اقبل العيد يا صحبي

 

اقبل العيد ، لا قناديل تنير عتمات دروب حارتي ، ولا تكبيرات تفلق السكون في الطرقات المتربة ..

اقبل العيد ، والبهجة الطفولية لم تعد كما كانت ، واصدقاء الطفولة لم يعودوا هناك يتبعون الخطوة بالخطوة ، يرشون آثار تهليلهم وتكبيرهم على البيوت المغازلة لفرحة العيد ، ولا الاصوات الحميمية بقيت تغزل عمق الذاكرة بايقاعات النساء اللاتي يعطين صغارهن الوعود الجميلة بدشداشة العيد الجديدة ، وبالاضحية يقودها رب الاسرة لتذوق اللحم بعد طول انتظار.

أشياء تغيرت ، فقدت الأشياء الجديدة قيمتها لأنها تتكرر باستمرار ، وكذلك الأضحية صارت عبئا اكثر منه فرحة ، فكيلو اللحم يباع بريال على مدار العام ، ورب الاسرة يعد ايام الشهر ليستوفي ساعاته بجيب مخروم بسبب ما مر عليه من طلبات والتزامات .. ويا فرحة ملات الخياطة والتطريز التي قاسمت المواطن البسيط لقمة عيشه .

اقبل العيد ، اصدقاء الطفولة توزعوا على خرائط شتى ، لم تعد تغرهم تجوالات الليل بالتسبيح والتهليل ، منهم من غاب في مهام المناصب ومنهم من اخذته همومها : على الكرسي او فداء للجالس عليه .. حتى اصواتهم غابت ، استنسخوا عشرات البطاقات على الانترنت والرسائل المكتوبة على الهاتف النقال لتبادل التهاني ، وكلماتهم تتكرر لانهم يعتمدون على اعادة الارسال.

اقبل العيد يا صحابي ، يا اولئك الذين تبحثون عن فرحة منسية ، عن ذاكرة تختبئ وراء السنين التي مرت ، ومن اجل السنين التي تمر ، العيد ليس كما كان ، ذلك كان حلما بريئا رغم نشافته ، ربما الاحلام تغدو احلى اذا لم تتحقق ، الواقع يثقلها ، فلا بياض دشداشة العيد هو كما عرفناه قبل اكثر من ثلاثة عقود ، ولا المائة بيسة لها نفس الرنة كما كانت ، اطفالنا لا يقنعون حتى بالعشرات منها ، يريدون العابا وحدائق وتسال ، ونحن يثقلنا حلم الامس وهم اليوم ووهم الغد ، كأن الساقية بنا تدور فلا الحيل انقطع من تكرار الدوران ولا الساقية ارتوت .. وبقينا وحدنا عطاشى للحلم الجميل المزروع في أعماقنا ، حيث كنا ننام مل عيوننا عن شواردها ، وحيث ليلة العيد . آه يا ليلة العيد ، ويا يوم العيد .. لكن أحلامنا يجسدها الصغار ، وعلينا أن نحلم بحلمهم كي لا نقف وسط الساقية ولا تبتل عروق النبتات التي تكتب الغد من اجل وطن عشقناه وجدلنا سنواتنا من اجل أن نراه الاحلى .. وهو الأغلى .. وان نراه الأفضل وهو الأجمل.

اقبل العيد أيها الأصدقاء ، وغصة الوطن الفلسطيني تثقل العين بدمعها .. وغصة الحادي عشر من سبتمبر نحسها في اعناقنا شوكة يراها موظفو الامن في مطارات العالم فيحسبونها اصبع ديناميت ، ومن شرق الارض الى غربها اصبحنا محاصرون داخل انفسنا .. نرى جنازاتنا على القنوات الفضائية ونرى كشوف الاشعة لعاهاتنا في كافة التحليلات التي تبث ارضا وسماء ، ولزاما علينا ان نصدق ان الارهاب لا يقيم الا في عالمنا الاسلامي ، فبأي حال عدت يا عيد ؟!!!