ابحار في ذاكرة شيخ عماني

 

الحديث عن الماضي له شجون ، لأنه ابحار فيما قد فات ،ومتعة هذا الحديث انه جردة للأيام التي مرت عقودا من السنين ،واسترجاعها فيه شيء من عبق الذي ذهب ولن يعد ، انه كقراءة عن رحلة مضت ،فيها عودة الخيال للأمكنة التي زحفت الى الذاكرة ذات حين وللأزمنة التي غاصت في السحيق ومن الصعب ان تستعاد واقعا .. في هذه الرحلة ابحار في ذاكرة شيخ عماني عاش اكثر من ربع قرن وبلاده نثار من التخلف والجهل والظروف الصعبة بين جبل صلد وصحراء تبتلع في رمالها الانسان ،نلتقي في هذه المحطات الثلاث مع محمد بن ناصر الندابي ،الذي هاجر حين كانت الهجرة ملاذا ومفرا وعاد الى بلاده في عصرها الجديد ليتابع رحلة التطور خطوة خطوة ..

 

شهدت عمان ، وعموم الجزيرة العربية طفرات مدنية في عقود قليلة من الزمن ، تحولت حياة السكان من بساطة اليوميات الصغيرة الى تعقيد المدنيات والايديولوجيات ،هذه المناطق التي لم تكن تعرف من تطورات منتصف القرن التي هزت العالم الا الشيء البسيط الذي تسمح به الظروف الاعلامية او الاعلانية لينتقل هامشيا الى الجبال والصحاري فلا يعرف منه الا ما هو في لب اهتمامات الناس المشغولين بحياتهم الصخرية ينحتون فيها بأظافرهم لعلها تنتج ماء وغذاء .

واذ يتذكر العمانيون الامس فانهم يتذكروا ذلك القريب الذي عاشوه وانكووا بصعوبته فمنهم من هاجر يضرب في ارض الله يبتغي رزقا ومنهم من بقي يتلمس في الارض مزروعات تقيه الجوع .. ومنهم من طاف بالبحار موانىء العالم تاجرا ومسافرا ..

هذا الامس القريب كان العقود القليلة التي سبقت عام 1970 اذ ان البعيد يشمل حضارة امتدت الى شرق الارض وغربها ، تجارة اللبان وصلت الى معابد الفراعنة والاساطيل البحرية مادت في المحيط الهندي تطارد المستعمرين البرتغاليين مرات وتسيطر على اراض على السواحل الاسيوية والافريقة مرات اخرى ، و500 قلعة وحصن شاهد عيان على تاريخ حضاري يعتز به العمانيون لكنهم لا ينسون انهم في ساعة الشدة لم يكن امامهم الا الصبر والهجرة بعيدا عن الاهل والارض.

محمد الندابي روى قصة التغيرات التي طرأت على المكان ارضا وبشرا ، وهو اذ يروي ما تغير فانه يطيل في قراءة ما قد كان على اعتبار ان ما هو كائن تكشفه الوقائع على الارض ولا حاجة الى الاطالة فيه كثيرا ، فالاعلام والفضائيات ابقت العالم قرية صغيرة مفتوحة السماوات على بعضها البعض.

###

 

انتثر عقد العمانيون في اراضي الله الواسعة باحثين ومنقبين عن الرزق يساعدهم في ذلك حبهم للترحال ، هاجروا الى بلدان الخليج القريبة كالبحرين والسعودية وقطر والكويت ،وغاصوا في انحاء البلدان الافريقية كتنزانيا وزنجبار بحكم الوجود العماني هناك الذي اغراهم ايضا بالرحيل الى المناطق البحرية في ايران وباكستان والهند ،والبلدان التي لا تحدها الا الصحراء سافروا اليها عن طريق البر على ظهور الجمال والحمير وقلة من يملكون الخيول ،اما المناطق البحرية فان السفن كانت بوابتهم الانسب ،ومن شواطىء مسقط وصور وصلالة ومرباط انطلقت السفن الشراعية حاملة المسافرين واغراضهم شتى ،فمنهم من ذهب للبحث عن عمل ومنهم من خرج تاجرا .. محمد بن ناصر الندابي عدد انواع الرحلات والاسباب التي دعت بعض العمانيين الى الهجرة ،يقول : رحلات العمانين الى افريقيا كان هدفها التجارة وبلغت رحلاتهم الى معظم السواحل الافريقية وفي الجانب الاسيوي بلغت الصين خاصة ميناء كانتون اما الرحلة الى دول الخليج العربي فمنها ما كان لغرض تجاري او زيارة البيت الحرام لكن معظمها كان لطلب الرزق.

