تعقيب على ندوة المؤسسات الثقافية

محمد الحارثي

ما مصير المائة وعشرين ألف ريال؟

 

سأتخذ في تعقيبي هذا على ندوة عُمان الثقافية من مؤسسة "النادي الثقافي" نموذجاً لحالة المؤسسات الثقافية في بلادنا وعلاقتها (أو عدم علاقتها) بالمثقف، عبوراً على ملاحظات لا بد منها للرد على كل من الأستاذ خالد الغساني (مدير عام الثقافة بوزارة التراث والثقافة) والأستاذ هلال العامري (مدير عام النشاط الثقافي والاجتماعي بالهيئة العامة لأنشطة الشباب والرياضة) والأستاذ سعيد الصقلاوي (ممثل النادي الثقافي) في إجاباتهم على أسئلة مُديرَي الندوة الصحفيَّين والكاتبين محمد بن سيف الرحبي و محمد بن سليمان الحضرمي، تلك الندوة التي نُشرت على ثلاث حلقات في الصفحات الثقافية لصحيفة عُمان بتواريخ 27، 28، 29 إبريل 2002

فـ "النادي الثقافي" هذا، كما سبق لي القول في ملحق عمان الثقافي وفي صحيفة "القدس العربي" اللندنية يعيد إلى خزينة الدولة مبلغ ربع مليون دولار، وهو مبلغ كما أخبرني أحد الإخوان أقل من المبلغ الحقيقي بالريالات العمانية، فهو مبلغ يصل (على عُهدة الراوي) إلى مائة وعشرين ألف ريال!، وليس مائة ألف ريال فقط!

وشكراً لممثل "النادي الثقافي" اعترافه، على الأقل، بالمائة ألف ريال عُماني، التي كما قال، بالحرف، ساقطاً في زلة لسان كبرى، رداً على سؤال بسيط: أين تذهب تلك المائة ألف ريال؟

 

"نعم صحيح كلها تشغيلية.. يخرج منها مرتبات الموظفين والإيجار وفاتورة الكهرباء والمياه"

(شكراً لاعترافه بها على الأقل، ولتصحيحه معلوماتي التي اقترحَتْ أنها تُعاد بالكامل إلى خزينة الدولة!)

والسؤال البديهي الذي يطرح نفسه هنا

 

هل مبنى "النادي الثقافي" مُؤجّر كما صرّح سعيد الصقلاوي؟

أم أنه هبة من سلطان البلاد؟

هل يحق له الادعاء في ندوة صحفية أن مبنى "النادي الثقافي" مؤجَّر، في حين يعلم هو قبل غيره أنه ليس كذلك

ولو افترضنا أنه مُؤجّر هل سيزيد الإيجار عن مبلغ 12 ألف ريال عُماني سنوياً؟.. وكم عدد الموظفين والحراس (وهم بالكاد يتجاوزون الخمسة أفراد) حتى تستأثر رواتبهم بجُل المائة ألف ريال؟.. ثم أن المبنى مغلق، كما هو معروف، معظم أيام السنة، فكم علينا أن نتوقع فاتورة الكهرباء والمياه بحسبةٍ أبسط من بسيطة؟

وقبل هذا وذاك، هل خُصصت تلك الميزانية، أصلاً، لتكون "تشغيلية"؟ أم أن الهدف الأساس منها هو خدمة الثقافة والمثقفين؟

ولماذا استطاع "النادي الثقافي" في السنوات السابقة، وفي ظل إدارات سابقة (بميزانيته التشغيلية تلك) أن يحشد في مهرجانين يتيمين للشعر جُل شعراء العربية؟.. فضلا عن بعض المدعوين بصفتهم الشخصية: (عبد الوهاب البياتي، نزار قباني، أدونيس سعدي يوسف، سميح القاسم، سركون بولص، قاسم حداد، أمجد ناصر نوري الجراح، أحمد عبد المعطي حجازي، محمد القيسي، محمد جبر الحربي عبد الرزاق عبد الواحد، محمد علي شمس الدين، المنصف المزغني.. إلخ القائمة)..

