"استيشن" في مسقط

 

وراء الخوف والكذب .. حكاية

عزة القصابي

 

" من وراء خوفنا حكاية ومن وراء كذبنا حكاية 00 ومن وراء

انتظارنا حكاية هكذا تتجمع كل الحكايات على مساحة تتسع 

لاحتضانها وتفريغ همومها في جزء من الرمال وجزء من البحر

وجزء من المحبة ، لأنها الشيء الوحيد الذي ليس له ثمن "

المؤلف 

لوحة فنية  زفها إلينا الأخوان من مسرح الفجيرة القومي

بعنوان " استيشن "  بعد مشاركتها  في أيام الشارقة

المسرحية وهى من تأليف شريف حبيب العوضي وإخراج حكيم

جاسم  

 المحــطة

ما أكثر المحطات التي يجب أن نتوقف عندها  قبل ننتقل إلى

محطة أخرى في هذه الحياة ولكن قد  يطول الانتظار بنا

أكثر من ثلاثين عاما في محطة ما ؟!!

و أكثر من ذلك بقليل ممكن أن نعيشها مع شخوص مسرحية "

استيشن " والتي تضمنت تيمات عدة مثل ( المحطة – الانتظار

الظلام – الحسرة – الألم  – الفقر – الحب – الشوق إلى

عالم آخر – الجاه )

الوحدات الثلاث

أبطأ الكاتب في  العد التنازلي لعمر  شخصياته فباتت تائه

لا تعلم الزمان ولا المكان فهي تعيش في عالم منفصل  لا

يمت بصله إلى العالم الآخر  والتي طال انتظارها  في

دوامة وجودية تنفي انتماءها لأي  واقع اجتماعي وهكذا نجد

أن المؤلف يخرج بنا من دائرة  ارتباط الحدث بالزمان و

المكان  إلى عالم العبث اللامعقول .

العبثية  في طرح الحدث وتقليدية الحوار

بالرغم من اتساع  مساحة الحوار  في المسرحية إلا أن

الطابع العام جاء مشبعا  بعناصر العبثية 

 مثل ( الإحساس بالضياع – انتقاد الواقع – التقارب في

أحاسيس الشخصيات -  الألم – الرحيل -  الإحساس بالغثيان

إزاء واقعنا المعاصر ) 

ويظهر ذلك  في بعض مقاطع من الحوار الوارد  على لسان 

الشخصيات ( وحدك في الضباب طائر الغضب آخرهم نام على

طاولة الأيام لأننا في الزمن الصعب وأنا أحمل حقيبة سفر

واركض من مدينة إلى أخرى 000 امكتوب علي الرحيل والغربة

)

التواصل الحسي بين شخصيات المسرحية

  إن التواصل الحسي بين الشخصيات ينم عن وجود شخصيات

متعددة ذات هم واحد يجعلها تبحث عن المخلص لفك القيود

التي قد تفرضها عليها النظم الاجتماعية والسياسية

والاقتصادية .

وهذا ما بدى واضحا فبينما  رجل الأعمال يحكي قصة حياته

ورحلته من أجل أن يصل إلى مبتغاة في تحصيل المال والمنصب

، كان الرجل العجوز النائم  على السرير  يتحرك عند وقوف

الرجل في بعض النقاط وكأنهما جسد واحد عاشا عمرا زمنيا

ينطق بمعاناة شخصية واحدة .

في انتظار من ؟

الجميع منذ بداية المسرحية وحتى نهايتها ينتظر  ولكن ما

هو الشيء الذي ينتظرونه ؟؟ هل هو ذلك الشخص القادم من

وراء الحجب والذي قد  يحمل معه أحداث مهمة أو في انتظار

المركبة  التي سوف  تنقل المغادرين إلى الضفة الأخرى

فالجميع يهرع عند رؤية  أول شعاع ساطع للمركبة القادمة

من بعيد .

إن الفكرة العامة للمسرحية  تتقارب مع مسرحية ( في

انتظار جودو ) لصوميل بيكت- أحد كتاب مسرح العبث -  كما

أن الشخصيات توصف من خلال مركزها في هذا الكون حيث تظل 

في مواجهة الزمن والذي يظل ثابتا ، كما أنها شخصيات

خاضعة للقدر والموت  تحت ظل نفس الظروف .

شخصيات المسرحية تعبر عن معاناتها الشخصية الذاتية 

الرجل الكبير في السن : يظل يحلم بلقاء أبناءه وبالوطن

الضائع والأهل والمصير ولكنه يتوه بسب أحاسيسه المتباينة

والشعور  بالوحدة والرحيل.

