في الطريق السماوي بين مسقط وأبوظبي (الحلقة الأولى

محمد الحارثي

القرية الإلكترونية قبل ما يربو على الشهر غادرت مسقط إلى أبوظبي بدعوة شخصية من أمين عام المجمع الثقافي في أبوظبي الأستاذ محمد أحمد السويدي للمشاركة في مشروع رائد لإحياء أدب الرحلة العربية قديما وحديثا. ربما فاجأتني الدعوة، كسائر المثقفين العُمانيين الذين لا يُدعون، في الغالب، إلى أية فعالية ثقافية خارج البلاد لغياب مؤسسة ثقافية حُرة تجمع شتات أرواحهم وأحبارهم، إلاّ من رحم ربي بدعوات شخصية من مهرجان في أصيلة أو جرش أو المربد أو القرين أو الجنادرية أو.. أو... ونظراً للاهتمام الشخصي من الأستاذ محمد السويدي بإعادة إحياء أدب الرحلة العربية إلى حيث يجب أن تكون بحثاً وتوثيقاً وتعريفاً ونشراً، فقد أُنشِئتْ مؤسسة مستقلة عن نشاطات المجمع الثقافي تُدعى "القرية الإلكترونية" يديرها ويحركها بهمته وديناميكيته الصديق الشاعر نوري الجراح. وقد لمستُ جهداً كبيراً في جمع شاردات وواردات الرحلات العربية من كل حدب وصوب: الجامعات الأوروبية العريقة في برلين، لندن وباريس، أسواق الكتب القديمة في بغداد، القاهرة، دمشق، اليمن، اسطنبول وما انفرط حديثاً من عقد الاتحاد السوفيتي كـ بخارى وسمرقند. وربما كنتُ، كما قال لي الصديق نوري الجراح، أول من تُسجل رحلاته إلى زنجبار، فيتنام والجزر العذراء بين الأمريكتين على أقراص ليزريّة مدمجة وكاسيتات، فضلاً عن نشرها لا حقاً في موقع "الوراق"، لتُنشر أيضاً ككتاب في سلسلة جديدة خاصة برحلات الكُتاب العرب المعاصرين، تُدعى "السندباد المعاصر"، إلى جانب رحلات الروائي والجراح السوري المقيم في باريس الدكتور خليل النعيمي وعبدالكريم جويطي الكاتب المغربي المهتم هو الآخر بالرحلات إلى جانب ترجمته لبعض أعمال الكاتب الإسباني خوان غويتيسولو إلى العربية، فضلاً عن تسجيلي، إلى جانب الرحلات الثلاث، لمنتخبات من القصائد ستصدر هي الأخرى في قرص مدمج، ضمن مشروع "الكتاب المسموع". ويعتبر موقع "الوراق" من أهم المواقع المهتمة بالثقافة العربية، بل أنه ربما كان الوحيد المعني بنشر أمهات كتب التراث إلكترونياً على الشبكة العنكبوتية. فهو الموقع الذي أتاح لكثير من الباحثين متعة تقليب أوراق مراجعهم الصفراء إلكترونياً أينما كانوا على سطح هذه المعمورة في صقيع آلاسكا أو صحراء كالاهاري أو حتى تخوم الربع الخالي، هذا إن لم يكن الباحث المعني بـ "معجم البلدان"، "تهافت الفلاسفة"، "الأحكام السلطانية"، "يتيمة الدهر"، "الفتوحات المكية" أو "التقاسيم في معرفة الأقاليم".. إن لم يكن متواجداً في مدن كـ سياتل، القاهرة، شنغهاي، باريس، استوكهولم أو سيدني للحصول على المعلومة التي يشاء في غضون ثوان معدودات، دونما حاجة به إلى ضنى البحث عن كلمة أو مقولة أو بيت من الشعر في أكوام من الأوراق قد تثنيه عن قصده بعد ساعات من التقليب المُمل لباحث اليوم؛ الحريص على ثوانيه ودقائقه. في بوتقة رجال الأعمال لم تصلني بطاقةُ السفر إلا في اليوم الأخير، عندما علمتُ بهاتف من نوري الجراح أن سفري هذه الليلة في الحادية عشر مساء، وأن تذكرة سفري قابعة إلكترونياً في مكتب طيران الخليج. قلتُ لنفسي لم لا تستفيد من خدمات الإلكترون وتطلب منهم هاتفياً تحويل بطاقة السفر إلى مكتبهم في المطار عوضاً عن الذهاب إلى مكتبهم الرئيس في روي، لا سيما أن الوقت ضيق وعليّ القيام بعدة أعمال ومشاوير