اسكندرانيات

 

 

1

ربما ليس متوقعا الحضور هنا ، انما هو حضور الاشتياق ، لتبقى العين مفتوحة دائما ، حتى على البعد ، ومن البعيد تسرد مشاهداتها.

2

كانت امسية بالغة الشجو ، حين اطل بحر الاسكندرية من الجو كانت العيون تبحث عن الاثير الذي اودعته هذه المدينة العتيقة ، هذه المدينة المتجددة التي لا تشيخ ، يمر عليها الزمن فيزيدها نضارة على نضارتها ، من يعشق البحر لا يشيخ ، ومن يقبل البحر اقدامه لا يهرم ، هذه الشفافة جالسة تغازل البحر وتغزل موجه ، ومن يعشق البحر يدمن الزرقة ، والزقة امتداد لا نهائي للحلم ،اذن عشق الحلم هواية هذه المدينة.

مطار النزهة وادع في هدوء جميل ، وجوازاتنا الحمراء بطاقة سريعة للمرور امام الموظفين الذين تشعر بهذا امتنان في وجوههم ، تساءل صديقي : اين مطار القاهرة من هذا؟ خفت من حسده ، وانطلقنا نقبل هواء المدينة المنعش ،وعلى التاكسي الذي طاف باكثر من شارع وواجه طريق البحر كانت الذكريات تتداعى لتتجدد ،وكان المساء يحتفي بعشاقه ، اذ البحر سمير العشاق واذ الشاطىء يقرب بين الموج والبشر لتغدو الصورة واحدة ، ترمز للحياة والمحبة التي لا يعرفها الا من جلس الساعات على شاطيء الاسكندرية يتأمل البحر الساحر والوجوه الاكثر سحرا ، الجمال في البحر ،وامامه وحواليه ، كل ذلك يستحق التأمل.

3

حتى موعد الفجر كانت الاغنيات تتوزع على آذان سامعيها ، كانت هناك صالة افراح تحجز قليلا بين الرؤية والبحر واخرى تقابلها على جوار منا ، عروس تأتي ببياض الفرح المتبدى من العيون المزغردة واخرى تتهادى كأنها اخناتون تتناسل للمرة المليون ، كل ليلة نسمع آلاف الزغاريد والاغنيات ، موسيقى وبحر وجمال ترشه الصبايا على ليل لا يحد أنسه ، على نغمات " اتمخطري يا حلوة" تتمخطر الحلوات كما أردن ، فالمساء حالم بهن وبآلاف الصور التي لا تنتهي ، والبحر يسمع الأغنيات فيأتي صوته حالما في اكتمال صورة الحلم ، هذا الليل البهي يزرع أمانيه في كل القلوب والقلوب تترصد مثل هذه الفرحة لتحلق ولو قليلا في سماء الحلم بعيدا عن زهق الواقع.

4

كل صباح ، تستيقظ المدينة وهي التي لم تنم ، تداخل ليلها ونهارها ومن البشر من يعيشون هذا الاندماج الرائع ، على الشاطىء المترامي تستقبل المدينة اول خيوط الشمس بعد ان ودعت اقمارها ، تلك العرائس ، عرائس البحر اللاتي احتفى بهن البحر وسامرهن على امتداد شواطيء الفرح ، اذن جاءت الشمس وذهبت الاقمار على موعد مع رحيل الشمس مرة اخرى لتستمر دورة الفرح .. فرح اصحاب الفرح ، ومن يرى ويسمع ويبتهج من كل ذلك الفرح.

الصباح مفرط في جماليته ، في نفس المكان الذي يستقبل ول شعاع للشمس يكون آخر من يودع قرص الشمس ، عمال النضافة يجمعون ما تبقى من سمر المدينة في الليلة الفائتة او ربما قبل ساعتين فقط على انفراط عقد المتسامرين مع ليل الاسكندرية ، قوارب الصيد تأتي الى مدينتها تحمل اليها ما اعطاها البحر وما اجمل عطاياه.

5

بعد ساعتين من الشروق ، يأتي صوت الرجل العجوز حامل الورد ، يرفع يديه وهو يجري ، اليوم الاول كان منظره مدهشا ، اليوم التالي اعتدنا رؤيته ، في اليوم الذي يليه انتظرنا مجيئه نرقبه من على البلكونة ، يجري بباقة ورد في يده ، يقف ليعطي وردة لفتاة تنتظر الباص او وسيلة النقل ، يتقبل الجميع وردوه بامتنان رجالا ونساء ، يعبر شخصا آخر ولا يعطيه الا كلمات لا نتبينها بسبب المسافة ، كأنها عدم رضا ، يوزع وردة ويجري الى واقف آخر يعطيه وردة اخرى ، حتى اذا انتهت الباقة من اعواد الورد فيها رجع يجري يبدو عليه ارهاق الجري ، اعجب من لياقته ولباقته ، ومن هذا الجنون الجميل الذي يوزع وردا وليس احجارا.

6

قبل أن يأتي المساء ، تسير اللوحات الحالمة متتابعة ترصد شغف هذا المدينة بالجمال ، في الغروب لوحة يومية ، عشاق البحر يخرجون من الماء ، وحوريات البحر لا ترغب في النهوض من الزرقة كأن الموج يود الاحتفاظ بهن اطول قدر ممكن ، كل مساء نرقب المشهد بين خروج الحوريات من البحر ومجيئهن بعد ساعات يضئن هذا الليل الاليف الى القلب ، عشق خالد للبحر ، في النهر بين امواجه وفي المساء على ضفاف امواجه ، عشرات الكيلومترات يمكن السير بحنين المكان ، باعة الترمس والفول والتين الشوكي والبالونات المزركشة بطرقة مدهشة وغيرهم يعبرون المكان كل يوم يمشون من غير تعب حتى الفجر يبيعون هنا ويعرضون بضاعاتهم هنا ، ابراهيم ، صبي في الثامنة من عمره يبيع المحارم الورقية حتى اذا اشترينا منه مرة تبتعنا خطواته في الايام الاخرى على امل ان يبيعنا بعض ما يحمله ، تكدست مشترياتنا من ابراهيم ، لكن صفاء تلك السعادة التي نراها في عيني طفل تحفزنا على الشراء في كل مرة نصادف فيها ابراهيم ، غار زملاؤه منه وهم في مثل سنه او اقل ، لا ننسى حين صرخ ابراهيم في وجوههم قائلا : " ولاد ما تختشيش".

7

الاسكندرية تمتلك عشرات المدن في مدينة واحدة.

ساحرة من غير حدود ..

ومؤنسة من غير حدود ايضا ، فيها كبرياء الاسكندر وتواضع البشر.

في كل مكان هناك حكاية ، على البحر ، في المجمعات التجارية ، في دور المسرح والسينما ، امام الباعة ، في الترام ..

هي مدينة ضاجة بالحياة ، تنظر الى الماء فتعجب من عدد اولئك الذين بين الموج كأن المدينة خالية الآن ،وتسير في أي مكان تشعر ان الناس تجمعوا هنا تاركين بقية الاماكن خالية.

من المنتزه الى المعمورة وحتى محطة الرمل والمنشية مرورا بمكتبة الاسكندرية الرائعة كل شيء يستدعيك للتوقف لقراءة المكان .

هي بلا ريب : مدينة جميلة ، جمال يسكن المدينة وجمال يتحرك فيها.

نحسد انفسنا على هذه المتعة التي تحلق بالروح الى سماوات علا من الاحلام ، ونحسد البحر الذي تقبل امواجه كل تلك الروعة .. والروعة ممتدة الافق ، من زرقة الماء الى زرقة السماء