اما عن الاسباب التي دعت الى ذلك فيري الندابي انها تلك الصعوبات التي عصفت بعمان في العقود القليلة من السنوات التي سبقت عام 1970 ،مرت على عمان سنوات من الجدب تعذر فيها حتى الاكل لاعتماد العمانيين على الزراعة ،من المصاعب الاخرى قلة الاعمال المتوفرة فمن يملك مزرعة فانه يعمل في مزرعته ومن لا يملك مزرعة او محلا صغيرا للتجارة فان لا بديل امامه الا اختيار الاصعب من الامور فالهجرة ليست سهلة ،والمسافر يودع اهلها كأنه راحل الى الابد لانه لا يدري ان كان يعود حيا او ميتا او ربما لا يعرف عنه احد شيئا لصعوبة الاتصال في تلك الفترة.

ويضيف : الاعمال كانت محدودة جدا ،هناك من كان يعتمد على رزق البحر والحيوانات القليلة التي قد لا يبقى منها شيء في زمن القحط.

 

###

 

عن تجربته يقول محمد الندابي : سافرت منتصف الستينات الى دبي ومنها الى البحرين ومن ثم السعودية ولم اجد عملا فيها فعدت الى البحرين حتى عام 1970 وكانت رحلتي على ظهر سفينة شراعية صغيرة متنقلا بين موانيء دبي والمنامة وجدة ،واشتغلت مع شيوخ البحرين ولكن كان الحنين للعودة لا يفارقنا فمهما كانت حفاوة الاخوة البحرينيين بنا نحن العمانيين فان احساسنا بالغربة والبعد عن الاهل والتخلف الذي فيه عمان ولد فينا المرارة والرغبة في جعل بلادنا تعود الى ما كانت عليه من حضارة يشهد لها التاريخ.

ولكن ماذا عن المصاعب التي كانت تواجه العمال العمانيين في الخارج : يقول الندابي: بحكم تجربتي في البحرين فان اكثر العمانيين اشتغلوا في هذا البلد الطيب الذي كان يعطي الاولوية للعمال العمانيين وكان عملنا في الحراسة على بوابات المنشآت وايضا في الزراعة والتجارة واعمال البناء ،والمعاملة القاسية تأتي غالبا من ارباب العمل الذين جاءوا ايضا من خارج البحرين وتولوا مهام الاشراف على سير الاعمال.

الصعوبات الاخرى كانت بسبب الاقامة فالهجرة لاجل العمل تتطلب المكوث فترة طويلة هناك ولا بد من تجديد الاقامة وهذا يتطلب العودة الى عمان والسفر مرة اخرى بما في ذلك من مصاعب جمة كمخاطر السفر وتكاليفه والفترة التي تضيع على العامل للتنقل من دون اجر يمكنه الحصول عليه من بقائه على رأس عمله ،وبعد ان يجدد الاقامة ويعود الى عمله السابق يجد ان عاملا آخر حل محله وعليه ان يمضي فترة للبحث مرة اخرى ويبقى في ظروف صعبة جدا لانه انفق ما ادخره على عائلته التي تغرب عنها وعاد خالي الوفاض على امل العمل مرة اخرى والادخار ومن الصعب ان يرجع مرة اخرى الى بلاده لأنه قد لا يجد أجرة الركوب في سفينة العودة.

 

###

 

وماذا عن الجواز : يقول محمد الندابي : تصرف الحكومة في مسقط الجواز ولكن بصعوبة ولا يسمح لمن دون العشرين بالسفر وتحدد دول معينة للسفر اليها وهي دول الخليج فقط ولا يمكنه السفر الى دولة اخرى الا اذا حصل على جواز سفر آخر من دبي.

وعن اجرة التنقل يقول : الاجرة تتفاوت حسب حجم السفينة التي اجرتها اقل من اجرة الشاحنات الكبيرة المعدة اصلا لنقل البضائع والتي ظهرت في اواخر الستينات ،ومتوسط اجرة التنقل 200 روبية هندية وهي العملة التي كانت متداولة حتى عام 1968 حين أمر السلطان سعيد بن تيمور بسك الريال العماني ،وكان هناك ايضا قرش الفضة وهو عملة فرنسية.