الفتى إبراهيم : يظل يحلم ويثرثر ويتذكر أيامه مع والدته

حيث يقول في بعض المقاطع الحوارية :

(حكايتي هى السبب في وحدتي ورحلتي 000لا سقف يحميني ولا

صدر لهمومي سوى صدرك يا أمي كانت تحلم دائما بأن تمسك

يدي ونركض تحت المطر 000)

الفتاة : لاذت بالفرار من واقعها  - من  أنياب الأخ

القاسي وزوجة الأخ المتسلطة - للبحث عن شئ تفتقده لتجد

نفسها عرضه لواقع أسوء، حيث تقول :

لأن ما ابحث عنه ليس المال أو اقتناص الفرص ، وإنما

شخص يوفر لي الأمان والصدق ، أحلامي بسيطة والكبير منها

، ميت قبل أن يولد )

أما رجل الأعمال : يسرد كفاحه ومعاناته من أجل المال

والمنصب ولكن بعد هذه الفترة يكتشف بأن حياته لا معنى

لها بدون وجود من يمنحه  العاطفة التي تخلو من المصلحة

المادية .

نزعت جلدي ولبست جلدا آخر ، تخليت عن البالية والأهل

والأصدقاء تركت خلفي أشياء عظيمة وجريت باتجاه الثروة ،

ظلمت وقسوت وكذبت وساومت 000)

الغموض والحدث

عدم توضيح سبب اختفاء الفتاة في المقطع الذي ظهر فيه

الأخ وهو يبحث عن أخته وإحساسه بالذنب نحوها فالبر غم من

عدم معرفة الشخصيات لهوية القادم من آفاق المجهول المعتم

 إلا الفتاه تختفئ فجأة وتظهر بعد رحيله 000 كذلك تظاهر

الشخصيات الأخرى ( الرجل العجوز – الشاب ) بعدم معرفتها

للفتاه  كل ذلك يجعل المشاهد يقع في بلبلة ذهنية– 

فلماذا اختار المخرج تيمت الفتاة وأخيها لإخفاء بعض

الحقائق ؟ هل يعني ذلك أن العلاقة بين المرأة والرجل

دائما  يشوبها شئ من الغموض ؟ أم كان ذلك بقصد إيقاع

المشاهد في الحيرة الواضحة عند الفتاه ورغبتها في العيش

بدون قيود دونية  يفرضها الرجل عليها .

الإيقاع العام للعرض 

اتسم الإيقاع العام للعرض بشيء من الهارموني والتناغم

بين الفعل الظاهر لأداء الشخصيات وأبعادها الداخلية التي

حفلت بالعديد من التناقضات  ونقاط التحول . 

تحريك الحدث بصورة لولبية في انتقال الفعل من شخصية إلى

أخرى وتوقفه عند وجود السرد الكلامي والثرثرة الحوارية .

 

أبعاد نفسية لشخوص المسرحية 

كان الأجدى بمؤلف المسرحية  أن يسبر الموسيقى الداخلية

لشخوصه لتتلاءم مع الحدث المسرحي بشيء من الأسى الممزوج

بالتفاؤل  مع توظيف المؤثرات الصوتية والضوئية لتغطية

بعض المقاطع دون الاستعانة بالحوار ، على اعتبار أن

العرض يستقرأ الواقع من خلال سينوغرافيا العرض المرئية

والبعد عن الواقعية  فالنص الحواري في العرض يفرض نفسه و

يفتقد إلى الرؤية الإخراجية القادرة على خلق عرض آخر .

 

الصمت وجدران الوحدة 

استطاع مؤلف المسرحية حكيم جاسم أن يجعل شخصياته تنطق

بمرارة الأحداث والإحساس بالوحدة والغربة في آن واحد

وبأنها ذات هم مشترك تحكي تراجيديات الحياة بشيء من

الضحك الدامع حتى الضحك وظف بطريقة تصرخ بآلم محبوسة

وآهات مكبوتة ،  والصمت كلمة ترددت على لسان الشخصيات :

 - حروفي صارت خرساء 00اصرخ بلا صوت احمل فشلي وحزني

وخيبتي 

 أجيال ميته تتناسل وتنجب صمتا 00صمت معلب 00صمت

مجفف00

حتى أصبح الصمت يشكل النسبة الرئيسية في اقتصادنا

العربي وإذا احتجت إلى درس في الصمت فما عليك إلا أن

تراجع أحداث تاريخنا المعاصر 00وهناك مدارس خاصة لتعليم

الصمت 00لقد أصبحت أخشى على الصمت من النفاد.

