آه يا فاطمة كيف أقول لك الآن أنك ما عدت رمانة قلبي ولا ريحانة عمري..كيف أقول لك أبحثي عن رجل يعرف كيف يجعل من قلبه أرضاً لشعب واحد..ونبي واحد..وحاكم واحد..أما أنا فقد اكتظت الفصول بداخلي وماعادت ليلة القدر تورق صراطي.أكنت على حق يافارس حينما خلعت عني وجهي وأنت تصرخ: (إلا فاطمة.. فهي آخر ربيع يمكن ان نعلق فيه عبير زهورنا..أنت لا تكفيك خمس نساء لتحب)ها أنا يا صديقي..صديقك الوقح الجميل كما يحلو لك أن تقرع طبول أذني..ها أنا أقول لفاطمة: (ماعادت سفني محتاجة لميناء..إنها أبحرت).
يا هل ترى حشرة الصروخ التي تبث أنينها في نهارات الصيف من مطلع الشمس وحتى غروبها..هل تبث أنينها نيابة عن صرخاتنا واحتجاجاتنا المكبوتة..وهل ياترى النساء اللاتي يتقافزن في ذاكرتنا كحمى بركانية نمر على مخيلتهن.ويا ترى مالذي يقعدني في هذه المدينة للآن.
أنا أدرك ياعزيزي أن مابيني وبينك كالبرزخ الممتد بين الرب والانسان..وأدرك أني لست إله..وكذلك هذه المرمية في آخر زوايا أضلعي لم تخلق لتصلي على زوايا أجنحتي.و لكن من يحرث مداد أربع سنوات من الجفاف.ومن يخضب بيوت الله بالأوردة والتسابيح أليس سواك ؟..وأين وأنت؟.
آه كم أشتاق الآن لأصابع أبي وهي تقصف الفسلة تلو الأخرى ليصنع من جريد النخل ما نحفظ به طعامنا..آه كم أشتهي صوت ممخاضة اللبن من بين راحتي أمي.ولكن الغربة موحشة في داخلنا..ما هذه الساعة الوليدة من الدهشة وما هذه اللحظة الوليدة من البكاء؟..كنت ياصديقي تبحث عن نهار يتلفع هذا الطريق الموحش لوجوهنا..كم كنت غبي أما قلت لك مرارا أن النهار يحتاج لشمس كي تضيء..
أو كنت على حق يافاطمة حينما يممت شطر قلبي أمتعة سعادتك:
-كم أشتهيك ان تغسل كل حبات أنوثتي.
-ولكنني ميناءا لا...
-ميناء قيدت بواخر قلبي به..أني لأريدك أيها المجنون.
ماذا كنا نفعل هنا ..وما الذي أنتضره أنا في هذه المدينة الملأى بالشوارع المزخرفة بالمصابيح والمجمعات العاهرة.ماذا أفعل مادامت هذه المدينة لاتدرك من يحبها..كنت أخاف من ليلة كهذه ليلها سهران وصباحها غاف..كنت دائما أقول لك يافارس أنني لن أذهب لمدينة تقتل جموح شيطان الشعر..ومع هذا أتيت.
ماذا أقول لفاطمة تلك التي يداها كيمامتان تسافران في فضاء عنقي كلما قبلتها وضممتها بين أقبر أضلعي وأنشد في أذنها أني شمس صباحاتها ونقاط حروفها..ماذا أقول لها وقد بدت شيئا فشيئا تسافر عني..أنني لسوف أطعم هذه الوساوس مهدئات من الصمت الكئيب أو بعضا من تلك البسمات المنطفئة كتلك التي تقابلنا بها إلهام القابعة بأحدى المقاهي المغروسة على شواطئ السيب أو كتلك التي يرسمها أولئك الذين يضنون أنفسهم أصحاب الغصن الأخضر ويتراشقون فيما بينهم رماح النار..لكنني لست كإلهام ولا صاحب غصن أخضر..أنا رجل خلقت لأصمت أو لأقول نعم..نعم ياصديقي مثلنا قد تربى على الاحترام المطرز بخرزات الوطأة.
يا صديقي فاطمة التي تخط بحبر النار على الجريد اليابس في ليلة الشتاء والمطر لم تعد هنالك تمسد أحلامي بالربيع وتطرز أيامي بالنرجس..يا صديقي الثمار قد أوتي قطفها والرياح حان مرورها..وهذه المدينة في شتاءها ليل أخافه ..وهذه الوحدة بدأت أألفها كعادتي للأمور التي تعتاد عليّ ..هنالك الكثير قد تغير..لم يعد الموت يهزني فها أنا أنتظره بامتداد واسع الصبر..ولم يعد الحب يغريني.هنالك الكثير والكثير قد احتضن غيابك واختفى..القيعان اضمحلت..وأنا تجمدت أرقام أيامي وساعاتي.
ياصديقي كنت دائما تقول(نحن نعرف عنترة وقيس وغيرهم ولكن من أول من جهر بالحب مذهبا؟)..كنت غالبا ما تقول(أكره الذي اخترع فكرة الشوارع المعبدة ..إنها التهمت الكثير من ذاكرة الطفولة ..)..كنت نادرا ماتقول(أجمل مافي الدنيا راتب يدفيء من سريرة جيبك..وامرأة تذيب ثلوج صدرك)
آه نسيت أن أقول لك يا صديقي أن هذا الفراغ يشبهني..له شكل هلامي كوجهي..له صمت أنثوي كحزني..وفاطمة التي أحببتها غادرتها بواخري ولكني لم أرحل عنها..فقد تركت لها قلبي وخلفت الحزن لنفسي.والان لا عودة ولا رحيل لي..تشابهت أمامي كل الجهات..فأنا كالواقف فوق الكعبة لا قبلة لي.لك مامضى ولي ماهو آت من غياب.وليس لي الان سوى مداد الطوب هذا..سأضل أمشيه حتى أكتشف شيء آخر ربما مخبأ الشمس كي أقلب علوم العالم وفلكه..ربما عندها فقط أستطيع الخروج من هذه المدينة..