ولماذا تراجع فيما بعد عن ذلك التقليد الحميد؟

ولماذا استضافت بلدية مسقط ما يمكن أن ندعوه المهرجان الثالث للشعر العربي في مسقط، بعد أن تخلى عنه "النادي الثقافي؟ وما هي الجهة أو الجهات التي اعترضت على بادرة بلدية مسقط لتكريم الشعر والشعراء؟

ولماذا منع نائب رئيسه التنفيذي أمسية تضامنية مع الشعب الفلسطيني حضرها جُل المثقفين والأكاديميين قبل ثلاثة أسابيع؟

ولماذا لم تعتذر إدارته عن ذلك السلوك المُشين خُلقاً وثقافة؟

أسئلة تطرق باب البال بقوة حين نسمع من ممثل النادي قوله ذاك.

 

 

من المسؤول عن إهدار ميزانية "النادي الثقافي"؟

 

إذا كانت هذه الميزانية الهائلة "تشغيلية" حسب تعبير سعيد الصقلاوي، فما الحاجة لـ "تشغيل" مبنى لا يقدم للمثقفين العمانيين شيئاً على الإطلاق؟.. عدا وقوفه وقعوده حجر عثرة أمام طموحاتهم.

وهل يستطيع "النادي الثقافي" الصمود أمام المسائلة القانونية في كيفية تصرفه بالمائة ألف ريال؟ (إذا افترضنا أنها مائة ألف فقط)

ثم أننا في زياراتنا المختلفة لم نر أي أثر لأية صيانة (حتى المقاعد الحمراء في قاعة المحاضرات هي نفسها، لم تُغير ولم يُضف إليها كرسي واحد بخمسة ريالات)، عدا ما تناهى إلى أسماعنا من تغيير طفيف لديكور غرفة كبار الضيوف. التغيير الذي كلف سبعمائة ريال عُماني فقط، لكن نائب المدير التنفيذي للنادي عبدالله الشنفري أصر على فاتورة (كوتيشن) أعلى بمبلغ ألف ومائتي ريال

هل هذه هي الصيانة التي يتحدث عنها ممثل "النادي الثقافي" في تلك الندوة؟

ووفقاً لما قرأناه في تلك الندوة التي افترشت ثلاثة أعداد من صحيفة عُمان، نعتقد أنه من الضروري بمكان تكوين لجنة محاسبةٍ وتَقَصٍّ مُحايدة لمعرفة المصير الحقيقي الذي تُهدر فيه ميزانية "النادي الثقافي"، باسم الثقافة وباسم المثقفين.

 

 

"النادي الثقافي"، للأسف، ليس سوى طابات وطاولات "سنوكر" للمراهقين

 

من الغريب، في تلك الندوة، أن يُعيّر ممثل "النادي الثقافي" جمعية الفنون التشكيلية بأنها وُلدت كبذرة تشكيلية في "النادي الثقافي"، من الغريب أن تُعير تلك الجمعية الناجحة بجهود الفنانين العمانيين.. الناجحة، في الحقيقة، منذ انفصالها عن "النادي الثقافي"، لأنها لو ظلت حبيسة في ردهاته وبين أحضانه لما حققت ذلك النجاح. بل ربما سيصابُ أعضاؤها الفنانون بالخَرف المبكر لاعبين "السنوكر" في ردهات النادي مع روّادِهِ المراهقين

(تلك الرياضة الفكرية التي لا يُمكن ممارسة سواها بين ردهاته، كما يبدو)

كما أنه من الغريب أيضاً أن يشن ممثل النادي الثقافي في تلك الندوة هجوماً على مؤسسة عُمان للصحافة والأنباء والنشر متهماً إياها بالتقصير في نشر إبداعات المثقفين. من الغريب تبريره عدم قيام مؤسسة "النادي الثقافي" بدورها الطبيعي (ولا نقول الطليعي) في نشر تلك الإبداعات، بحجة واهية: عدم وجود بند لذلك

والجواب ببساطة: لم لا تُوجِدون أنتم، إن كنتم حريصين على المثقفين، لم لا تُوجدون أنتم ذلك البند الأساسي، كما هو معروف، في أية مؤسسة تطلق على نفسها مُسمى: "مؤسسة ثقافية؟

