في الثقافة الخليجية

ترتبط الحركة الثقافية في الخليج مع بعضها في طرق تشكلها وملامحها واستيعابها لحركة البشر في منظومات ثلاث هي الحركة داخل فترة ما قبل النفط والحركة في فترة ما بعد النفط والفترة الانتقالية بين فترتين / عالمين حركهما الاقتصاد ونقلهما من ثقافات مجتمعية إلى أخرى ، وفي كل ذلك كان حري بالمثقف في الخليج أن يضع يده عليه لأنه النوخذة الأعرف بحركة البوصلة النافذة إلى الموانئ التي لا يعرفها إلا من خبر المكان روحا وجسدا وإيمانا.

ومن الصعب الأخذ بمفهوم الثقافة الخليجية على اعتبار أن الثقافة ليست إقليمية محددة بمعناها الضيق لان هذا الإقليم يدور ضمن إطاره العربي، وكي لا يكون لمفهوم الثقافة الخليجية نكهة غير محببة يشير إليها البعض على أنها نتاج نفطي بحت بما توحيه كلمة الخليج من إيحاءات ارتبطت بهذا السائل الأسود الذي أوجد طفرة لكنها لا تعني خلو الخليج من ثقافات وحضارات ترسخت قبل انبعاث ثروة النفط ، ومن الفخر ان الثقافة لم تضيّع وسط سواد السائل الهادر من باطن الأرض فقد أعطت دول المنطقة الجانب الثقافي اهتماما كبيرا لم تستطعه دولا أخرى طالما فاخرت بحركتها الثقافية وأصبحت في الخليج مؤسسات ثقافية كبرى و أسماء أدبية حاضرة في المشهد الثقافي العربي الذي هو الدائرة الأوجه للثقافة العربية دونما إقليمية لمسمى الثقافة و إنما مكانية للحديث عن حركة ثقافية لان كل المنابع الثقافية تصب في نهر كبير هو نهر الثقافة العربية الذي تأسس بنيانه منذ آلاف السنين بخطاب لغة الضاد التي جعلت من العرب عربا واستوعبت العلوم الإنسانية ،ولذا فان الحديث عن ثقافة خليجية يحمل البعد المكاني لا البعد المفهومي ، أي أنها لا تملك مفهوما و إنما مكانا تتعاون ست دول تطل على هذا الخليج القلق وسط تداعيات العالم لكي تظل صوتا واحدا في السياسة والاقتصاد والثقافة وغيرها من المجالات التي تعزز تواصل شعوب ارتبطت مصائره دوما وسارت على درب الحضارة سويا مع اختلاف طفيف في درجة السير تبعا للظروف المناخية وحدود الجغرافيا الخشنة .

ومع إطلالة التواصل الإنساني عبر وسائل لا معدودة من الالتقاء انفتحت سماوات الثقافات على بعضها وساعد ذلك مثقفو الخليج على التواصل اكثر خاصة في المجال الشبابي على اعتباره قاعدة أولى نحو المزيد من تكريس الروح الواحدة في زمن العولمة الطافحة بكل شيء مرغوب فيه أو غير مرغوب.

وعندما نذكر الثقافة في الخليج فانه يتبادر إلى الذهن مؤسسات ثقافية كبرى حرصت على تأسيس ثقافة حقيقية تؤتي أكلها كل حين وخلال الثلاثين عاما الماضية فان الحركة الثقافية في الخليج تحركت بقوة ووضعت أسسا مستقبلية لأن البناء كان مؤسساتيا بهدف رعاية الأسماء المثقفة والمنتجة لحركة الثقافة ، وهذا الدور (الحكومي) تولّى رعاية حركة الثقافة داخل المجتمعات الخليجية في ظل عدم نضج المجتمعات لتولي دورها في إيجاد مؤسسات ثقافية أهلية ترعي الأقلام ، وربما خلال السنوات القليلة الماضية اتضح نضج تجربة الرؤية الرسمية لحكومات المنطقة في رعاية الثقافة إذ برزت أجيال من المثقفين والنخب المتعلمة قادرة على أخذ دورها في المساهمة على إيجاد أجيال أخرى من المثقفين وتفريخ نحب أخرى تمثل حصيلة لجهد رعوي لحركة الثقافة في مهدها الأولى بدأت به الجهات الرسمية التي وضعت حجر الأساس لعديد من المجمعات الثقافية والمنابر العلمية والجوائز ذات الصيت الدولي ، ومن الجلوس إلى الكتاتيب إلى اختراق شبكة الانترنيت يأتي بيت الشعر العربي ويأتي النثر العظيم ببصمة أهل الخليج الذي يدركون ان الله حباهم ثروة وانه لا بد للثقافة من نصيب وجاء نصيبها وافرا .

ومن عاصمة خليجية إلى أخرى يسير الناشرون كل عام في معارض تجد لها صدى واسعا كأن كل عاصمة هي مركز للثقافة ان لم نقل مركزا ثقافيا ، ومن عاصمة خليجية لأخرى تلوح منابر الثقافة شامخة تزرع الكلمة وهي خير الحصاد ، ولعل الأعوام المقبلة ستشهد حصادا اكبر لما زرعته أيدي أهل الخليج من محبة للمعرفة تؤكد أن الثروة الحقيقة ليست فقط ذلك السائل الأسود الذي سينضب يوما إنما هي الإنسان الذي عاش قبل النفط في ظروف لم يلتفت إلى صعوبتها العالم وهذا هو العالم ينتبه إلى ما يشبع جوع ماكيناته ولذا فان الصناعة الحقيقية التي أبقت الخليج وستبقيه صناعة الإنسان القادر على التصالح مع قسوة الطبيعة