رحلة النوم هته 0

كان يلقب بالساحر لالتقاء جفنيه ، لم تكن في حياته سوى قصة واحده ، قبل أن يعترش احدى النخيلات المطلة على ساقية يحفها شخيب الماء وهسيس الجداد وظلال الظهيرة الزاحفة من أساسات بيوت الطين وأكمات الحقول المتشابكة ، مبتركا رقعة سعفية التصقت حوافها مع الزمن بالطين وغاصت فيه ، واللذين مشوا طويلا يعبرون عليه بأعين متعبة ، واللذين يعرفونه يبذرون صحونه بما حملته أيديهم وظهورهم ، ولأنه مسلول ورجليه ذابلتين فلا يقترب منه الا الغرباء وقلق الأطفال0

فمه مطبق ، ونظرتاه حالمتان ، يموج فيهما ظلان ثخينان يشبهان جذعين نافرين من سقف بيت قديم 0

تبدأ حكايته عندما هجر قريته باحثا عن عمل ، الى احدى قرى السودان ، حين كان صبيا يبيع على اطلالتها ، في كشك بناه له القرويون ، قصع الموز الناضجة ، فكان يؤتى لهبما تجنيه تلك القرى من موز ليبيعه ، ليبقى وحيدا فاتحا اذنيه لضجيج الريح 0

وذات يوم ، حين هطلت حبال الغروب ، وبدأ في اغلاق حانوته، الذي ينام في جوفه ، جاءه أحد العابرين وطلب منه تفاحة ، ولأن تلك القرية لاتزرع تفاحا ولاالقرى المجاورة ، ولأنه لم ير تفاحا منذ زمن ، فقد رفض طلبه ساخرا وشرع في اكمال اغلاق حانوته0

انسحب العابر بعد ذلك ، وسكنت صورة التفاحة رأس البائع ، وبينما هو يصر عتل الموز لادخالها الى جوف الحانوت ، سطع من احداها بريق تفاحة حمراء 0

اقشعر ظهره وتنملت مفاصله ، فارتعشت التفاحة في قبضته، وتلفت باحثا عن العابر فلم يجده

وتنتهي الحكاية ، بأنه حين فلق التفاحة وجد في جوفها خاتما ، وحين مسحه ند منه صوت رفيق ، سائلا منه مراده ، فأمره أن يخرجه من هذه القرية ويعيده حيا الى قريته 0