هذا ليس دور مؤسسة عمان للصحافة والأنباء والنشر، وإنما دور وزارة التراث والثقافة ودور "النادي الثقافي"، إن كان له أي دور سوى دفع مصاريفه "التشغيلية" بمائة وعشرين ألف ريال عُماني في العام الواحد

 

 

هل دعوت محمد الحارثي يا مدير عام الثقافة؟

 

يتكئ مدير عام الثقافة الأستاذ خالد الغساني في إحدى إجاباته على حقيقة أن: "هناك مثقفون محسوبون على الثقافة (وهذا صحيح 100%) إما بصفتهم الوظيفية أو بصفتهم الإبداعية.. فمثلاً سعيد الصقلاوي الذي يشاركني الحديث في هذه الندوة محسوب على الثقافة بصفته شاعراً وله العديد من الإصدارات.. وكذلك الأستاذ هلال العامري مدير دائرة النشاط والاجتماعي بالهيئة العامة للأنشطة الشباب الرياضية والثقافية.. فهو شاعر وكاتب.. ويتحدث ليس بصفته الرسمية بل بصفته الثقافية.. نحن الآن كلنا نتحدث باسم المثقفين واسم المؤسسة الثقافية.. فهل حديثنا فيه تجني على الثقافة والمثقفين"

وأقول له: نعم، يا خالد الغساني. في حديثك أكثر من تجنٍّ

فأنت تقول: "نحن نتحدث باسم المثقفين واسم المؤسسة الثقافية، متسائلاً إن كان في حديثك تجن على الثقافة والمثقفين؟"

ومن فَمِك أدينك: نعم، تجنيت على المثقفين لأنك سمحت لنفسك الحديث باسمهم، ولا يهمنا تجنيك على المؤسسة الثقافية، فذلك شأنك معها. لكن لا يحق لك أبداً التحدث باسم المثقفين العُمانيين، لمجرد مجاملة رفيقيك في الندوة

ونحن نسأل: ما الذي قدموه هم بصفتهم المزدوجة: مثقفين/مسؤولين؟.. سوى إلقاء التهمة (هكذا، على عواهنها) على كاهل المثقف العُماني الذي لا يكتفون بتحميله فشلهم وفشل مؤسساتهم بل يستَجدون، أيضاً، حضوره إلى مكاتبهم المكيفة الهواء بـ "اقتراحات" قد تطوّر ملكاتهم الإدارية.

هل هذا هو دور المثقف الحُر: تقديم ما يشبه التقارير المغلفة بمفردة "اقتراحات"؟

ألا يشعر هؤلاء بالخجل؟

ثم يلقون، بعد هذا وذاك، عباءة التهمة عليه ذلك الكائن الأعزل من كل شئ في هذه الحياة إلا موهبته؟.. فيما يتمتعون هم بمزايا مناصبهم، وينصّبون من أنفسهم حكاماً ومحامين مدافعين عن الحالة الثقافية المؤلمة في هذه البلاد، بسبب وجود أمثالهم على رأس تلك المؤسسات؟

أليس غريباً أن تقول يا أستاذ خالد الغساني:"مَن مِن المثقفين طرق أبواب المؤسسة الرسمية ليقدم أفكاراً وخططاً تخدم مسيرتها الثقافية"؟.. ناسياً أن المتعارف عليه هو أن تدعو المؤسسة الثقافية المثقفين، أن تتصل بهم هي، وأن تدعوهم على الأقل للحضور (لا للمشاركة) في مهرجاناتها الشعرية، لا أن تتعالى هي عليهم، طالبةً منهم تقديم "تقارير ثقافية" تستفيد منها هي وموظفوها، لا المثقفون، بطبيعة الحال، ولا الحالة السّريرية المُزمنة للوضع الثقافي

هل سبق لك أن دعوتني، مثلاً، أنا محمد الحارثي، إلى مهرجان أو فعالية قامت بها مؤسستكم؟.. أم أنكم كنتم السباقين إلى إخفاء عناويننا وهواتفنا حتى حين تأتينا الدعوات من الخارج؟..

