من زمن الغوص الى زمن النفط

 

 

 

الأزمنة الخليجية واحدة

ومن عصر الجاهلية إلى عصر الإسلام وعصري بن أمية والعباس وما خلفهما على عرش الخلافات فان العصر الخليجي يظل لحمة واحدة ، صحار وجبال تطل على الخليج الأزرق ، وفي بوح الأزمنة حكايا وأساطير وارتعاش اكفف من اجل البقاء .

وحين ضاق الرزق ببعض الخليج اختلف بعضه إلى بعضه وهب نصفه إلى نجدة نصفه ..

لأن القبائل واحدة ، قبائل قد تحترب ولكنها تنجد ، وقد تختلف ولكنها حامية للذمار ولديها الغريب قبل المقيم والرفيق قبل الطريق ، وهي الجار لمن استجار والحمى لمن عاث الذئب بحماه.

ولذلك فان أبجديات الخليج متقاربة أن لم نقل متطابقة ، ومتشابهة كأنها الأصل الواحد ..

وحين غنى الظاعنون للكلأ وآلاء كانت الكلمة المعبر بها واحدة ،

إذ الإنسان راحل في فيافي الأرض ، يطرق يباب الأرض بحثا عن هوية حياة ، لذا كانت الكلمة على امتداد شبه الجزيرة واحدة ، حيث لا انهار تغري بالإقامة الدائمة ولا الأرض متصالحة المناخ لكي يبقى البشر في رقعة منها ، فهو الترحال في طقس واحد ، اكتوى به الجميع وتصالح معه من تصالح ، لا فرق بين حدود رسمتها خرائط فرضتها الأزمنة الجديدة ولا فرق بين تفاصيل الحكاية لهذا الإنسان الذي إن غاص بحثا عن اللؤلؤ أدركته المخاطر وان ركب البحر تاجرا أو مسافرا تبعته المخاطر في زرقة الموج وان ظل في صحرائه أو استظل بالجبال من حوله تعارك مع الطبيعة القاسية.

إذن هذا الإنسان عاش تجارب واحدة ، عركته صروف الأيام أبدع لها لغة هي واحدة على امتداد شطآن الخليج الأزرق ، لها أبجديات الأرض الواحدة والروح الواحدة ، تلك المسافرة في فضاءات المكان وحدود الزمان تسجل وتؤرخ وتجمع سحابات ما في سماوات واحدة لتمطر خيرا وبشرا على الأراضي المنتظرة أزمانا قطرة ما.

وكانت القصيدة هي منبر الإنسان في هذه البقعة من الكون ..

واتخذ الشاعر قصيدته تسجيلا لواقع عاشه ويعايشه في إقامته وأسفاره ومواجهاته مع نفسه والآخرين والطبيعة من حوله .. وبقيت القصيدة واحدة في كل مكان من هذه الأرض كأنها تنتمي لقرية واحدة فأبجديات الحياة واحدة ، وحياة الإنسان واحدة ولذا فان التشكل الثقافي وكتابة الزمكانية تأثرت بما حولها من صور وأشكال وأنماط حياة وتفاعلات الإنسان داخل النسيج الواحد.

وفي عصر ما قبل الإسلام ، كانت قصيدة الجاهلي استنفار لحالته النفسية والعقلية مع هبوب تصاريف الدهر وانطلاقته في صفرة الرمل يتبع أثر من يحب يقف على الاطلال ويمتحن فرسه ويصف ناقته ويتغزل بالمرأة يشبهها بما يراه من تلال الرمال والكثبان من حوله وبالمهاة والظبي والبقر الوحشي .. لغة كانت قاسية شديدة الوطء لكنها ابنة المكان الواحد .

وفي العصور اللاحقة ترققت اللغة متخلية عن بعض خشونتها فكأن الزمن يمر بتغيراته على كل هذه المنطقة الصعبة في وقت واحد.

فلم تكن بلدان الخليج جزرا منعزلة لأنها وجدت لتكون قطعة واحدة في سطح الكرة الأرضية أعطتها تغييرات المناخ مناخا وطقسا وجغرافيا تتشابه فيما بينها ، وبالتالي فان حركة التاريخ أوجدت تأثيرات سريعة للتقارب المكاني ووحدة التضاريس.

فعندما هبت الدعوة المحمدية من مكة المكرمة والمدينة المنورة كان الإنسان في شبه الجزيرة العربية وحدة واحدة في تلقف هذه الدعوة ونشرها في بقاع الله الواسعة ، وهكذا جاء زمن النفط لتكون البقعة تكتب ثقافة جديدة ، في زمن جديد وضع أشياء كثيرة في رف الماضي وانطلق في شبه تناسق نحو العصر الحديث ، يشد أزر بعضه البعض وكان لا بد للحركة الثقافية أن تسجل آثار الخطو على الرمال المتحركة ، فنبع الحبر كأنه من محبرة واحدة يكتب قصة حياة في ست دول تنوعت أسماءها ولكن توحدت لغتها ، وفصلتها حدود ولكنها شروط العصور الجديدة التي تفرض ثقافة الحدود والسيادة وفرضيات أخرى ، وهناك لا حدود بين الإنسان والإنسان ، وهناك لا شروط على الالتقاء تحت مظلة كبيرة راهن كثيرون على تداعيها تحت وابل التحديات الصعبة التي يواجهها هذا التجمع الإقليمي ونسي أولئك أن دول الخليج تجمعت قبل وجود المجلس الذي جاء كيانا سياسيا بصيغته الحديثة وبين كل دولة وأخرى حكاية قرابة صنعها الإنسان قبل أن تأتي السياسة بمفاهيمها.

