"لم تكن روحي" لسعاد الكواري

وطن باتساع الحزن مستبد بجراحه

 

 

تختصر الشعرة القطرية سعاد الكواري تطلعات الانسان نحو افق اكثر إشراقا إذ تسجل حضور الكلمة /ذات المرأة / تجلياتها في ساعات الركض والحزن وإيقاعات الشجن ،والعذاب في القلوب الموسومة بالرحيل دائما نحو الشغاف البعيدة.

في مجموعتها "لم تكن روحي" تتسلل سعاد الكواري من زاويا الصمت لتبوح في 14 نصا حاكية عن الوجع والسواد والوهم والأبواب الموصدة ، وعن منافيها الداخلية مشعلة صهوة الكلمات برغبة لا تحد للركض نمهما كانت طاقة الذات ،وحيدة ومنهكة ،ورغم سوط الجلاد الذي يوصد الابواب لكن المرأة / الشاعرة قادرة على الإيقاع بالحزن :

 

أتسلل من زئبق الوقت

منهكة خطوتي أتسلل هاربة

من دبيب السؤال

واهوم بقرب قناديل

صامتة ،

أترنح كالشمع

في هدأة الليل

ثم أذوب على هضبات الوجع

ببوح صاخب تصدم سعاد الكواري /المرأة / الشاعرة قارئها الذي يقرأ إذ يقرأ تفاصيل ذات منهكة الخطو ، تتخبط في تيهها الأزلي تحمل الضعف والشجن والدمع في قالب هذه التي تسمى انثى ، تخاطب الآخر كأنه شبح ليل ، او كأنه السجان يحمل السوط والقيد ،يقتات من دموع هذه المرأة الضاجة بحزن ملائكي شفيف ،تترفع المرأة الشعرة فوق جراحها لتتقمص أرواح كل النساء اللاتي تمردن على السجان وتجاوزن الضعف ليقررن أن الدمع حالة خاصة لا تمنع من قول لا وان كانت من خلف كثبان عميقة الرمل وصحراء قاحلة تضيع الكلمة فيها خطوات تأتي عليها الريح عاصفة ،تقتلع الرمل ،لكنها لا تقدر على الانسان المتمسك بذاته.

تقدم سعاد الكواري قراءتان في سراديب الوجوه ،القراءة الأولى أربعة مقاطع ترسم فيها أفق الذات / الشاعرة / المرأة والعذاب المتصل في خبايا روحها :

 

حاول الشاعر

أن يمزج أحلامه بالحبر

فطاشت رجفة المنفى

ونامت فوق أحزان العبارة

لكنها في مقطع آخر تعود لتتحدث عن الذات الأخرى المشاغبة أو تلك المقابلة لحالة الشرخ الإنساني ،هؤلاء الذين "يتوهون مثل الرعاة / او يأتون في آخر الليل / تلحقهم لعنة وخطاطيف سوداء "

وفي القراءة الثانية في سراديب الوجود تكتب سعاد الكواري حزنها وتعود إليه كأنه الجدار الأخير ،أو صخرة سيزيف تسند أولئك التائهين مثل الرعاة لتشرب حزنها – وحدها – كفنجان قهوة وفي خدرها تتأمل الأشياء من حولها صحراء لا حدود لها ،مليئة بالقبائل التي تهافتت عليها تحرسها من مجهول ما :

 

كالسكاكين التي تقتل عصفورا

سجينا

كالمواعيد

التي تدخل جلدا

كالمدى

او كالسلاسل

كبقايا قهوة

في قاع فنجان وحيد

يلمع الحزن ويأتي شاردا

من عتمة الذات

ويمضي .

لكن الي أين يمضي هذا الملتبس في زوايا الروح ، المفجر لطاقات الذات المتصالحة من اعتياداتها ، صحراء موحشة ومطرا اسودا وضباعا تنوح في عتمات الليل والقيد الذي تطرقه الكلمات لعله يتكسر ،فجر عن ليل أخير في عتمات هذه المرأة الأنثى ،بوجعها المتقادم ،وبوحها المتسائل عن جدوى ذلك كله .

تنسكب النصوص حارقة كما ارادتها الشاعرة ،في فضاءاتها تختال ميتافيزيقيا الضوء وعوالم من الظلمات الداخلية تجتث أشجار الفرح ، تكتب سعاد الكواري عن الفرح المخنوق في خاصرة امرأة ترتعش بالحلم لكنها تخاف خفافيش الليل ان تهتك استارها ،وتلتمع انوار الروح من عناوين المجموعة التي سردت ابجديات الجرح في هذه النصوص : وجعي رماد ، الظلال ، الالم ، السواد ، انزواء ، الأبواب ، الصمت ، الوهم … إلى آخر العناوين ، عناوين تؤدي الى طرقات الضياع و اسفار الدمع الباحث عن فضاء ينسدل فيه سحابا تروي قطراته جداول الزهر .

تبدأ ظلمة الأشياء في مجموعة لم تكن روحي من غلاف المجموعة بلونه الرمادي المثقل بتدافع اللونين الأسود والأحمر ، بإيحاءات النزيف ،الغلاف للفنانة القطرية نوال الكواري ،كأنه انسجام امرأتين ، الشاعرة والفنانة ، ترسمان لوحة السواد ،جرحا بلون الحبر ، أحدهما بالريشة والآخر بالقلم ، تتابع الشاعرة رحلة النزف :

 

قبل أن نمضي بعيدا

تاركين الباب مفتوحا

سوف نبكي

ونغني في الخفاء

وننادي شجر الليل

لكي يرمي أثاث البيت

في جرح الفضاء

كأن البكاء مرتبط في خاصيته بالليل ،وبالخفاء الساتر للبكاء والغناء ،نقيضين لوجه واحد ،البكاء المر الذي اختلط بتراب الإنسانية ساعة التشكل الأولى وبات واحدا من عناصرها الذي تحن اليه ،فتتابع نصوص المجموعة بحرص مؤلم على أفعال الحزن التي أنتجتها الإنسانية في رحلتها ، المفردات متقاربة ببساطة لغة البوح لكن هذا التبسيط في السرد الشعري يقابله تعقيد على المستوى الداخلي للنص لأنه كتابة عن خرائط الروح والأوردة التي تنساب في داخل الجسد تحيي موات الألم في كل المسافات الواصلة بين الروح والجسد ،تحكي عن وطن له أرصفة مهلكة وورد يابس لكنها لا تجد غير وطن تخترعه لترمي إليه نفسها :

القي عصاي على

جثث التائهين

وامضي

إلى آخر العمر

حاملة جثث الوطن المستبد

على راحتي

تحاور الشاعرة ذاتها ، خضاب الدمع في المآقي المرهقة ببكائها ، لكنه البكاء المفرح الذي يشعل الشموع لبوابات اكثر اشراقا ،كأن هذا الانثيال الدمعي تخفف الروح من اثقال الهزائم اليومية ،لعل الروح حين تنهض تكون اكثر اشراقا لانها تبللت بالدمع غاسلة غبار الصحراء والرمل .. والبكائيات الطويلة على غائب حاضر