لا علاقة لها بالرحلة. اتصلت بهم وطلبتُ من فتاةٍ كان مزاجها رائقاً أن تعطي إشاراتها الإلكترونية لاستلام تذكرة سفري من مطار السيب الدولي. تأخرتُ قليلاً في إجراءات استلام بطاقة السفر من مكتب طيران الخليج في المطار، لكنها أسعفتني في إجراءات المغادرة لأنها كانت، كما أخبرني الفتى الفليبيني الناعم: "بيزنيس كلاس تيكيت"، تنعّمتُ فيما بعد بفوائدها في قاعةٍ خاصة بركاب الدرجة الأولى ودرجة رجال الأعمال في المطار. لكنني تساءلتُ، بيني وبيني، هل أنا كذلك؟ هل أنا رجل أعمال؟ هل أنا ثري أو مسؤول كبير؟.. فهو امتياز أسقطته من حساباتي قبل ما يربو على العشرين عاماً، وما زلتُ وفياً له، هبوطاً وصعوداً في خيوط المتاهة، بمرافقة عامة الناس والاستمتاع بإمتاعهم ومؤانستهم قرب ذيل كل طائرةٍ انتعلتُ بين المشرقَين والمغربَين. لكن للتغيير محاسن مصادفاته بين فينة وأخرى. مصادفة الشيخ الضرير في صالة ركاب الدرجتين الأولى ورجال الأعمال، راقبت عن كثب اختلافي عنهم واختلافهم عني مظهراً ومخبراً، لكن حقيبة يدوية تبدو كحقيبة "لاب توب" كانت بحوزتي شفعت لي، أخلاقياً على الأقل، بالتواجد هناك. هكذا تماهيتُ في تلك المقلاة كالزُلال في صَفاره، وحسبتُ أن طلب كأس وقراءة عدد من "الإيكونوميست" كان ملقى على الطاولة كافيان لارتداد العيون إلى مآقيها، فضلاً عن سحر حقيبتي السوداء التي لم تكن من الجلد الأسود أو البنّي الثمين، وإنما من القماش القطني البسيط. لكن دخول الشيخ الضرير إلى تلك القاعة قلب المعادلة رأساً على عقب، ليس في ذهني، ليس في تلك الصالة، وليس في الميكروباص الخاص بركاب الدرجتين الفارهتين (حيث التقطت عدسةُ عيني رجلاً ثرياً كبير السن صحبة حسناء لم أفلح في تذكر ملامحه).. وإنما في بطن الطائرة حين وجدتُ نفسي في مقدمة مقاعد درجة "رجال الأعمال" حيث التقطت عدسةُ عيني، هذه المرة، الشيخَ الضرير في آخر مقعد من مقاعد الدرجة الأولى في الجانب النقيض لمقعدي. وكما هو المعهود الذي لا يعهده ركاب الدرجة السياحية قُدمت المشروبات الترويحية لركاب الدرجتين الأماميتين قبيل إقلاع الطائرة، وكان شيخنا الضرير واحداً من المتلذذين بها برتقالاً بلا راح. مع أحمد بن الحسين لم تكن رحلةً صباحية لألتذ بفاكهة الطبيعة العمانية وجيولوجيتها الغامضة الفتانة، لكنها مع ذلك سمحت لي بمحاولة محاذاة الساحل استدلالاً بزهرة الخيال وبأضواء الطريق التي تنقطع أحياناً لتسامرني في أحايين أخرى بين السيب، بركا، صحار ودانة الدنيا دبي. وكما التذَّ الشيخُ بانفراده في آخر مقعد من مقاعد الدرجة الأولى، تلذذتُ بحسنات المفارقة: استراحة الشيخ الضرير في مقعد وثير بين السماء والأرض، خارج منبره الحيوي، حيث أتحَف، وما زال، مُريديه ومحبيه بحافظته الفذة فقها وأدبا ولغة. فجأةً وجدتُ نفسي بين شعورين جامحين: أن أترك الشيخ في مُتعه الآنيّة بين عصير البرتقال وفاكهة الأناناس والكيوي، بُعيدَ أطايب "طيران الخليج" في الدرجة الأولى من سمك السلمون المدخن إلى الشرائح المحمصة والمزينة بالكافيار.. أو أن أشاكس استراحته تلك ولو ببيت من الشعر لصديقي وصديقه أحمد بن الحسين أبي الطيب بخطوةٍ ستغفرها لي النادلة الايرلندية في اقتحام غير محمود بين الدرجتين الفارهتين يُفضلُ من هو على شاكلتي أن يثني شعرة معاويتهما الهشّة (انتصاراً، على الأقل، لندمائه وجلسائه في الدرجة السياحية في رحلات سابقة ولاحقة) وهكذا