اما عن الرواتب فيري الندابي انها كانت قليلة جدا وتترواح بين 200 الى 250 روبية ومن يحصل على 300 فانه معرض للحسد ، لكن بركتها كانت في القناعة ،والعماني قانع بطبعه ويتجلى ذلك في بيته البسيط ومأكله الابسط والمصاريف لم تكن الا للاكل والشرب وبالكاد تكفي واللباس كان متواضعا ،ما قصر على الطفل الاكبر يلبسه الذي يليه وما يتركه الجد يلبسه الاب وما يتركه الاب يلبسه الابن بدون اية مواربة او حرج في ذلك ،فالحياة الصعبة تفرض اساليبها وكل الناس ظروف معيشتها متشابهة تقريبا ، في النهار يكدحون ويعملون وفي الليل لا شيء من ادوات الترفيه الا الشعر والجلسات وسط سماع الروايات والاحاديث ومن كان لديه فضل خير فانه يسهر مع الآخرين على ضوء قنديل والا فان ضوء القمر في الصيف اجمل ما يكون ،ولا ننسى ان الشتاء كان يأتي شديد البرودة لانعدام الالحفة القادرة على صد البرد ولذا فان التحلق حول (الصريدان) كافيا ليأتي ببعض الدفء والصريدان هو آنية حديدية يوضع فيها الجمر ،والمصائب التي ادت الى ذلك كثيرة من حالات اختناق واحتراق.

مرة كانت احد الامهات تضع الصريدان تحت مهد الطفل ليتدفأ ونامت لتجد المهد ومن فيه يتحول الى كتلة فحم.

ويشير محمد بن ناصر الندابي الى الهجرة التي قام بها العمانيون الى زنجبار وهي هجرة لها اسبابها المتعلقة باستيلاء عمان على سواحل شرق افريقيا ،وبعد الانقلاب الافريقي على الوجود العماني هناك تعرض العمانيون للاضطهاد والتعذيب مما حدا بالكثيرين الى الرجوع الى بلدهم وشكل السلطان سعيد بن تيمور لجنة للنظر في طلب من يريد العودة دون انتظار لاية اجراءات وكان العمانيون الذين يعملون هناك يبعثون بالاموال الى اقاربهم واهلهم في عمان ليشتروا لهم مزارع ومحلات تجارية وكان لهم بعد نظر في ذلك فحالما هبت العواصف ضد الوجود العماني وجد هؤلاء ما يعينهم على الحياة مما ادخروه لساعة الشدة ، الا ان هناك من آثر الصبر حتى انجلاء العاصفة وثبتوا رغم كل الظروف ومنهم من عاد بعد عام 1970 ومنهم من لا يزال يعيش حتى الآن في زنجبار وسائر المدن الافريقية التي كانت خاضعة لعمان آنذاك ومتمسكين بملابسهم وعاداتهم ويذكرون بلادهم دائما كلما التقوا احد الزوار من عمان.

ويشير الندابي الى خدمات قدمها السلطان قابوس الى زنجبار كبناء مستشفى ومطار وتقديم عدد من الخدمات للجالية العمانية التي تعيش هناك.

 

###

 

يكاد معظم العمانيين يتذكرون الصعوبات التي قاساها جيل ما قبل السبعين ،لا توجد الا ثلاث مدارس لا يدخلها الا الاغنياء وتوجد اثنتان في مسقط وواحدة في صلالة فيما قامت مدارس القرآن الكريم في الجوامع بدورها في تعليم اقلية مبادىء قراءة القرآن والحديث واللغة العربية ،فالجهل والتخلف اوجد ظروفا صعبة ودخلت الاساطير وخرافات السحر والشعوذة الى عقول معظم الناس ،هذا بالنسبة للتعليم ،وبالنسبة للنواحي الصحية كانت الفرصة الوحيدة للعلاج الحديث تتمثل في مستشفي البعثة التبشيرية بمدينة مطرح وكانت عمان تكاد كلها تعرف الطبيب طومس (توماس) ،لم يكن العلاج مجانيا وانما مقابل مبالغ ودعوات للدخول في المسيحية ،المستشفى كان بناء عاديا وفيه تجرى العمليات العلاج الخفيف الذي لا يتطلب اكثر من ادوية وحبوب يتكلف من 10 الى 15 روبية والعمليات تتكلف 50 روبية ،كان هذا نعده ترفا لاهل مسقط فقط والمناطق القريبة منها ،اما الاماكن البعيدة فلا يعرفون عن طومس سوى قدرته العجيبة على شفاء الامراض ،وانتقالهم الى مسقط للعلاج مغامرة شبه خاسرة فاذا لم يمت المريض في الطريق فانه يموت ومن معه بسبب قطاع الطرق ولا يمكن للقبيلة ان تكلف اشخاصا منها للسير شهرا كاملا لحراسة مريض قد لا يكتب له النجاة بسبب شدة المرض وتعب الطريق..

