حكايتي مع الكتابة ..

طفولة الكلمة هي طفولتي

 

في الورقة الأخيرة من عقد السبيعنات كانت الطفولة الصعبة تقض مضجعي ، حافيا اعبر عمر الطفولة وشقاوتها ، ذات نهار سأتذكره لأنه غير قابل للنسيان فبرفقة مع أبى وجدت في يدي ريالين ، حينها لم أفكر في شراء لعبة او كرة أتمناها رغم الصفقة التي يمكنني أن أحققها بذلك المبلغ الخرافي حينئذ ، بالنسبة لي على الأقل ، بعد دقائق كنت في مكتبة ايمن التي كانت تجاور مركز شرطة مطرح آنذاك (لعل الذاكرة والذكرى على جانب من الصواب) وجدت معي أربع قصص من إصدارات المكتبة الخضراء للأطفال ، دهشت من توليف الحكاية وأسطوريتها ، قرأت القصص الأربع عشرات المرات ، للمرة الأولى اخرج عن كتب تحفة الأعيان وجوهر النظام وغيرها من كتب الفتاوي التي كنت أتلقاها قراءة رغما عني ، أعجبتني الحكاية فقرأت قصة الحسن البصري ، وفي الأعياد الوطنية تعلمت ان أخيط الأعلام الصغيرة لزملائي الطلاب لاشتري من أحدهم مجلات ماجد وغراندايزر وقصصا أخرى شكلت دهشتي الأولى مع القراءة.

وإذ لا تبعدني عن الأربعين إلا خطوات بسيطة استحضر المشهد بتجل ، كأن الزمن لم يمر ، أو كأنه مر في يوم عاصف لا ندري كم ورقة سقطت فيه من شجرة أعمارنا المرهقة بخريفات متسارعة ، يأخذني الحنين إلى الطفل الذي كنته ، أقرأ من غير ما أحجار تضغط على الشرايين واكتب رسائل لأصدقائي تضع ابتسامة الرضا في عيونهم البريئة ، ربما بقي شيء من البراءة فيهم لا أراه ، ربما بقي كل شيء الاها.

في تلك الطفولة التي لا تزال عالقة بشراييني ، بين أشباح النخيل المتماوجة في ليل السبيعنات ، على عريش من السعف كنت الصق الراديو بأذني لاستمع في إذاعة لندن لبرنامج حكاية أعجبتني ،في الصباحات التي قد تبعد كثيرا عن مساءاتها اسمع حكايات أخرى عن المغيبين والذين هجّرهم المحل وعادوا ، عن البندر السعيد الذي بدأ يتشكل حلما أسطوريا أزيحه عن مؤخرة رأسي ليستدير أمام عيني ، كانت الحكاية تتبعني ، أمسكت قلمي منذ اكثر من عشرين عاما تقريبا ، حاولت أن اكتب قصة ، سودت عشرات الأوراق ، والحكاية تتناسل ، طافتني حكاية أخرى قفزت إليها ، ومن أخرى إلى تالية ، كنت اصنع الحكايات ، فيما يترصد زملائي القصيدة يقدمونها في طابور الصباح وينشدونها لمعلميهم ، تشاقيت إلى القصيدة فأشقتني بأوزانها ، كتبت لاصحابي ما يسمى قصائد ليبعثونه إلى من يحبون ، وكنت احب الحكاية لأنها أسطورة احن إليها هربا من الواقع البؤسي الذي يتعتق مع كثافة السنين على حافته.

عام 1984 كتبت مجموعة خواطر على شكل قصيدة ، صنعت منها ما يشبه الكتاب ، قرأتها لاصدقائي ، لم اعر لا اهتمامهم اهتماما ، في تلك الأعوام طغت علي رياح الشعر بدواوين نازك الملائكة وعمر ابو ريشة وسليمان العيسى ، إضافة إلى أشعار مجنون ليلى والمعلقات والمتنبي ، قرأتها مرات ومرات ومع قوة حفظي لصقت القصائد في ذاكرتي لتكون رفيقة خطوي في مسيري المتوحد بين النخيل وتلك الجبال القاسية التي تحيط بي من كل الاتجاهات درجت بين سواقي أفلاج قريتي ، أفعى أو عقربا تسير بمحاذاتي أو تحت أقدامي، أقتلها وأنا أستمع واستمتع بهديل اليمام بين أحضان النخيل ، تناقضات ما حولي أفادتني ، لكن فتنة الحكاية تواصلت معي ، لانني كنت آنذاك في حالة بحث مضن ، عن الذات مجتمعة عبر تفاصيل خطوها إلى الغد .