هل فاتك أنهم في القاهرة، الدار البيضاء، باريس، عَمّان، صنعاء، أبوظبي، الدوحة قد تعلموا من تجاربهم المريرة مع مؤسساتكم تقنيةَ اتصال بسيطة: إيصال دعواتهم إلى المثقفين العُمانيين بطرقهم الخاصة؟

 

***

 

إذا كان الوضع هكذا على لسان المثقفين/المسؤولين في تصريحاتهم، فكيف يُتوقَّع (بضم الياء، وفتح الواو – بانية الجسور الخالدة) أن يساهم المثقفون الحقيقيون في أية فعالية؟.. وهم المُهمّشون سلفاً في أية فعالية تختار لها المؤسسة الثقافية "أنكر الأصوات"، إن لم يَطِبْ لنا، تسامُحاً، تتمة الآية القرآنية.

وبعد ذلك يتهمون ويتساءلون: لماذا هذا العزوف والتعالي من المثقفين تجاه المؤسسة الثقافية الرسمية

 

 

 

سعيد الصقلاوي يتمنى للمثقفين الفاقة والفقر، وينسى نفسه

 

يلاحظ المرء طوال فقرات ذلك الحوار مدى انزعاج الشاعر سعيد الصقلاوي (ممثل النادي الثقافي) من فكرة الدعم المادي للإصدار العُماني. فهو القائل بالحرف: "علينا أن لا نُسطّح موضوع الحوار ونتحدث عن الدعم المادي فقط وكأنه مُعول عليه دون غيره.." مستطرداً: "لا يمكن أن نُلزم المؤسسة الرسمية بتبني إصداراتنا.. المؤسسة الثقافية العُمانية ليست مُلزمة بتبني أي إصدار أو شراء أي منها"

وكما نرى، بوضوح لا غُبار عليه، أنه يغلق الباب والدريشة أمام أية "مؤسسة رسمية" أو "مؤسسة ثقافية عمانية" قد يخطر في بالها دعم كتابات المبدعين سواء بالنشر أو بشراء نسخ لمكتباتها، معتبراً هكذا فكرة يطرحها مُحاوِراه تسطيحاً للحوار!.

مستطرداً ومُستشهداً، في ذات الفقرة، بالشاعر المصري عبد الحميد الديب قائلاً: "ثمة شعراء مبدعون ماتوا فقراء من مثل عبد الحميد الديب الذي مات فقيراً مُعدماً، لكنه أبدع في كتاباته الشعرية ولم ينتظر معونة من أية مؤسسة ثقافية.. لقد رحل وبقيت إصداراته شاهداً على حياته الأدبية.. ومن فقره كان يلتحف الجرائد ويتوسد الكتب"

وقبل أن نسأل سعيد الصقلاوي (ممثل النادي الثقافي) نسأل سعيد الصقلاوي/الشاعر إنْ سبق له والتحف الجرائد وتوسد الكتب؟

نسأله

أهذا هو المصير الذي تتمناه لكل المثقفين في عُمان؟

مصير عبد الحميد الديب

نسأله شاعراً، لا مُمثلاً للنادي الثقافي يستشرس في دفاعه عن مصير المائة ألف ريال

 

أما مدير عام النشاط الثقافي والاجتماعي بالهيئة العامة لأنشطة الشباب الرياضية والثقافية هلال العامري، فهو أقل تواضعاً من زميليه في تلك الندوة (رغم طول مُسماه الوظيفي) حين حجّم وقَزّمَ دوره ودور مؤسسته في الفقرة التالية من الندوة: "كل المؤسسات تقدم حسب موازناتها.. وأنا أتحدث عن الهيئة العامة لأنشطة الشباب الرياضية والثقافية.. حيث تقوم هذه المؤسسة بدور كبير في الاهتمام بالمثقف الناشئ.. إذ يجد نصه منشوراً في كُتيّب يوثق نتاج الهيئة الثقافي، وربما يقرأ نصه الأدبي منشوراً بجنب نص آخر لأديب خليجي أو عربي"

ولا نعرف، بعدُ، ما الذي سيدفع أديباً خليجياً (كـ قاسم حداد، مثلاً) أو عربياً (كـ نجيب محفوظ) لينشرا نصهما في الكُتيّبات التوثيقية لـ الهيئة العامة لأنشطة الشباب الرياضية والثقافية جنباً إلى جنب مع "المثقف العُماني الناشئ"

