نضال الكلمة

عشقنا أشجار البرتقال وهي لوحة بهية في بيارات فلسطين قبل أن تتحدد فينا أشكال هذا المدور الرائع، وكتبنا النكسة وهي حزن عربي سبقنا في الميلاد فحملنا كربلائيات الدمع كأن المواجع تفتحت قبل لحظات فقط ، وأحسسنا بالمحاصرين في سجون إسرائيل وداخل مدنهم كأنهم وجعنا المؤبد ونحن المنطقون في ارض الله الواسعة ، وتجولنا في كل جرح نازف والألم أقوى من أن نتحمله كأن من شروط الحياة ان نجرب البكاء على فلسطين ، وتعهدت ذاكراتنا ري مشاهد مذابح دير ياسين وصبرا وشاتيلا وغيرها كأن التذكر نافذة حية لقراءة الماضي وركامه .. يحدث هذا كأن المسافات بيننا وفلسطين كما هي المسافة بين العين وأهدابها، فالأرض هي بيتنا والرصاص يحدث ثقوبا دائمة في أعماقنا، ومن نكسة إلى أخرى نحن أبناء الضاد دمعة واحدة، وعبر كل هذه العقود من السنوات لامسنا الجراح التي داخل كل فينا ولم يكن هناك بد إلا أن نتذكر فلسطين، وان نظل على حلم الصلاة في المسجد الأقصى، وان نقطف برتقال يافا كما قطفنا الأحلام منذ عشرات السنين، ونغني : راجعون. في أحلامنا أو يقظتنا ظلت فلسطين الجرح الدامي الذي التف كل العرب حوله، كأن كل الطرق تؤدي إلى القدس ، وما صلينا إلا من اجل صلاة هي خير من ألف صلاة في أولى القبلتين. لقد وعت الذاكرة العربية الدرس تماما ، سجلته وبكته وتباكت عليه حزنا أبديا فاستوى ذاكرة من نار ، مدماة من الوريد إلى الوريد ، قاسية وصلدة ، غدت فلسطين مركزا ومحورا سارت عليه الثقافة العربية في ديمومتها للتعاطي مع جرح الكرامة ، جرح الإنسانية ، جرح أمة اغتصبت على حين غرة ، وتكالبت عليها الذئاب تفرق لحمها على موائد الكبار ، وحين عادت القطع العربية إلى أصحابها لم تعد فلسطين ، وهي الحميمة والروح في كل الجسد العربي الذي ذاق مرارات الاستعمار ، كتب أدب المقاومة ، خمد هنا وظل معارضا هناك ، لكنه يسير على ايقاع الخطوات نحو فلسطين ، هي ليست مجرد أرض سرقت ، وحمى الكبار السارق وقطعوا يد المسروق في مثال حي لشريعة الغاب ، للحقيقة المطلقة ، للخزي العربي الذي يبدو أنه فقد مصطلح الكرامة الواحدة ليقسم الكرامات علامات حدود يتقاتل الأشقاء من اجلها. هذا المثقف العربي جزء من الأزمة ، شارك فيها وانهالت عليه ، تردد في التضامن معها ، لكن الأزمة شاملة ، غلبته مرات ، واستسلم لها معظم الأحيان ، من هنا تبقى الكلمة أن تبقى لغة الحقيقة ، ثلاثة من حملة نوبل للآداب زاروا فلسطين وتضامنوا ، لا زلنا نتضامن بالكلام ، ونثبت أننا ظاهرة صوتية ، نتكلم ، ندين ، نشجب ، والريح وحدها تحمل نثار صرخاتنا ، ربما نتكلم لنثبت أننا أحياء ، ولن ننسى أيتها الأرض الطاهرة أننا فرطنا بك ، ومن حقنا أن نبكي أنفسنا كما بكى آخر ملوك قرطبة "كالنساء ملكا لم يحافظ عليه كالرجال". في عام 2000 ، وقع المشاركون في مهرجان الشعر العماني الثاني بيانا تضامنيا وددت لو وقعته بدمي بدلا من الحبر الذي جف ودم الشهداء باق لم يجف ، وفي زحمة الارتباك التي سادت قبل توقيع البيان الأخير وبعد إلغاء الأمسية ظننت آن المشهد اختتم ، وفاتني شرف التوقيع على بيان هو الكلمة