في عام 1986 ومن غير مخطط وجدتني ادرس في الكلية الفنية الصناعية ، واكتشفت مكتبتها اذ الحكايات تتراص في انتظار مكتشف وظننت نفسي أنني أنا ذلك القاريء المنتظر ، كل يوم استعير رواية : احدب نوتردام ، آلام فارتر ، البؤساء ، الجريمة والعقاب ، عشرات العناوين الأخرى التي قد امزجها هنا في البون الفاصل بين زمن هذا وزمني ذاك مع عناوين أخرى لا ادري أين قرأتها ومتى ، ذات نهار استوقفني أمين المكتبة متسائلا كيف آخذ كل يوم رواية ولا اقرؤها لأنني أعيدها في اليوم التالي ، لم يصدق أنني اقرأها في يوم واحد فقد نسيت ما أنا قادم إليه في هذه الكلية ، ومع انصرام ذلك العام كنت موظفا جديدا في أحد الأقسام الفنية بجريدة عمان ، وإذ كنت اخرج ليلا من العمل كانت الروايات والدواوين تسهر معي حتى الفجر ، وكتبت حينها قصة دموع في عيون رجل ، نشرها الصديق محمد اليحيائي في مجلة النهضة ، كانت اول قصة تنشر لي ، بعدها نشرت قصة بمساحة صفحة كاملة في الملحق الثقافي لجريدة عمان باهتمام لا أنساه من الأستاذ سعيد بن سالم النعماني ، وكرت مسبحة الدهر ، بين إحساس بلذة ما أقدمت عليه من اتجاه نحو الكتابة وبين ألم أن اكتب ، الكتابة هي المتعة المؤلمة ، تأخذنا لذة الاكتشاف كمن يجرب سيجارة حتى إذا استمر اكتشف انه تورط في ما يجلب أمراض ضغط الدم والقلب والجلطات الدماغية ، والإحساس كل ليلة أن الحياة طالت اكثر مما يجب ، وان العمر طويل طويل السائر على دربه كالسائر على حد السيف ، نزيف متواصل .

أصدقائي ، أيها المستمعون الي ، لولا الكتابة لما وقفت هنا بينكم يأخذني الفرح إليكم وبكم ، ولكم تخيل كم فكرت لكي اكتب هذه الورقة ، الكتابة عن الكتابة ، الكتابة عن تجربة اشعر بها لا زالت تبدأ أولى كلمات الحكاية ، لا شيء يوقف حكاياتنا ، حتى دخولنا إلى الاجداث لا يوقفها ، ما يفرق هو أننا نود لو نسمع في حياتنا ما يقوله (الأصدقاء) عنا ونحن في الاجداث.

حتى الآن عشت اقل من عشرين عاما خارج الكتابة ، اكثر من خمسة عشر عاما داخلها ، اشعر بالقلق كأني اكتب للمرة الأولى ، اشعر بالدهشة كأني اقرأ للمرة الأولى أيضا ، كم أود لو أعيش خارج الحدود التي تضغط علي الآن لأحيا بعفوية الطفولة التي افتقدها وهي التي تسكنني ، أن (اشخبط) كما أريد دونما ترصد ، وان أداعب الحروف دونما تنظير ، أن اكتب كلمات إلى حبيبة اشعر أنني لم التقيها بعد ، وانني احن اليها كما هي في حلمي وليست كما هي في واقعي ، أن أعود بيت شعر في قصيدة حب ، وان أضيع كقطرة ماء في سحابة تطل من عل دونما مساس بالوحل الذي عليه الطرقات ، أن أوزع مساحة الحب التي لا حدود لها في داخلي على العالم كله ، احب الحب ، اكره الكراهية ، لا احتمل دقيقة إحساس ان هناك من يكرهني ، هذه الكتابة خلفت زوابع ورائي ، اذ قوّلت ما لم اقله ، واذ تمنيت لو اخرج إلى جزيرة بعيدة ، احمل ديوان شعر اكتب لوجه القمر ، قمر السماء الذي عشت معه طفلا يتامله في الليالي التي لا يضئ عتمتها غيره ، إلى حلمي القديم أن اصعد لوجه القمر ، وأن أترجح في سعف النخيل ,اهز أشجار الليمون ، وأنتظر شجرة الأمبا أن تهديني حبة منها.

