اقتلوا الرقيب

 

 

هناك من يحاول قتل الرقيب !

وهناك من قتله الرقيب !

وهناك من انهكه الرقيب فيطالب بقتله !

هذا المستوى من الحدية يكشف ازمة ثقة بين الكاتب والرقيب .. وبين القاريء والرقيب ايضا ،بمعنى ان الكاتب والقارىء يطالبان باعدام الرقيب ،لكنهما لا يتورعان عن المطالبة باحيائه فيما لو حدث لهما ما اخترق تمترسهم مما يعتقدون ان الرقيب عليه ان يمنع ذلك.

ولا اعتقد ان هناك كائنا في الارض مكروه مثلما الرقيب العربي الذي تم تعيينه بقرار ،وعليه ان يؤدي ما يعتقد انه امانة في عنقه ،وهو انسان شئنا ام ابينا ،تتداخل اهوائه وصراعاته وموروثاته في منح التصريح او الغائه لاية مخطوطة تمر بين يديه ..

الرقيب العربي يسكن في داخله مد طويل من قيم المجتمع والمثل والاخلاقيات المرتبطة بالكتابة ويجعل نفسه مكان القارىء المثالي (المفترض) مستشعرا ما يمكن ان يغضبه من مس بالمثل والخلاقيات والدين ،ولذا فانه لفرط حرصه على حماية قلاع المجتمع (المفترضة ايضا)مأخوذ بالتأويل والظن والخوف من ان يحدث ذلك ما لا تحمد عقباه ،ومن باب اتقاء الشبهات يضع علامة (×) على ما لا يعجبه.

ازمة الثقة متوافرة بشدة خاصة في الادب المعتمد على الكتابات الرمزية والالتواءات اللفظية وبما توفره اللغة العربية من موئل خصب ،وهذا ما انهك الرقيب الذي عليه ان يتقي الشبهات وساعدته كثرة التأويلات ان يبرع في هذا الميدان الخصب فاصبح (من الرقباء) لا يقرأ النص وانما يبحث له عن تفسير آخر تفرضه عليه حاسة الشم لديه التي تصل به الى ان النصوص متهمة وعليه ان يؤكد هذا الاتهام بصورة تفوق نصوص القانون والمطلوب منه .

الرقيب ينظر بعين (ذئبية)متوجسة للنص والاسم المدون اعلاه ،مفترضا (ثعلبية) مراوغة في المخطوط الذي بين يديه .. مشهد مسرحي الى حد كبير ، ربما من قبيل المبالغات التي تكبر في داخلنا كلما تكاثر الحديث في هم يجمع حوله ثلاثية (المبدع – الكتابة – المتلقي) والخلاف حولها من اعتياديات الحياة التي تكرس مفهوم الاختلاف رؤى ومنهجا ومن العسير جمع البشر على مذهب واحد فهم حتى في الدين الواحد تفرقوا مذاهبا وشيعا وعلى جنس واحد فتفرقوا قبائلا وبطونا ..وهكذا يوصلنا الرقيب الى شبهات الاختلاف الذي تعطيه فرصة تطبيق قانون قابل للتقنين حسبما يرى فهناك مطاطيات قابلة للجدل حولها ،وهذه التي تفتح ابوابا لجحيم الهجمات التي يشنها المبدعون مطالبين بالغاء الرقيب او التخفيف من حضوره اذ يرونه وصيا على المجتمع القادر على اختيار ما يناسبه ،هذه القدرة مبنية على رؤية قد لا حيادية فيها اذ ان الامية تغطي رؤوس نسبة كبيرة من سكان الوطن العربي ..يتساءل الرقيب في كثير من الاحيان عن مخاطر فتح البوابات الواسعة امام الكتاب ليقولون كل ما يريدون ، فتن وحروب وكوارث اخلاقية واجتماعية ،لكن في المقابل هل يقبل الادباء بقلم المصحح الذي يمسكه الرقيب ليختار ما يناسب الامة وما لا يناسبها ،هذا الكاتب الذي يفترض مسبقا جهل الرقيب وعدم جهزويته لتتبع مسار النص في حداثته وما بعد حداثته ،وماذا بقي في عصر الانترنت والسماوات المفتوحة ؟

مؤكد ان دور الرقيب اقرب الى الاندثار ،وما بقي لديه ان يخرج نفسه من دائرة اللوم ان هذا خرج من تحت قلم رقابته.

هل يمكننا حقا ان نقتل الرقيب ،وهل من حق الأدباء المطالبة بذلك ؟ الا يعد ذلك مطالبة بتكريس انفسهم وما يكتبون كأنه الحقائق التي لا بد من القبول بها وما عداه فهو ضرب من التعدي على الحريات الشخصية والوصاية على العقول ؟

أسئلة مزمنة ، تختلف الاجابات عليها من شخص لآخر ،مثلما تختلف البشرية على كل شيء في حياته