 

 

لم يطلب أحد منك معاشات ضمان اجتماعي يا مدير عام الثقافة

 

في رد على سؤال عن "السر في انفصام وقطيعة المثقفين والمؤسسة الثقافية، يجيب هلال العامري بخطاب المُنظِّر والمُحلل: "أظنه مرض التعالي الذي يُصاب به المثقف في مشوار حياته الأدبية.. ثم الولع بالكتابة الجديدة وعدم الالتفات إلى إنجازات ومشاريع الآخرين على اعتبار أنه مجرد ركام ثقافي لم يعد صالحاً"

وهنا سأسأل الأخ هلال العامري، من باب الطرافة لا أكثر

كيف يمكن لـ "الولع بالكتابة الجديدة" أن يكون سبباً في القطيعة بين المثقفين والمؤسسة الثقافية؟.. إلا إذا كانت تلك المؤسسة هي المصابة بـ "مرض التعالي" الفارغ على المثقف، وبتخلفها عن مشروعه المتقدم، ضرورةً، على مشروعها. والمنجز المعرفي سرداً وشعراً لكل من: أبي مُسلم البهلاني، سليمان بن سليمان النبهاني، ابن النظر، السيدة سالمة بنت سعيد، عبدالله بن علي الخليلي، ابن دُريد، جمعة بن سليم الحارثي، ابن النظر، نور الدين السالمي، علي بن سالم الحجري، الخليل بن أحمد الفراهيدي العُماني.. لم يكن ولن يكون "مجرد ركام ثقافي" في نظرنا، بل هو في صُلب مشروعنا الثقافي، في صلب مرايا هذا الولع بالكتابة الجديدة، في بئرها العميقة وبؤرتها التجديديّة الخلاقة. إلا إذا كنت تقصد بـ "مشاريع الآخرين" مشاريعك الشخصية، فذاك أمرٌ آخر سيحاسبك عليه التفعيليّون أنفسهم، ولا أظنك ستحتاج، ساعتئذ، إلى جَرّة مداد واحدة من دَواة "الولوعين بالكتابة الجديدة"

من الطريف أيضاً، أن الأستاذ خالد الغساني كان المُبادر للتعقيب على فقرة هلال العامري تلك، مؤيداً بل ربما مُفسراً كلامه: "إن هذه القطيعة لا نجد لها مبرراً ومسوغاً.. المؤسسة الثقافية تعاني من قطيعة بعض الأسماء التي نعتقد أنه ينبغي عليها أن تتواصل معها لأنها تعتد بنتاجاتهم.. لذا نناشدهم أن يتعاونوا مع المؤسسة الثقافية.. نريد من الأسماء البارزة في الساحة الشعرية أن تتواصل مع الأجيال الجديدة

إن المؤسسات الثقافية وُجدت من أجل المثقف ودعم مشروعه الثقافي الدعم الذي يستحقه، ولم توجد من أجل أن تقدم معاشات كضمان اجتماعي لهم"

وأسأل خالد الغساني، قبل أن يتهافت (أبعده الله عن تهافت الفلاسفة).. أسأله قبل أن يتهافت في تعقيبه المُصحِّح، ضمناً، لخطاب زميله هلال العامري، أسأله

هل يستطيع أن يسمي لنا مثقفاً من مثقفي هذه البلاد زاره في مكتبه طالباً منه معاش ضمان اجتماعي؟

أهذا آخر ما يستطيع أن ينطق به مدير عام الثقافة، بوزارة التراث والثقافة؟.. هامزاً لامزاً إلى أسماء، بعينها، رفعت اسم عُمان عالياً في الساحات الثقافية بجهودها الذاتية البسيطة، والعميقة في آن.