والناظر لسماء الثقافة الخليجية آو لنقل الثقافة في الخليج نجد أنها حملت سمات واحدة تماما كما هو الحال في العصور الفائتة وهي في تقليديتها او حداثتها عنوان واحد يتسع لأشكال وأنماط إلا انه يقع في منطقة إبداعية لا تتمايز في أساليب تعبيرها وما أنتجته من رؤى جديدة يوازي ذلك كم كبير من الالتفاتات لهذه الثقافات الجديدة القادمة كالرواية والمسرح والقصة او تلك البعيدة العهد كالشعر الفصيح والشعر النبطي وأدب الرحلات والسير وما شابه ذلك ، ولا يمكن إغفال الدور الذي لعبته دول المجلس في تنشيط الذاكرة الثقافية ليس في الخليج فقط وانما على المستوى العربي والدولي فالمساهمات والدعم المقدم من هذه الدول أوجد حيوية وأوصل الرسالة الثقافية بعالميتها وإنسانيتها إلى مناطق مختلفة في العالم واتفقت دول الخليج على إيصال رسالتها الثقافية بصوت واحد على اعتبار ان المناحي الثقافية في الخليج وحدة متكاملة ، سواء أكانت النظرة إلى مفهوم الثقافة على أنها الإبداع الأدبي أو نتاج الشعوب من فنون وغيرها ولا يمكن الفصل على أي حال من الأحوال في الموروث التراثي بين هذه الدول على اعتبار أن الثقافات واحدة وخير مثال على ذلك تشابه الفنون والحكايات الشعبية والأشكال الفنية الأخرى ذات الصلة بالصناعات اليدوية التي لا تخلو من شبه واحد وان تغيرت في جزئيات بسيطة.

والخلاصة أن الثقافة لا تعرف حدود غير تلك التي تحددها ليس من قبيل القراءة وانما كتابة التاريخ الإنساني بوحدته المتعلقة بمساحات محددة جغرافيا لكنها مفتوحة فوق مستوى زرقة الخليج وصفرة الرمال في الصحراء وقسوة اللون البني في الجبال ، أنها اختصار موحد لتاريخ إنساني بالغ الأهمية لأن الأزمنة الجديدة فتحت السماوات على بعضها ومن هنا يبدو أن توسيع رقعة الحديث عن ثقافة واحدة الأجدى .

البحرين

 

وعلى هذه الجزيرة الصغيرة رمى الكون بحضارات دلون وأوال وغيرها ، ولأن الباحث عن الخلود اعتقد أن إكسير الحياة في هذه البقعة الجميلة الواقعة على ضفاف الخليج فان الخلود يتمثل في وضع لبنات ثقافية تزينت طويلا بعقود اللؤلؤ من بحرين لا من بحر واحد ، واغتسلت من عين عذاري إذ وضع العشاق قصائدهم في حوريات شربت من عذاري وما ظمئت ، وقرأت معلقة طرفة بن العبد فأجبرت القرون اللاحقة على ترديد كلمات رائعته ، ودعت عبد الرحمن الرفيع يكتب : خضر نشلك على عوده / تزينينه ولا يزينك / أقولك يا بعد كبدي / تقولي لي يا نظر عيني / من محرق / أعرفك زين /وسيف العين بحريني.

ومن أزمنة الكتابة التقليدية إلى أزمنة الحداثة وما بعدها يبدو الصوت الإبداعي في البحرين قويا وقادرا على أن يجذب الأسماع إليه والأذهان لقراءته فهو متميز في قوة صوته ومقتدر في قوة صداه ، ولا يمكن إغفال الدور التحديثي للمجتمع في نقل هذه السمة إلى المجالات الإبداعية المتأثرة بالضرورة بما عليه المجتمع فجاءت الحركة المسرحية والفنية (تشكيلا وموسيقا) هاجس حياة متجددة .

البحرين التي شغلت مبدعيها فكتبوا فيها عشقا وشغلت زوارها فكتبوا إليها شوقا ، لأنها قصيدة حية واضحة القراءة سهلة المعنى .. لكنها عميقة الدلالات.

ولأن الأوطان لا تقاس باتساع أراضيها ولا بكثرة سكانها فأن البحرين استطاعت أن تصنع مجدها الثقافي ومنبرها الثقافي وصوتها الحضاري الجميل