إذن كانت ذاكرة الأسلاف مشتعلة بالشعر ، أنتجت من بين الكثرة (المتطرفة) شعراء على مستوى عال من الإبداع الشعري القادر على الوقوف في مهب نقاد القصيدة من المجايلين الذين يفرقون بين الشعر وبين النظم ، في وقت كانت هذه الحدود محض هرطقة بين العالم والمزارع .. كل في حقله.
وتزخر الذاكرة الشعرية العمانية بأسماء كبيرة وان خانتها دعايات العصر وإعلامه من التسجيل ضمن المشروع الشعري العربي ، ومن تصله قصائد لأولئك الشعراء العمانيين فانه يدهش من هذه الدائرة التي حرمت عشاق القصيدة العربية معرفة هذا الإبداع الثري الذي أضاع نفسه وسط بحار من الشعر جيده ورديئه وأضاعه عصره ليظل حبيس أودية عمان وجبالها في الوقت الذي كانت فيه القصيدة العربية العمودية بحاجة إلي ما يؤكد متانة رسنها وحفاظها على موروثها الشعري.
ومن الأسماء التي ازدانت بها القصيدة العمانية شعراء كبار أمثال أبو مسلم ناصر بن سالم الرواحي وابن دريد والستالي وقائمة طويلة ليس آخرها عبدالله الخليلي الذي توفي قبل عام تقريبا وكان ابرز شعراء القصيدة التقليدية المتفجرة بقوة اللغة وجزالة الاسلوب.
وظل الشعر - قرونا- الوجه الوحيد و الأبرز في المشهد الثقافي العماني على اعتباره المتحدث الرسمي باسم الأدب العماني فهو الناطق بما في صدور الأمراء و العلماء والفقهاء والأدباء وسائر الشرائح التي وجدته الموروث الوحيد وسط صحراء تمنع الجديد وجبال توصد الطرق دون أي تأثير خارجي أيا كان نوعه ومداه.
وراهنيا تبدو بضعة أسماء شابة محتفظة بالتقاليد الشكلية للقصيدة العربية القديمة لكنها حملت تجديدا في روح القصيدة ،وكلها أسماء شابة ظهرت قبل أعوام منها مسعود الحمداني وحسن المطروشي وبدر الشيباني وبدرية الوهيبي واحمد الشحي واحمد العبري وأسماء أخرى تداعب مخيلتها روح القصيدة العمودية وتدرك أن عليها أن تفعل شيئا في تحديث اللغة لتؤكد أن القصيدة يمكنها الاحتفاظ على الشكل لتكون قصيدة .. وليست نثرا.
ومع الحركة الانتقالية العمانية التي بدأت مطلع السبعينيات انفتحت دهاليز الثقافة على مجايلتها من ثقافات الجوار .. وصولا إلى تلك البعيدة في الطرف القصي على محيطات الأطلسي والبحر الكاريبي ، هناك من سافر إليها وعاد ضمن المشهد الشعري المحلي وهناك من سافر ولم يعد إلا وفي جيبه مشروعا شعريا جديدا ، وهناك من آب وفي مفكرته مشروعا قد ينتمي في جذوره إلى جده القديم الخليل بن احمد الفراهيدي العماني على مستوى اللغة لكنه موصول بمشروع اكبر واحدث ، يمتلك القدرة على تجاوز التقليد وان لم يمتلك المقدرة على بلورة مشروع حداثوي مقنع يغرسه في ارض اعتادت -حياتها- على ذوق تقليدي مبالغ في قداسته.
ومن ذلك يبدو المشروع الشعري العماني يعيش مراودات حائرة ، قد تترك الفرصة لمسارين أن يتجاورا لكنهما لن يتحاورا : مشروع ارتبط بالمكان وتقاليده عز عليه أن يقلق الخليل في نومته الأبدية ،ومشروع انفتحت له عوالم من المعرفة أراد أن يجرب فنجح في القليل وفشل في تخطي الأكثر .. وهو في نجاحه ونكوصه معبر عن حال مجتمعه معني بنص يعبر عن إرهاصاته في عالم بلا قيود ولا حدود فكيف تقبل القصيدة بحدودها القديمة .
تبدو المسألة جارحة للتفكير بين مشروعين للقصيدة ، فيما يفتح المشروع الأحدث طاقات قدره للمجربين (وبشكل همجي في أحايين كثيرة حتى سقطت حدود الرؤية بين المجربين والمخربين) ، وفيما تقف أسماء متحققة في مشروع الحداثة الشعرية فان مخاضات أخرى تنبئ أن الحداثة أو الشكل الحديث باسط ذراعيه بالوصيد تحفزا لاكتساح القصيدة العمودية ،وهذا يحتاج إلى عقود ريثما تثبت التيارات الجديدة أنها المشروع المطور لشكل القصيدة العربية مع استحقاق الخليل للرحمة والمغفرة.