يستطرد الندابي : وسائل العمانيين في العلاج كانت بدائية جدا ورغم كثرة الانجاب فان الموت اسرع الى تلك الذريات الكبيرة العدد ، كل عائلة تنج عشرة او عشرين ابنا ،قد لا يبقى الا واحد او اثنين والباقي يدفنون اطفالا نتيجة الوفيات الكثيرة والجهل في مداواة الامراض ،العلاج ما قد يكون بجلسات الزار وضرب المريض حتى الموت بحجة طرد الارواح الشريرة من الجن منه ، ايضا بالوصفات المحلية فالطفل الذي يكون مصابا بالحمى يدخل في غرفة صغيرة ويشعل فيها النار ويدهن جسمه بالثوم بتأثير معتقدات خاطئة وما هي الا دقائق يكون الطفل قد ارهقته الحمى والنار والثوم الحارق وتغادر الروح الى بارئها ،كان كل من لديه مريض يستجيب لاي وصفة يقولها احد الجهلة والمدعين لمعرفتهم بالعلاج من باب الامل في أي شيء ينقذ المريض من آلامه.

ولا ينسى محمد الندابي اسلوب الكي المتبع لعلاج أي مرض ،هناك من يتلقى جسمه عشرات (الوسوم) التي تترك ندوبا في جسده ان لم تكن قد تسببت اصلا في فناء جسده بسبب كثرة الحروق والتي هي ايضا ليس لها مراهم او علاج ، اما المصابين بالحصبة من الاطفال فانهم يسقون بول طفل لم يتم ختانه ويقطر في اعينهم وآذانهم ويدهن به سائر جسمهم .. ويضحك الندابي وهو يقول : ومن ثم يتعجبون كيف مات الطفل!!!

ولا ينفي الندابي وجود عارفين بالادوية العشبية الا انهم نادرون والاتصال بهم صعب وسط الموانع الطبيعية التي تشكل الجبال ابرزها.

 

###

 

من هذه الظروف وضحت اساطير السحر التي ترى ان الميت ليس متوف وانما سحره شخص يريد ان يأكله في وليمة يدعو اليها اصدقاءه من السحرة حسب طقوس خاصة ،وتبدأ الاشاعات بعد وفاة شخص بساعات اذ يدعي شخص انه يشك في موت هذا الانسان رجلا كان او امرأة او طفلا ومن ثم يدعي آخر انه رآه يشرب وآخر يقول انه سمع صوت صرخاته والساحر يضربه وهكذا تكبر الحكاية لتغدو حديث المتسامرين خاصة وانه لا شيء للتسامر غير هذه القصص والخرافات ،وما يجعل الامر قابلا للتصديق في ان الساحر على خلاف مع شخص هو وفاة اكثر من ولد لذلك الشخص في ظرف ايام ، هذا نتيجة الامراض المعدية والتي لا علاج لها لكن الناس تصدق الحديث المتداول بسبب جهلها ورغبتها في تصديق الحكايات وتشير الى اشخاص معينين انهم سحرة ويتم تجنبهم والسعي الى رضاهم.

ومن المصاعب الاخرى التي يتذكرها الندابي هي المواصلات فلا توجد الا الجمال والحمير وفي الستينات ظهرت السيارات الانجليزية والاسبانية ومن تلك الانواع اللاندروفر والبيد فورد واول سيارة رأيتها كانت عام 1962 ،وعلى ظهور الحمير والجمال كنا نقطع المسافة بين مسقط ونزوى في عشرة ايام ونبيت عشر ليال في الطريق مع احتمال ان نتعرض للهجوم من قطاع الطرق واللصوص والمهاجمين من القبائل الاخرى ،بالسيارة الآن المسافة تقطع في ساعتين فقط.