كان. فبينما كانت الطائرة تودعُ أضواء مدينة دبي اقتراباً من أبوظبي، خطوت باتجاهه سائلاً (دون التسليم عليه حتى..): - ما الذي قصده يا شيخنا أحمد بن الحسين بقوله: "أي مَحلٍّ أرتقي أي عظيم أتقي وكل ما قد خلقَ اللهُ، وما لم يخلق مُحتقَر في همّتي كشعرةٍ في مفرقي" فأجابني بين سماء الله وأرضه: - هذا من أخلاط الشعراء، ومما لا يُعتد به. غير عارف من أكون، بطبيعة الحال، ولا كيف اقتحمتُ خلوته تلك. لكنني، مُشاكساً اقتضابه في الرد، سألته من جديد: "وما تفسيرك يا شيخ، ونحن بين أرض وسماء قد لا نصلُ جسداً وروحاً واحدةً منهن، ما تفسيرك لقوله: وكل ما قد خلق الله وما لم يخلق.. إلى آخر البيت؟" عندها اتكأ الشيخ على عصاه بيقين العالم المرفرف بين سماء وأرض: "يقصد أبو الطيب المتنبي، هنا، ما قد خلق الله من الموجودات. أما قوله (ما لم يخلق) في عجُز بيته فهو: ما لم يخلق الله بعد، أي: ما هو في طريقه إلى الخلق، في استطراد واستخراج يعهده الفقهاء عن أنفسهم في تأويل ما يُؤول وما لا يُؤول. سمحتُ لنفسي (في استدراك لا أحسنه إلاّ لماماً) أن أذكِّره ساعتئذ (حيث لا ساعة ولا زمن) بصديقه شاعر الشرق، عندها نهض الشيخ من مقعده الوثير مسلماً ومستدركاً ما فات: "أأنت ابنه محمد؟" قلت: إن شاءت بصيرتك. قال: كيف لا؟.. كيف لا؟.. فيما يضغط على أصابع يدي، بقوة الضرير في تحيته، سائلاً عن أحوالي، تاركاً رجال الأعمال والأثرياء من ركاب الدرجتين في اندهاش لا يُفسر قيام الشيخ من مقعد بين السماء والأرض لتحيتي، أنا الذي كنتُ أبدو لهم في مكان كذاك: "غريب الوجه واليد واللسان"، كما قال أحمد بن الحسين، أيضاً. رغم أنهم (في زمن كزمان تمناه المتنبي قبل ألف عام) هم الأقرب إلى الغَرابة والاستغراب من وجودهم هناك. لكنها سُنتهُ في خلقه، إن استللتُ من فم الشيخ آيةً بين السماوات والأرضين. مَلِكان ومتاهتان عدت، بعد أن ودعتُ الشيخ، إلى مقعدي ذاهباً (فيما أرى غلالة الصحراء تتراءى من علٍ) في تفاصيل قصة للكاتب الأرجنتيني الضرير خورخي لويس بورخيس عنوانها "ملكان ومتاهتان"، وفحواها أن ملكاً من بابيلونيا دعى ملكاً من صحرائنا هذه لزيارته ولعقد حِلفٍ استراتيجي بين إمبراطوريّتيهما، وقد خان الملك البابلي تحالفه مع ملك جزيرة العرب وحبسه في متاهة نحاسية معقدة الصنع كل باب وممر فيها لا يفضيان إلاّ إلى أبواب وممرات لا متناهية. لكن الملك العربي، بقدرة قادر، كما يروي بورخيس، خرج من تلك المتاهة وعاد سالماً غانماً إلى قومه. ودائماً كما يروي بورخيس (فيما كانت محركات طائرتنا تزأر بمشقة الاقتراب من تخوم الصحراء) أوفد الملك العربي بعد انتصاره على ملك بابل في معارك عدة ليزوره في صحرائه إتماماً لحِلفهما واتفاقهما القديم. رحّبَ ملك بابيلونيا بالدعوة واستقبله الملك العربي في قصره البسيط المنبسط انبساط صحرائه، واقترح على ضيفه رحلة صيدٍ، كما يفعل الملوك ترحيباً بضيوفهم. وفي الصحراء، صحراء الربع الخالي في الغالب ترك الملكُ العربيُّ وحاشيتهُ ضيفَه ملك بابيلونيا قائلاً له: "لقد صنعت لي متاهة من النحاس لا يخرج حتى الفأر منها، وكانت تلك متاهتك. لكنني سأتركك اليوم في متاهتي هذه، هذه الصحراء حيث لن يحدك قيدٌ أو وجهةٌ أو مبتغى، إن شئت. وسنرى، متاهة من منا أكثر مكراً: متاهتي أم متاهتك؟ وبالطبع مات عطشاً ملكُ بابل قُبيل التصاق عجلات طائرتنا بمدرج مطار أبوظبي. مسقط، مارس 2002