ولا يكاد يذكر فرسان القصيدة الحديثة إلا ويأتي سيف الرحبي كأبرز أسماءها الذين القوا البذرة الأولى لميلاد القصيدة النثرية ،وخلال ربع قرن بقي الرحبي وفيا لمشروعه يحتفظ بهدوئه المعتاد ليضع أسس مشروع قال عنه مرة انه سيبقى مشروعا ناقصا أو غير مكتمل ،وهذا طبيعي في أرض حافظت على تقاليد القصيدة ، لكن تيار القصيدة الحديثة/الحداثية/النثرية سحب في هبوبه أسماء أخرى كانت لها تجاربها الحية والمتحققة بين أقرانها في الأمكنة العربية الأخرى ، ويتضمن المشهد الشعري لقصيدة النثر في عمان كوكبة من أعلامه الذين عملوا صامتين (وكان الصمت أغلب حتى بالنسبة للكتابة) ومهاجرين في بقاع شتى ،وحين آبوا إلى وطنهم كانت قصائد الشعور بالمنفي والاغتراب والتغريب تسبقهم ،وتستثنى من ذلك بعض الأسماء التي حافظت على الإحساس بالانتماء إلى وطن وقصيدة لها مكانها العماني ومكانتها العربية ، والأسماء التي تلمع أنجما في سماء قصية النثر في عمان أو (تجاوزا)قصيدة النثر العمانية كثيرة ومتعددة الرؤى والصرعات والصراعات (وأيضا ممارسة سياسة التكريس والإلغاء) ومنها : محمد الحارثي وسماء عيسى وزاهر الغافري وعبد الله الريامي ومبارك العامري وصالح العامري وهلال العامري وإبراهيم المعمري وطالب المعمري وأسماء غيرها تتباعد عمرا وأسلوبا لكنها (تبدو) أسماء بعيدة في سماء أبعد لأن صمتها المبالغ في طول فتراته يجعلها حاضرة كأسماء غائبة كإبداع.
وفي دائرة خصبة بأسمائها (متباينة الرؤى حول نتاجها) يدخل عنصر أدبي جديد على الساحة الثقافية العمانية ، عنصر لم تألفه الذائقة الأدبية رغم انه شكل الكثير من ملامح المجتمع التقليدي شفاهيا من خلال الحكايات والأساطير والسير الشعبية ، لكن كتابة القصة لم تكن بشكلها الأدبي إلا بداية السبعينيات رغم شوارد بسيطة تبعثرت في الكتب الفقهية حول حكايات كتب اغلبها (وهو قليل جدا) شعرا ، مع عصر عمان الحديث ظهرت أجيال من كتاب القصة : جيل السبعينيات ومن أسمائه عبد الله الطائي وحمد البلال وحمد رشيد وسعود المظفر وعلي الكلباني : منهم من قضى نحبه ومنهم من صمت ومنهم من تواصل ولكن عبر الرواية وهو سعود المظفر.
وجيل الثمانينيات وشهد طفرة في الكم والكيف فبرزت منه أسماء شكلت المولد الحقيقي للقصة العمانية بشكلها الثابت والمتواصل والباحث عن مساحات اكثر رحابة لكتابات اعمق اثرا وابعد سفرا وعل سبيل المثال لا الحصر : محمد اليحيائي ويونس الاخزمي ويحيى المنذري وخالد العزري وبدرية الشحي وعلي المعمري.
جيل التسعينيات ويضم مجموعة أخرى لا تقل كما وكيفا عن سابقتها ومنهم محمود الرحبي وجوخة الحارثي وبشرى الوهيبي وسليمان المعمري وعبدالعزيز الفارسي وأسماء أخرى تملك خيوط الإبداع والرهان على الزمن لكشف من يصمد أو من يتقهقر دون هذا الوجع المضني.
وإذا كان عقدي الثمانينيات والتسعينيات شهدا طفرة كمية ونوعية في الشعر والقصة فان العقد الحالي مهيأ جدا للرواية بعد أن استوى عود القاصين وازدادت تجربتهم وعيا ، فروائيا تبدو الساحة فقيرة لولا سعود المظفر الذي يتواصل مع الكتابة في عناد يحسد عليه فهو الوحيد المتفرغ للكتابة ، بجانب محاولات أخرى كمحاولتي بدرية الشحي وحسين العبري .. وتبدو الأرضية صالحة جدا لظهور مشروع روائي متكامل فالأرض خصبة والتراث زاخر .. والخبرات المقتدرة قادمة ولعله سيكون عقد الرواية بعد ان سحبت القصة نصف البساط من القصيدة.
ويتردد في عمان انه تحت كل صخرة شاعر ، ربما لا يتوجع من ثقلها على رأسه .. ولكن أيضا تحت كل صخرة حكاية ينتظر أن تكتب وتحت سفح كل جبل رواية ينتظر أن تسجل .. وفي كل شفة مولد جديد لكتابة سيكون لها وهج القادم من السنين.