أيها الأصدقاء ، تجربة الحياة بالنسبة لي هي تجربة الكتابة ، ما كتبته هو أنا ، وأنا ما كتبته ، واذ اكتبني أفسح سماوات لحلمي ، أن أمارس كوني العجائبي كما أتصوره ، كما يطاردني كحلم أو يطردني ككابوس ، عبر هذه السنوات لا أذكر كم مرة كتبت مثلما لا أنسى أي حلم أتمنى وأترصد ، مئات المقالات ، عشرات القصص ، رواية ، أربع مسرحيات ، أضعاف هذا الرقم لم ير النور لأنني أحرقته بنار التأجيل ، ما نؤجله من أفكار ييئس فيموت.

انسقت وراء ثلاثية : الحلم ، المرأة ، الموت ، يتنازعاني فالثم أحدهما حبرا على سطح أوراقي ، ما الذي يجمع بينهما : ربما هو الحلم بالمرأة لنموت بغصة الحلم ، وجهلنا بما حلمنا به .. كان الموت على علاقة آثمة مع ذاكرتي المترعة دائما بكأس الموت ، أفقدني الموت أصدقاء ، وودت لو أميته بطريقتي لكنه في كل مرة يناورني كأنه يتسلل الى عمقي فأخشى على روحي من الموت ، تأملت الروح ، أثارني الجسد ، كتبته أكثر من مرة ، بالروح يتحول الى سحابة رائعة تخضّر الاراضي ، مرات يغدو قوالب من ذهب وفضة ، أدهشتني فلسفته ، كتبتها عبر أكثر من مسرب ، لكنني أعود في كل مرة طفلا صغيرا يتعلم أبجديات الجسد ، ذوبانه في متاهة الروح ، أيهما المتاهة ، ربما دواخلنا!!

كم من فكرة تلح علينا كل يوم ، كم واحدة تتحول إلى فتنة نعطيها الوقت لكي تجلس على أوراقنا ونلقي القبض عليها من أجل الذين نريدهم أن يرون قنصنا ، كنت لا أخاف من الفكرة ، أتعجل كتابتها كما جاءت ، لا شيء أحسب حسابه إلا الرقيب الذي كان حاضرا في رأسي بقوة ، يسألني : لو كتبت ما في بالك أين ستنشره ؟ .. في السنوات الأخيرة أدركت كم خسرت بسبب الرقيب الذي توهمته قاسيا جدا ، لم يكن كما توقعته ، اقتنصت أفكاري وأجلستها على مقعد أمامي أتحاور معها ، أدخلتها الكمبيوتر ، وعلى مهل كنت أترقب خلق المولود على الشاشة أمامي ، يعجبني لون عينيه فأبقيه ، آذانه طويلة فأخفف من بشاعتها ، خده غير متورد فأضع احمرارا خفيفا على وجنتيه ، ويوم بعد آخر ، يتشكل مولودي على مهل ، حتى اذا خرج الى الوجود عبر الطابعة يصبح من الصعب ان أغير في تقاطيعه ، أمنحه اسمي وأقرؤه لوحدي عدة مرات ، هو أنا ، يمثلني ، وأنا رضيت به ، من حق الآخر أن يقول أعجبه أم لا ، لكن صفاته وحدي التي اخترتها ، بدأت في التواجد منذ أول صرخة لي في لحظة ميلادي ، تشكلت مني ، أطعمتها دمي وتجاربي وقراءاتي وخبراتي .. ذلك أنا بصفاتي ، ما يوافق الآخر وما لا يوافق .. تبقى أنا لأكونها .. فيا أيها الأصدقاء ، هذه حكايتي مع الكتابة ، حكايتي معكم عبر الكتابة