تتجه انساق الإبداع – بالضرورة- إلى متلق موجود أو مفترض ، منها ما يؤجل مسارات الالتقاء ومنها ما يرتبط نجاحه بمقدار النظارة أو المتفرجين الذين يتلقون الإبداع ، وربما ليس بالأهمية أن يكون متصفا بنواح أدبية صرفة ، فالإبداع الإنساني لا يتوقف عند الشعر وما شابهه من مساقات معرفية لها الحضور الأدبي بلغته وأنماطه وأشكاله.
وليس من قبيل التعميم الحديث عن انتشار أدبي أو شخصاني للمبدع و إنما عن المسافات التي تنجح العمل الإبداعي ليكون له حضوره وتواصله واستمراره ..
الكتاب مثلا : لو أن كاتبا أراد نشر كتاب له ففي المتوسط سيدفع 500 ريال للمطبعة مقابل ألف نسخة ، سيعطي الموزع نصفها ويبقى النصف الآخر في مخزنه للاهداءات والمجاملات والطلبات المجانية المباشرة ، أي انه احرق نصف سفنه التي كان من الممكن أن تعوضه عن بعض المبلغ المدفوع للمطبعة ، ومن ثم تأتي حسابات : كم نسبة الناس المتعلمين في المجتمع؟ وكم نسبة من يقرأ منهم ؟ وكم نسبة الذين يهتمون بالقراءة في المجال الأدبي الذي عليه الكتاب المطبوع ؟ وكم واحد منهم يذهب للمكتبة لتفقد الجديد فيها ؟ وكم واحد سيقتنع بالكتاب والكاتب ؟ .. هذه الحسابات تأتي في مجتمع صغير لو حذفنا العمالة الآسيوية من عدد سكانه سيبقى مليون ونصف ولو حذفنا العجزة والمسنين والأطفال والمعاقين فكم سيتبقى من المجموع؟ وستبقى نسبة الشباب من الجنسين التي سيخرج منها عدد محدود من هواة القراءة وأيضا المقدرة والرغبة في اقتناء كتاب .
وفي المسرح : تزداد المشكلة تعقيدا ، فمنتج أي مسرحية سيدفع ميزانية تتراوح بين 2000 الى 5000 ريال ،هي أجور الممثلين والعاملين في النواحي الإدارية والفنية وكلفة الديكور وغيرها من المدفوعات السريعة ، ولأن الجمهور اعتاد على كلمة (والدعوة عامة) فان دفع ريال واحد يمثل ترفا غير مستحب وعلى هذه الحسبة فان المنتج يلزمه عدة آلاف من المشاهدين لإرجاع ما دفعه ومن ثم التفكير في الربحية ،، وعليه أن يتخيل كم ألف سيقبلون على مسرحيته والحسابات السكانية على ما هي عليه .
وهذه ليست حسابات فلكية تستلزم منجمين لأن التجارب أثبتت ان الكثافة السكانية عامل مهم في نهوض أي حركة إبداعية لأنها تمثل أرضية التلقي اللازمة نفسيا للمبدع لمواصلة خطواته قبل أن يشعر انه يمشي وحيدا في صحراء الربع الخالي ، ولازمة ماديا كي لا يبقى يأكل نفسه ، بالضرورة ليس مطلبا الثراء من طبع كتاب أو عرض مسرحية أو إقامة معرض فني ولكن من المهم ان يبقى للمبدع حق الإحساس بأن الطريق محفز للمشي .
هناك كتب مهداة لم يقرؤها المهدى إليه ، وهناك مسرحيات عرضت بالمجان وبقيت اغلب كراسي القاعات خاوية ، وهناك معارض فنية ظلت صالاتها تتمنى زائرا يأتي ليتأمل لوحة فنية ترتقي بالحس الجمالي لرائيها .. وهناك .. وهناك .. وهناك
……….البعد الجماهيري حيوي لإنعاش ذاكرة الفنون ، وحتى تلك التي تعيش بنصف إبداع أو ربعه او عدمه فان الالتفاتة الجماهيرية ترفع المنتج (بكسر التاء ورفعها) لتكون له هالة نفسية تعود على المكان ونفسيات من حوله بكثير من الزهو والفرحة الداخلية القادرة على اجتياح عدد هائل من العقد .
وبنفس المقدار من الأهمية تأتى مسالة التربية الذوقية والفكرية للعقل المجتمعي فالمجتمع الذي تملؤه الأمية لا يتحرك كمثل الذي تثقله أمية اقل وهكذا فانه ونحن على بدايات قرن جديد يأتي بعد قرن وصف بأنه قرن التكنولوجيا لا يمكننا إلا حذف مقولة أن الأمم الجاهلة اسهل انقيادا من الأمم المتعلمة ، و أبواب المعرفة متعددة وبعيدة وشاقة وشد الرحال إليها مبكرا افضل من محاولة اللحاق بركب يبدو انه أخفى خرائط الدروب وانزل العتمة على المسافات الواصلة بين النار والنور .
وبتوافر أولى الخطوات لإزالة الأمية الفكرية فان مسئولية الفرد تأتي في مقدمة المسئوليات الجسيمة التي تنوء بها الكواهل لكنها قائمة على حد الخنجر فإما أن نرقص طربا بها أو أن نبدأ في اجتثاث بؤر الجهل التي داخلنا بنفس النصل .
هل فكر أولئك الذين يتشدقون بأهمية العلم أن يمسكوا كتابا فيقرؤوه؟
وهل فكر أولئك الذين يبررون عدم القراءة بارتفاع قيمة الكتاب أن يدخلوا مكتبة عامة وان يستعيروا كتابا فينهلوا منه؟.
وهل فكر أولئك الذين لا يفرقون بين اللون الموجود على لوحة واللون الذي يلبسونه أن يدخلوا قاعة معرض للبدء في تربية حسية وجمالية للذهن يمكن بعده قراءة افضل للكون وللمستقبل ؟
وهل فكرنا جميعا أن للقراءة متعة الاكتشاف ، وان للاكتشاف متعة الوصول إلى المعرفة ، وان المعرفة طريقنا إلى الغد وليس الخطب الرنانة التي زاد عدد مجيديها حتى تفاجأ بأن المحللين (في السياسة والاقتصاد والثقافة ..وربما وصولا إلى الجنس) باتوا اكثر من أولئك الذين يظهرون في كل القنوات العربية)
ربما انه هناك أزمة ما سببها الكثافة الجماهيرية ولكن مؤكد أن هناك أزمة اكبر سببها تهميش المعرفة من قبل الجماهير!!
وربما (للمرة الألف) تبقى الجماهير مرتبطة بهذه الحالة إلى حد ما ، لكن هل يعذر حملة حرف الدال والقادمين عليها والمؤلفة قلوبهم أملا فيها بحيث تتحول المعرفة لديهم إلى تنقيب في كتب معينة لنقل معلومات معينة تملأ صفحات كثيرة يسمى مجموعها بحثا وبالتقادم يكثر عدد البحوث وعدد المتعلمين .. وعدد الأميين (الذين يعرفون القراءة والكتابة