1
أكاد اعرف ذلك الواقف بوجعه ، واكاد اشعر بالآه التي تنهمر مطرا ودمعا على قلوب عشاقه .. وأكاد احفظ ريتا كأنني اعرفها "ريتا" وانتشي ل"بحرية" كأنني ولدت على شاطئ الشام ، وأكاد أحس بوجعه كأنه تلك الآه تخرج من صدري ، وكأن العود يكتبني : مرة طفلا صغيرا ينام على ساعد أمه ومرة عاشقا يحترق في "نبيذ الشفتين" ومرة فتى يرمي بالحجارة ومقاتلا يحتضن بندقيته .. ومرات ومرات عصفورا ييم وجهه نحو الجنوب والجنوب كله قبلات الأرض والحنين والشجن والطفولة .. ولا بد من الآه.
2
سرت عشرات الكيلومترات باتجاه المكان ، والليل قمر الساهرين ، والحصن بوابة المنتصرين والحالمين ، استقبلته آلاف تصفيقا ، واستقبلته فارسا أصيلا في زمن البطولات التي تسير على خيول عرجاء ، جاء صوته هادئا كجرحه ، وحرك فينا صخبا كنزفه ، حملتنا موسيقاه إلى البعيد ، حيث الطفولة تتذكر جراحاتها وحيث الوطن العربي الكبير يكتب مرثياته وأحلام البسطاء القابعين هناك ينتظرون الرغيف .. والحرية.
غنى مرسيل خليفه لكل جميل في داخلنا ، كأنه يخاطب فينا روحنا لتمعن في حلمها اكثر عل الليل يأتي بفجر ، لا بد من الحلم ، والموسيقى كانت حلم المساكين الذين اشعلوا شموعهم وأضاءوا الليل بحلم بهي هو ترجيع الصوت وأنات القصيدة واشتعال المكان وقلوب بيضاء باغتها الحلم على حين غرة.
3
آه محمد .. جاء صوته يعيد المشهد من جديد ، يفتح الجرح بامتداد الأمكنة التي آوت الآه مساحات لا تحد ، آه محمد .. كأن الرصاصة تتجه من جديد إلينا كأننا كلنا محمد ، الطفل الذي ارتجي والده ان يضمه كعصفور يعشش في صدر والده .. من وجع إلى آخر ، من دمعة إلى تابعتها ، كان مرسيل خليفة يمضي بنا ، ونحن بمتعة اللقاء الأول ، نزهر كعود ياسمين مع العود في يد هذا السابح بنا، وكأن الشرايين تسكن آلة البيانو يضغط عليها العازف رامي خليفه ، ونحن في انتشائنا نود لو نستبقي الزمن قليلا لنرتاض كل هذا التفجر ، كل هذه الشلالات العابثة فينا ، هذه التي تحرك الساكن في مواجعنا لنتطهر منها ويعيننا صوت الوجع على إزالة الوجع.
" بين ريتا وعيوني بندقية " .. في صدر كل منا تحركت ريتا يعرفها ، وتحولنا كلنا في دقة عود إلى عشاق من تلك الأزمنة القصية ، قلنا معه : بين ريتا وعيوني بندقية ، والذي يعرف ريتا ينحني ويصلي لاله في العيون العسليه ، أخذنا الى كل المواجع الراقدة في الجسد العربي مئات القرون ، وحلمنا معه بريتا خاصة بنا .. ورغم الزكام ، جاء صون اميمة الخليل حالما ودافئا ، حرك كل العصافير التي أطلت من الشباك .. وهكذا مضت الساعتين.
4
في يوم تال ، كان لا بد من الدخول إلى الليلة الأخرى الباقية من خيالات ألف ليلة وليلة ، في كل فاصلة انتظر ان يكون هناك الجديد ، معظم المقطوعات والأغنيات كانت تكرارا ، ووعدنا مرسيل ان يبقى يغني لنا حتى الصبح ، باستثناء أربع أغنيات ، كان التكرار سيد الحفل ، وحتى اميمة وزميلتها الأخرى قدمتا : طلعت يا محلا نورها ، عصفور طل من الشباك ، وصية ام .. حتى مارسيل كرر نفس الكلام الذي يقوله بين أغنية وأخرى كأن ذلك كان تسجيلا للحفل السابق ، ومع المونتاج أضاف بعض اللمسات.
5
وفوجئنا به يحمل عوده ويختتم الحفل ، وهو الذي وعد الحضور الذي كان رائعا جدا بان يبقى يغني حتى الصبح ، غنى ريتا مرة أخرى وليته لم يغنيها ، كانت أروع بكثير كما جاء بها قبل ليلة ، انكسر شيء ما في نفسيات مرسيل ، وهان عليه ان يترك جمهوره وهو الذي سعى إليه وقدم له بضع أغنيات لو حسبت فإنها لا تغطي نصف ساعة .. والباقي معزوفات واغنيات قدمتها رفيقتي حفلته.
6
شكرا لمن جاء لنا بمرسيل خليفه .. ورغم ان الحفل الثاني كان باردا من الواقفين على الخشبة ورائعا من الواقفين أمامها ، إلا أن جدول الفعاليات الفنية والثقافية الذي قدمته المديرية العامة للسياحة قدم خطوات مدهشة باتجاه الأروع .. ولا زلنا عطشى لمثل هذا الفيض البديع