تفاءلوا !!

 

عندما نقول لشخص ما في لحظة صفاء جميل : يا عزيزي تفاءل ؟ غالبا ما نجد الرد منه يقطر مرارة : " أتفاءل بماذا ؟" (وهنا لا تأتي كلمة ماذا في الرد انما حسب اللهجة التي قد تأتي "إيه" او "ايش" .. وكل ذلك للدلالة على مرارة القاع المختزن لزفرات قوية تصعد كأنها تخرج من تحت الجبال.

والتفاؤل كلمة جميلة لا ندرك معناها وأهميتها في حياتنا ، وهي مع مرور الوقت تتحول إلى صناعة بالغة الصعوبة والتعقيد ، ومن هنا يطرح علماء النفس أهمية الابتسامة في حياتنا كبديل علاجي للمهدئات والمخدرات وما من شأنها تحويل الهم إلى ألم والألم إلى إدمان ،وهكذا نتحول من الجلوس تحت مظلة الهم والغم إلى الجلوس تحت مظلة الاكتئاب .. والسبب أننا لا نجيد التفاؤل في كثير من الأحيان .. حتى أننا ندمن الشكوى ليل نهار ، الفقير يرى سعادته في الغنى والغني لا يجد السعادة ، والعاطل يراها في الوظيفة والموظف يتشكى ليلا ونهارا من التعب وقلة الراتب ، وصدق ذلك الذي قال : كل من لاقيت يشكي دهره.

كيف نتفاءل؟ هذا هو السؤال الصعب ولكنني ادعي أن الإجابة عليه سهلة ، وهي أن ندرك ما نحن فيه من النعم مقابل ما في داخلنا من هموم لنصل إلى حقيقة إن الله انعم علينا بالكثير ولكننا لا نتذكر –حين نتذكر – إلا الهموم وعظائم الأمور ، وقسوة الحياة ، وكأننا في الصومال أو أفغانستان ، ومن يشاهد تلك الحياة عليه أن يحمد ربه على نعمة الاستقرار وانه يجد أضعاف الأضعاف مما لدى شعوب أخرى ، ويقول الله سبحانه وتعالى : وان شكرتم لأزيدنكم.

ربما أن الحياة تثقل علينا بمرارات لا نتمناها ، وجلسة واحدة أمام التلفزيون تزرع أشجارا من الهموم تغطي على حدائق اللوز وباقات الياسمين التي نحرص على غرسها في قاع القلب ، لكن أن نشعر فقط بوجود الأشجار رغم أنها ستبدو قزمة أما روائح الفل والياسمين ، وهي الرهان الأجمل في معركتنا في الحياة.

كي نتفاءل : علينا أن نكف عن الأحلام الكبيرة ، ومن الخطأ ترديد القول أنه حتى الأحلام ممنوعة لأننا بذلك نعطي الحياة قناعا ورديا نهرب به من مواجهة الهم فنتركه يكبر ونحن نسبح في الأحلام الكبرى .. وفرق بين الطموح الذي نسعى أن نحققه .. وبين الحلم الذي لا يتحقق لضخامته..

كيف نتفاءل : أن ننظر إلى الناس الطيبين بداخلهم الجميل دون افتراض ما لا يفترض ، وأن نضع على الورقة مشاكلنا لنبدأ الخطوة الأولى في حلها .. أن ندرك أن الحياة ليست سجادة جميلة للذهاب الى الغد ، وليست شجرة ورد تمنحنا بركات الرائحة واللون ،وليست حقلا من الزهور نسير بين ذراعيه تسكرنا رائحته فاذا فاجأتنا لسعة نحلة لعنا الحياة والظروف ومن حولنا لأنهم تآمروا علينا واتفقوا مع النحل ليعطينا الابر بدلا من الشهد.

الحياة مغامرة .. رحلة طويلة شاقة .. والجاهل من يستسلم ويجلس .. بينما القافلة تسير.

وختاما : صديقي الذي يلعن الظروف والسلف ، واجه الأمر بشجاعة وبعد اشهر قليلة ذهب إلى البنك .. وزاد السلفة!!

والمفارقة أنه عاد ليلعن الظروف .