 

###

 

مرت على عمان فترات طويلة من القحط بعضها استمر اكثر من عشر سنوات ، حدث هذا منذ ما يقارب الخمسين عاما ،امتنعت الامطار عن القدوم وجفت الارض ويبست منابع الماء ، عن تلك الفترة يقول محمد الندابي: كنا في تلك الفترة صغارا عندما لم يبق في القرى شيئا للأكل ،واخبرونا آباءنا واجدادنا انهم ذاقوا الامرين نتيجة تلك الظروف فالناس في المناطق الزراعية كانوا يعتمدون على الزراعة ولا شيء آخر ،وانقطع المطر عنهم سنوات حتى ان الكلاب كانت تنام في مجاري المياه والمعروفة محليا بالافلاج ،كان الناس يتقاسمون التمر القليل ومحظوظ من يأكل تمرتين او ثلاث في يومه كله ،والنوى كان يطحن ليصنع من خبزا وربما بديلا عن البن لصنع قهوة ،وقامت النساء والاطفال باعمال (الزيجرة) وهي محاولة استخلاص الماء من الآبار شبه الجافة لري ما تبقى من نخيلات قليلة لا زالت تقاوم ،والزيجرة او المنجور كما هي معروفة في الدول الاخرى بالساقية اذ يربط ثور لجر الجراب الجلدي من اسفل البئر الى اعلى.

وبسبب تلك السنوات من القحط ماتت الحياة في قرى باكملها وهاجر سكانها الى مناطق افضل حالا ومثلما تسببت في هجرة للخارج تسببت في هجرة داخلية اذ استقر اناس من المناطق الداخلية في البلدان الساحلية وظلوا فيها حتى يومنا هذا.

 

###

 

ويتذكر محمد الندابي مجاعة حدثت ايام الحرب العالمية الثانية عندما انقطعت خطوط التجارة بين عمان وبقية الدول الآسيوية التي يستورد منها الارز ،الوجبة الاساسية والتي اعتاد عليها العمانيون شأنهم شأن الشعوب الآسيوية بما فيها من كثرة ورخص.

ومن المصاعب التي مرت ايضا في نقابل القحط والمجاعات هناك الفيضانات ،يتذكر محمد بن ناصر واحدة وقعت عام 1370هجري وسميت جائحة السبعين او جائحة البسيتين وهذه اجتثت قرى باكملها ولم تبق فيها شيئا على سطح الارض وهرب الناس الى الجبال يحتمون بها ،وبعد ان جفت الارض قليلا اعيد تقسيم الاراضي بالتعارف والتآخي وايضا بالقياس فارض فلان تجاور ارض فلان ومساحتها كذا وكذا وتفصل بين هذه وتلك طريق كما كانت قبل الفيضان ،وبعد تلك الفترة بثلاث سنوات حدث الامر مرة اخرى ولكن بصورة اقل رغم ان الخسائر كانت اكثر تأثيرا بسبب ان الناس تعبوا كثيرا في استصلاح اراضيهم ومزارعهم.

ويسترجع محمد الندابي ذاكرته حول المصاعب الاخرى فيتذكر الحروب القبلية بين السكان وقال : انه لم تكن حروبا كبيرة وانما كانت مناوشات بين القبائل ومحاولات لأخذ الثأر الدائمة وقتل الانفس والحاق الضرر بالثروتين الزراعية والحيوانية للقبائل المضادة امرا اعتياديا في تلك الفترة فلم تكن سوى البنادق والترصد للخصم بين الجبال والهجوم ليلا ،وهذا الوضع لم يكن في عمان وحدها بل كان عاما بين قبائل الجزيرة العربية بسبب الاوضاع المعيشية السائدة في تلك الفترات والمصاعب التي تقف دون وجود هيمنة كاملة من الحكومات المركزية بسبب طغيان القبلية في تركيبة المجتمع ،وقبل السبعين لم تعرف عمان حروبا بالمعنى الكامل للتسمية الا في ظفار مع الهجوم الشيوعي الذي كان يساند اليمن الجنوبي آنذاك.

 

###

 