كيف خطرت في باله عبارة كهذه؟.. وكيف سمح لنفسه التفوه بها؟.. في الوقت الذي يعترف فيه، في نفس الفقرة، بـ "أن المؤسسة تعاني من قطيعة بعض الأسماء التي نعتقد أنه ينبغي عليها أن تتواصل معها لأنها تعتد بنتاجاتهم"؟

ما حاجتنا، يا خالد الغساني، باعتداد مؤسستك أو عدمه بنتاجاتنا؟

تلك أسماء، لو كنت تدري، كوّنها اعتدادها بنفسها أولاً وأخيراً، وليس انتظارها لعبارتك تلك. كونتها تربيتها الحُرة قراءة وكتابة وسلوكاً في كل الحواضر العربية والأجنبية، وهي ليست في حاجة إلى "اعتداد مؤسستك" بها، كما أنها ليست في حاجة إلى "معاشات ضمان اجتماعي"، ولا إلى طبع ولا شراء خمس نسخ من نتاجاتها، لأن إبداع تلك الكوكبة يقدره ويثمنه المتابعون الحقيقيون للتجربة خارج ردهات مؤسستك

ويبدو لي أنك أنت وزميليك هم من يحتاج إلى معاشات تقاعدية رسمية من وزارة الخدمة المدنية

وكما تعرف، ويعرف الجميع أن "معاشات الضمان الاجتماعي" أمر من اختصاص وزارة التنمية الاجتماعية، لا من اختصاصك ولا من اختصاص المديرية العامة للثقافة حتى تحجُبها أو تهَبَها للمثقفين الذين لا نعرف لمَ تفترض، سلفاً، أنت وسعيد الصقلاوي وهلال العامري أنهم مُعدمون وبحاجة إلى "معاشات ضمان اجتماعي" وإلى "جرائد يلتحفونها وكتب يتوسدونها"، فضلاً عن طلبكم حضورهم إلى مؤسساتكم (كما لو إلى مخفر بوليس) حتى "بدشاديشهم غير المهندمة"

 

***

 

مثلك مسؤول، ظننا أنه ذو تجربة، فإذا بك لا تُلقي بالاً حتى إلى ذلك، مصرحاً دون أدنى حس بالمسؤولية عما تقول في منبر رسمي كـ جريدة عُمان، لا في صحافة صفراء. فيما يعرف أمثالك تماماً سبب تردي الوضع الثقافي في بلادنا. فلا تزايد علينا ولا تتهم من لست بقادر على اتهامه، عندما لا تجد أمامك سوى الفشل الذريع في إدارة مؤسسات "ثقافية" ولاكم أمرها أولو الأمر

لا تزايد علينا، ولا على اختياراتنا الثقافية في هذه الحياة من مكاتبكم المكيفة بهواء عليل، وغير عليل (إن كنت تعرف الفرق بين العلّتين)

ولا إخالني أجانب الصواب إن اقترحت عليك وعلى سعيد الصقلاوي وهلال العامري أن تكفوا عن اتهامنا نحن بتقصيركم المُزمن، وأن تستمتعوا حتى يوم القيامة بمرتباتكم العالية ومكافآتكم السخية عن كل فعالية تقومون بها، وبمكيفات SANYO وLG ذات الكفاءة العالية أيضاً

لكن، لا تسمحوا لأنفسكم الحديث باسمنا نحن المثقفين العمانيين وأن تقدموا، إن استطعتم، تقارير نزيهة، على الأقل، بمصروفات مديرياتكم ونواديكم للجهات الرقابية المسؤولة في الدولة، إن لم تستطيعوا إصلاح ما أفسده الدهر وأيديكم في تلك المؤسسات

دعونا وشأننا فقط

فأنتم قبل سواكم، على هذه البسيطة، من يعرف أننا لسنا في حاجة إلى معاشات ضمان اجتماعي، ولسنا في حاجة لنشر كتبنا في مؤسساتكم، ولسنا في حاجة إلى مؤسساتكم لتشتري نسخا من كتبنا، فضلاً عن أننا لم نطلب منكم ذلك، ولسنا في حاجة إلى ديكور خشبي لقاعة كبار الضيوف تكلف مائة ألف ريال عماني، ولسنا في حاجة إلى ندواتكم التبريرية لسنين طويلة وعريضة من الفشل المتراكم بين أيديكم

لسنا في حاجة إلى أي شئ:

اتركونا وشأننا فقط

دعونا ننام بحُريّة