عن الذين يختلفون فقط
الثقافة في جزء مهم من صيرورتها ووجودها الاجتماعي قائمة على معطيات التبادل بين وجه وآخر إذ أنها ليست تشكيل منفرد أو بلغة الموسيقى عزف منفرد يحتل عازف واحد أوتار العود أو مفاتيح الاورج :: بل هي وحدة مركبة ، قد تكون غير مفهومة وهذا أحد سماتها ، وقد تكون ذات أفق انفرادي في الرؤية عند الكاتب / المنتج لكنها بعدئذ تتحول إلى حالة عامة تخرج من خصوصية العقل الناتج لها إلى عقول أخرى تتلقاها حسب درجات الوعي والإدراك في مستويات عدة ، ليس لزاما على الكاتب (كواجب) تبرير ما قدمه ، وليس عليه (كحق) فرض مفهومياته على الجمهور/ المتلقي .. وأيضا على مجايليه من المنتجين الآخرين للثقافة ، فالكتابة الإبداعية قائمة على اختلاف الرؤى وليس تناسخها وعلى تصادم الآراء وليس تلاقيها ، هذا على الاغلب والأعم . ومن المجحف أن تتشكل الذات الثقافية على أكفان السابقين ، أو على أكتافهم ، إنما هي طريق متواصل يسير كل أحد فيه بخطوته على أمل أن تأتي خطوة تالية تقطع الطريق سيرا إلى الأمام .. هل في جيلنا الكتابي من يعترف بسابقيه من دون ان يأمل في دواخله (وهي متعددة) أو بإعلان ذلك على الملأ بإدخال أولئك إلى المتاحف فهم في نظره كالمتحجرات يلزم وضعها للدلالة على زمن قديم .. ولكن ما هو مشروعه البديل ؟ أكثرنا لا يزال يبحث عن مشروعه (وليس شرطا أن يصلح كبديل) ومن المرارة أن نلغي (الآخر) ونكرس (الأنا) في ظل غياب مشروع ثقافي متكامل لا يضع النقاط على الحروف فحسب بل يمسح الحروف التي لا تمتلك نقاطا والتي لا ترى في الحاضر اكثر من جبل سواد يحمل هو الشمعة الوحيدة فيه ، وفي الغد .. آه وألف آه من الغد. في أماكن عدة ، رأيت الحضور وكأن على رؤوسهم الطير ينصتون للمتحدث منهم ، يرون فيه الكفء والرجل الذي خبر الأدب وزادته السنوات نضجا ومعرفة ، حين تحكى الحكاية في وسطنا الثقافي ، يأتي السؤال : ومن معنا ؟! هذا السؤال وعلى شاكلته : "من هو فلان؟" قد يكون الخطر الأكبر ليس على وجودنا الثقافي بل على أصعدة متعددة تتشكل من الإبداع الإنساني ،وممارسة السادية على الذات المجتمعية ليس هو المناص للخروج من أزمة الثقة التي نلوم فيها الجمهور وهي تضرب المثقفين في العظم ، والاعتقاد ان تضخم (الأنا) يستلزم إلغاء (الآخر) ليس تكريسا للأنا (بنرجسيتها الفجة) إنما هو تكريس للجهل الثقافي ، وليس يكفينا وجود مشروع على صعيد (ممارسة) تجارب شعرية (او كما تسمى نصوصا هربا بها من اشتراطات القصيدة) أو كتابات قصصية لأنها أصبحت (والأخطر أنها أمست) مالا مشاعا تمتلئ به صفحات القراء في صحف العالم ، ولدينا لم تعد مرجعية أدبية تؤسس لحضور ثقافي بالغ الأهمية كما هو لدى الآخرين علامات يستضاء بها وحتى تلك التجارب التي خالفت الاستثناء بقيت قليلة وربما ضائعة بين النباتات الكثيفة التي تحجب الرؤية اكثر من كونها تظهر المرج اخضر. للتدليل على ما سبق : أين هو المشروع المؤسسي للمثقفين العمانيين؟ قبل سنوات كانت الحجة أن الحكومة لم تسمح بقيام اتحاد أو أسرة أو جمعية (قدمت طلبات في هذا الشأن) .. بعد فترة من إقرار قانون الجمعيات بقيت أصوات المثقفين متباعدة كأنهم يخشون بعضهم .. أو لنقل انهم يتجنبون بعضهم . حري ان يجتمع المثقفون في مؤسستهم التي يبنونها ويدللون بها على قدرتهم في النفاذ الى فضاءات انقى هواء ، ولا بأس من اختلافهم وتعارضهم وصراخهم فالثقافة هي حوار الافكار وبالضرورة تصارعها لان الجميع ليسوا نسخة مكررة ، خاصة وان هذه المرحلة هي نتاج عمليات اخصاب واسعة الافق تشكلت من الشرق والغرب فلا ضير ان ترتبط النتاجات بالارض لتكون النتيجة ابداع محلي له عمقه الداخلي وافقه المتشكل من حضارات العالم كلها