هكذا وبطريقة تلقائية تقترب من المسرح الواقعي في طرحها

لموضوع المسرحية الذي يتشرب بالتيارات الحديثة في بلغة

درامية  ركز فيها المخرج  على الالتزام بحرفية النص مع

تضاءل  استخدام فنيات العرض بما فيها من تشكيلات فنية من

أضاءه وموسيقى واستعراض  أدائي قائم على الحركة

التعبيرية .

 صراع المال والعاطفة 

أداء متميز من الفنانين الشابين  عبيد الهرش وحنان المري

في تجسيدهما للصراع الأبدي بين  المرأة والرجل  وبين

المال والعاطفة وبين الخير والشر وهو صراع تتشابك فيه

الأحداث و مرارة الواقع الذي تعيشه كل شخصية منفصلة عن

الأخرى فشخصية الفتاه تبحث عن الحلم – الأمان – فتى

الأحلام المنتظر ، أما رجل الأعمال الناجح فبرغم من

الغنى الفادح الذي وصل إليه ألا أنه  يفتقد إلى شئ يمس 

إنسانيته  ألا وهو البحث عن العاطفة النبيلة رغم متغيرات

الحياة ولكن في بحثه عنها استخدم السلطة  والجاه

والنتيجة كانت الرفض من قبل الفتاه وامتعاض أسلوبه

المبتذل والذي يخلو من القيم النبيلة .

تعايش الشخصيات مع أدوارها 

بالرغم من التمازج الفريد في أداء أدوار الشخصيات في

التواصل الحسي والنفسي والقلق الاجتماعي والسياسي إلا أن

الأداء التمثيلي للممثلين جاء في مستوى جيد حيث استطاع

كل دور أن يغوص في أعماق الشخصية ومدى ارتباطها بالواقع

المعايش ولقد تمكن  المخرج أن يدير دفعة الفعل الدرامي

بين جانبي خشبة المسرح حيث ركز على الجانب الأيسر فمعظم

الأحداث كانت في الجهة اليسرى مع استخدام الإظلام في

الفصل بين الجانبين .

اللاوعي والواقع الاجتماعي 

 إبداع آخر أراد المخرج حكيم جاسم أن يكلل به لوحته تلك

وهو  البحث عن الذات المجهولة عند أصحابها لتعكس

المعاناة والغربة الذاتية ومستخدما الديكورات والإضاءة

الجانحة في رسم جو  الحلم مع الأداء الحركي حيث  قام

بتظليل مساحة من العرض الذي يظهر فيه العجوز وهو يكابد

الموت ورغبته في الحياة كما استطاع أن يعكس مشاعر الأبوة

عند قر ائته  لرسالة ولده  التي ظلت طويلا في جيبه :

- اشعر إني بدونكم مثل هيكل فارغ يمشي بلا قرار 00فهل

يكفي البكاء 00أن الطريق أمامي موحش ومظلم والنجوم التي

كنا نعدها معا ابتعدت عني كثيرا000 

- هكذا تنبعث رائحة الألم والتهالك في هذه الحياة بشئ من

الحزن الموحي بالبعد وخيبة الألم 00

الإضــاءة والديكور

إن استخدام الإضاءة في العرض المسرحي لم يأخذ حقه في

تغطية الموقف وبات يركز على انتقال موقع الحدث بين دفتي

المسرح – الجانب الأيمن والأيسر - مع التركيز على

الإضاءة الحمراء والصفراء التي توحي بسوداوية الموقف

الدرامي مع استخدام الإضاءة في مقطع الحلم وبعض

الإكسسوارات . 

الديكور العام للمسرحية جاء تأكيدا للارتباطات المكانية 

لأحداث المسرحية  تحديدا من 

 ( المصطبة - الرصيف – عمود الإضاءة – الكشك ) فعنوان

المسرحية ( استيشن ) جاء مرتبطا بالمكان الذي دارت فيه

أحداث المسرحية .

سوداوية الحدث الدرامي 

لماذا هذا التشاؤم في استعراض  أحداث المسرحية ؟ وهل

فعلا أصبحنا نفتقد إلى مصداقية الحياة ونعيش في غوغائية

الزمن الصعب 000ماذا عن الابتسامة والبحث عن أمل جديد

يشق طريقه إلينا رغم ظروف الحياة الصعبة 00فكل ما

لاحظناه في العرض هو ( الألم – والليل – والانتظار –

والمعاناة – فقدان الأرض والأهل – ووحشة المكان –

وانتظار المخلص الذي لن يأتي ) فهل نسي المؤلف والمخرج 

أن الحياة ابتسامة ودمعة  00نتمنى  في العروض القادمة أن

نضع في الحسبان ازدواجية الحياة  .