نريد حرية
قد يخيل للقارئ ان هذه الدعوة ، دعوة سجين يطلب فك قيوده ، ولفظة سجين لا تعني بالضرورة أسوارا شائكة وبدلة مخططة (لا اعرف لونها في السلطنة) وإنما لفظة فضفاضة تشمل كل ما يصادر الحرية ، فكرية كانت أو جسدية ، والعنوان هنا ليس مطالبة إنما هي جملة يحلو للبعض ترديدها والحديث عنها ، دون إلقاء حجرة التساؤل في بحيرة الترديد الببغائي ، أو البحث عن ماهية الحرية المطلوبة ، وما يقابلها من تحمل للمسؤولية ،وكثيرون منا لا يجيدون الإبحار في محيط الحرية فالقارب يبدو صغيرا في مواجهة العواصف التي قد تهب من قمقم الحرية إن خرج ماردها ، وفي مثل هذه الحالات فان المارد حين يخرج من زجاجته لا يصدق انه وجد حريته أيضا ومن المستحيل إقناعه بالعودة إلى (غرشته) وإلا فانه أيضا يصرخ ويقول نريد حرية وقد يسمعه بني جنسه فلا نشعر بهم إلا ويقابلوننا في المجمعات التجارية والمقاهي وأينما نحل ونرتحل يحاسبوننا على تركنا إياهم في أضيق سجن في العالم.
هل تكفي هذه المساحة للحديث عن الحرية ، وجدوى المطالبة بها ، وهل فعلا نحتاج الى المطالبة بها وهي مثل الماء والهواء حولنا ، لكن الادهى : أي حرية نريد؟!
يقول المربون كما سمعتهم في القرن الماضي الذي كان قبل عامين أن حرية الشخص تقف عندما تصل إلى حرية الآخرين .. وهذا الحديث مقبول في القرن الماضي لكن الباحثين وراء اللفظة يتحدثون دوما عن سجون يحسون بها ويضيقون بها ذرعا كلما سمعوا كلمة حرية وكأنها تنزل من السماء وحتى من غير صلاة استسقاء لطلبها.
واعتقد _والله اعلم_ اننا نملك قدرا كبيرا من الحرية الحقيقية ولكننا _وهذه ايضا حسب اعتقادي_ لا نحاول التدرب عليها والتدرج في استعمالها ، والاهم هو الإصرار على ممارستها مع الإيمان الكامل بضرورة الوعي للتفريق بين ما يمكن أن يكون حرية وما يمكن ان يصبح عبثا بأخلاقيات المجتمع (والتي تختلف عن العادات الناشئة بالعادة والاستمرار) .. أي العودة مرة أخرى إلى إطار الحرية المسؤولة الواعية بمدى الفرق بين ممارسة الحرية والمساس بحرية الآخرين.
لعلي أرى أن الحرية هي أن يقول المرء رأيه دون إلغاء آراء الآخرين ، وان لا يعتقد أن ما يراه هو الحقيقة المطلقة الرؤى الأخرى مجرد سطحيات واهمة ..
السؤال : هل وصلنا الى هذه النقطة من الوعي ؟ إذا كان الأمر كذلك فإننا نعيش حرية نحسد عليها ، وإذا كان الأمر ستعلق بإلغاء مقال أو عمود صحفي فهذا يحدث في كل الدنيا ، وإذا كان عن منع كتاب فإنني لا أرى في خارطة العالم دولة لا تفعل ذلك ، ورؤيتي في هذا الإطار أنني لا اسأل عن ماذا منع بل اسأل عن ماذا سمح به وهو كثير لو تأملناه بعين الوعي لا عين الشطط والشعارات التي حفظناها ..
واخيرا : في مرة أقنعت نفسي بضرورة الجرأة في تقديم مقالات أدبية ، فجاءني العتب قاسيا من عدد من القراء ، حينها تذكرت أنني لا أمارس فقط حريتي في الرأي بل الأخذ في الاعتبار حرية المجتمع بتعدد اتجاهاته ومستويات وعيه وفكره