وعن الوضع السياسي يتحدث محمد بن ناصر عن وجود حكومتين في عمان ،فهناك حكومة الامامة او حكومة عمان في الداخل وحكومة السلطنة في مسقط، ويشير العمانيون الى كلمة عمان الى داخل البلاد فيما يقولون البندر للاشارة الى مسقط ،يقول: لم يكن هناك تعارض بين الحكومتين بل تعاون شبه كامل فمسقط هي اطلالة عمان على البحر ومنها تأتي الثروة السمكية والمناطق الداخلية هي ثروة البلاد من الزراعة والثروة الحيوانية ،كان هذا الامر قبل خمسين عاما تقريبا ،والقبائل تتبع حكومة مسقط او حكومة الداخل حسب رغبتها وموافقة الحكومتين على ذلك ،وكانت هناك من القبائل ما تخرج عن سيطرة الحكومتين فتغزو بعض القلاع والحصون والتي كانت منها تدار الولايات والمناطق لموقعها الاستراتيجي كبناء ضخم وسط الصحاري والبيوت الصغيرة التي كانت سمة ذلك العصر ، تلك الغزوات تسمى محليا بالقبض وهو قبض غاز على القلعة او الحصن ليتحصن فيه ويمكنه السيطرة على ما حول المكان بسبب هندسة البناء التي تراعي صمود من داخل المكان ضد الهجمات اذ توجد فتحات للرمي واخرى لسكب العسل الحارق على من يحاول الدخول وفي ضوء الامكانيات البسيطة على المعتمدة على البنادق كان الحصار يمتد عدة اشهر حتى يتمكن الجوع والعطش ممن في داخل القلعة او الهجوم المباغت.

يضيف الندابي : مثل هذه الغزوات كانت تؤثر على هيبة الحكومة (في مسقط او في الداخل) وكانت حكومة مسقط ترفض خروج أي قبيلة عن حكومة الداخل ويتم التعاون جيدا لتسليم المجرمين بين الحكومتين عبر رسائل ومبعوثين فالجميع موقن انه عماني وما يجري هو تنظيمات ادارية رضي بها الطرفين ، هذا الوضع استمر حتى حكم السلطان سعيد بن تيمور (والد السلطان الحالي) الذي اعاد توحيد الحكومتين تحت مسمى واحد هو حكومة مسقط وعمان وكان آخر الائمة العمانيين الامام غالب الهنائي الذي هزم في معركة دارت قريبا من الجبل الاخضر واضطر للتسليم تحت قصف الطائرات التي دخلت الحروب لاول مرة ،وخرج الامام غالب الى المملكة العربية السعودية ولا يزال يعيش فيها حتى الآن.

وفي السنوات التي مرت كأنها أيام قليلة يتذكر محمد الندابي نظام الحكم في حكومة الداخل ، يقول : كان حكم الامامة حكما اسلاميا خالصا وكل القضايا تحل بواسطة الشرع وساعد في ذلك بساطة الحياة وقربها مما كان معروفا ايام حكم الرسول صلى الله عليه وسلم فلم تكن المشاكل اكثر من خصومة على الارض او الثمر او البت في جرائم السرقة والقتل ونحو ذلك ، لذا فان الامام كان يجلس في مكان في القلعة يسمى البرزة ومعه كبار العلماء والقضاة والاعيان الملازمين لجلسة الامام ومن يحب الحضور من الناس ،وتبدأ الجلسات من صلاة الفجر وحتى صلاة العشاء الآخر تفصل في ذلك الصلوات ووجبات الطعام التي يتناولها الحضور معا ،ومن القضايا الاخرى التي تناقش القضايا الامنية واستعراض الرسائل التي يبعث بها الولاة حول المشاكل التي يواجهونها وبالتشاور بين العلماء والامام يجري البت فيها ويعتمد الامام على القبائل لحماية الثغور وكانت كل قبيلة تجتهد اقصى طاقاتها من باب الحمية القبلية والتفاخر.

 

###

 

ويقول الندابي : مثلت تلك الفترة حالة خاصة من ممارسة الديمواقراطية بمعناها الحديث ،فالامامة لم تكن وراثية ،وفي حالة فراغ هذا المنصب لاي سبب كان يجتمع العلماء ويقررون من هو الاصلح للامامة وتولي زمام امور المسلمين وينصبون من يرونه الأكفأ وفي حالة خروجه عن طريق العدل يجتمعون مرة اخرى وينصبون غيره ،وعلى كل امام ان يرسل مبعوثين الى المناطق الرئيسية التي بها ولاة لمبايعته والتسليم له والرافض عليه ان يواجه جيشا يعده الامام من القبائل التي بايعته ، هذا الامر لا يعني وجود انقلابات على الائمة اذ يثور احد الاشخاص من اخوة الامام او احد اقاربه من عمومة او ابناء عمومة فيقتل الامام الحاكم وينصب نفسه اماما وقد تدور صراعات حول هذا المنصب تستمر سنوات الا ان الامر لا بد له من العودة الى نصاب الحق على ايدي العلماء الذين كانت لهم مكانة عظيمة لدى جميع الفئات من الناس. 

في حلقتين سابقتين تحدث محمد بن ناصر الندابي عن سنوات ما قبل عام 1970، هذا العام الذي يعده العمانيون حدا فاصلا بين عصر اشبه بظلام العصور الوسطى وعصر حديث مختلف في كل شيء يمس حياة الانسان ، تحدث عن رحلات العمانيين الى الخارج وظروف ما قبل السبعين والتي عانى منها الناس كثيرا .. في الحلقة الاخيرة اليوم ،يتواصل الحدثي عن قضايا اخرى تتعلق بسلطات شيوخ القبائل وقضية العبودية والتحولات التي بدأت في يوليو من عام 1970 حين حملت اذاعات العالم اخبار التغييرات التي حدثت في عمان ،وبسببها قرر المهاجرون ان يعودوا الى ارض الوطن.

 

لأن المجتمع قبلي فان تدرجه يبدأ بالفرد داخل قبيلة يحكمها الشيخ الذي يكون مسؤولا عن قبيلته امام الحاكم ، فالشيخ هو حاكم العشيرة وممثل الحكومة المركزية في حدود منطقته ويجتهد ان يحافظ على النظام داخل القبيلة واي واحد منهم يسوءه ان يرى احد جماعته متهما في قضية ما لأن ذلك يعني ان القبيلة كلها متهمة ويصبح ذلك عارا بين القبائل الاخرى.

يقول محمد الندابي : الشيخ كانت له صلاحية سجن ثلاثة ايام لاي معتد من قبيلته واذا كان الموضوع اكبر من مجرد اعتداء بسيط فانه يحوله الى الوالي او القاضي ليحكم عليه حسب ما يراه الشرع الشريف ،وقد يحيله الشرع الى الشيخ مرة اخرى اذا استدعى جلده مثلا فيقوم احد الذين يختارهم الشيخ لجلده ولا بد ان يكون من احد القبيلة فمن غير المستحب ان يقوم بالجلد احد من خارجها تأكيدا لهيبة القبيلة ونخوتها.

ويواصل الندابي حديثه عن هذا الموضوع : هناك اناس معروفون بالاجرام وغزو القبائل من اجل السلب والنهب وتتم مطاردتهم ليبتعدوا عن نطاق القبيلة وايضا تبليغ القبائل المجاورة لاحكام الحصار على الغازين ، هؤلاء الغزاة كانوا يسرقون الجمال والحيوانات التي يربيها السكان ومطاردتهم تتم عن طريق الجمال.

 

التكافل الاجتماعي

 

عاش المجتمع قبليا في تفكيره وممارساته الا ان التكافل الاجتماعي كان ضروريا وحققت اصالة المجتمع العربي شروط الابقاء على الخصال المعروفة عن العرب قديما ،هناك كانت الزكاة التي يدفعها جميع الاغنياء دون استثناء فالثروات شبه معروفة وتتمثل في النخيل والحيوانات ، ويتذكر الندابي فيقول : زكاة الماشية تدفع الى الشيخ الذي يتولى توزيعها على فقراء القبيلة وزكاة النخيل يقوم بها جباة حكوميون والحاكم يوزعها على الفقراء من شتى القبائل ومنها ما يبقى في بيت المال للانفاق منه على متطلبات الحكم ،هذا الى جانب ان الاغنياء يقومون في اوقات الشدة باطعام الفقراء والمساكين وكسوتهم ويتبارى المؤسرون في التفاخر بكثرة من يأكلون من صوانيهم ،وكانوا يقدمون على الصواني الارز واللحم ،وكان لدى كل غني عبيدا يعملون لديه وفقراء ،وهؤلاء يعملون لديه ليل نهار وبالتالي فانه مسؤول عن اطعامهم وكسوتهم اذا لم يجدوا ما يأكلوه وما يلبسوه.

 

 

فضل النخلة

 

ويضيف الندابي : كان صاحب مزرعة النخيل غنيا بالفعل بعكس الحاضر ، فالاعتماد على النخيل يتم في كل شيء ،وكانت لها قيمة كبيرة فالاستفادة منها تتم في الاكل والسكن والوقود فمن أي اجزائها يمكن الاستفادة لأنه لا بديل غيره ،من رطبها وتمرها يأتي الغذاء ومن النوى غذاء الحيوانات ومن سعفها وجذوعها تبنى البيوت وايضا للوقود ، ويتذكر الندابي ضاحكا: الآن من لديه نخيل يشعر بالورطة فالعامل الآسيوي عليه مهمة انبات وتهذيب النخيل واحضار الرطب والتمر منها ودور عمال النظافة في البلدية نقل المخلفات وحرقها وقد كانت تعتبر ثروة ويقوم السكان بتكديس ما يستطيعون الحصول عليه من مخلفات النخيل ليطبخوا عليه ويبنون منه.

ورغم تلك الضائقة الا ان العمانيين ظلوا على كرمهم وحتى من لا يملك الا القليل فانه يحرم اهل بيته منه ليقدمه لضيفه والعلماء كانوا يقدمون العلم مجانا للراغبين في التعلم ويكون ذلك في حلقات الدرس بالجوامع المعروفة وكانت نزوى قبلة العلماء والدارسين ،ويبقى الفضل لهؤلاء العلماء في وحدة عمان فقد علموا على نبذ التفرقة والخلافات وبقاء عمان بلدا واحدا وقد كان من الممكن لولا هؤلاء ان تتقسم عمان الى ثلاث دويلات هي مسقط والداخلية بما يتبعها والجنوب.

ويتابع الندابي : كان السلطان سعيد يستعين بشيوخ القبائل لامداده بالرجال في حرب الجبل بظفار وسانده كل العمانيين في ذلك ومنهم من حارب حتى اولاده الذين انضموا الى الجبهات التي كانت ترتبط بالاتحاد السوفيتي وتتلقى تمويلا من الحزب الشيوعي.

وفي كلمات بسيطة المح الندابي الى العبيد الذين كانوا يعملون لدى الاغنياء ،لكن لا بد من بعض التفصيل ، فيتابع محمد الندابي حديثه عن ذلك:لا ننسى ان مسألة العبودية انتهت ايام السلطان سعيد بن تيمور وايضا في ايام الامام محمد بن عبدالله الخليلي الذي كان اماما على حكومة الداخل قبل الوحدة ،وكانت بسبب هجوم الغزاة على القبائل وبقايا الرق من افريقيا والتعامل مع هؤلاء البشر عن طريق البيع والشراء ،والعبد في بيت سيده واحد من الاسرة يتكفل السيد بمأكله ومشربه لكنه الوحيد الذي يعمل ولا يتصرف بنفسه في أي شيء فلا تتزوج البنت الا برضا سيدها واذا رغب العبد في الزواج يشترط عليه سيده انه قد يوافق الا ان الاولاد ليسوا له وانما يبقون عبيدا للسيد.

وعن مفهوم الحرية يستكمل الحديث : اذا كانت العبودية موجودة فان الحرية في المقابل ليست موجودة ، فالتنقل مقيد ،اذا اردت الذهاب الى مسقط فانه لا بد من الاستئذان والخروج منها باستئذان ايضا ،ومخاوف الطريق كثيرة وتحتاج الى ايام لتصل واخرى لتعود ،واذا وصلت بعد أذان المغرب الى بوابة مسقط فانه عليك ان تنام حتى الصبح ليسمح لك بالدخول ويأخذ (المعوشري) العشر مما تحمله حتى ولو كان جرة عسل .

يستطرد الندابي: الحصول على جواز كان عملية صعبة جدا ،لحقت على فترة الامام محمد بن عبدالله الخليلي والامام غالب في حكومة الداخل والسلطان سعيد في حكومة مسقط ومن ثم توحيد البلد تحت حكومة واحدة ،وكنا تابعين لحكومة السلطان سعيد.

ويتذكر: من الاشياء التي لا تنسى هي رؤية الهلال فكانت تتم بالعين المجردة ومعرفة الناس للافلاك والنجوم ،في الولايات الرئيسية يطلق المدفع لابلاغ الناس وتتسامع القرى بخبر الرؤية من بعضها البعض عن طريق اطلاق الرصاص او المبعوثين ،وربما يحدث ان قرية صائمة فيأتيها النبأ وقت الظهر ان اليوم عيد الفطر وقد يكون انها مفطرة فتعرف ان اليوم هو اول ايام شهر رمضان المبارك.

هذه المسافات رغم قربها الا ان التنقل على ظهور الجمال والحمير يشعر بالتباعد الذي بينها ،ومعرفة ان فلانا قد توفي يحتاج الى عدة ايام ليعرف اقاربه في قرية اخرى بذلك.

ومن المسافات الى الحياة البسيطة داخل البيوت ، يتذكر الندابي فيقول: الناس كانت تعيش في المساكن الطينية المبنية من الطين وجذوع النخيل ،اما مساكنهم في الصيف فهي من سعف النخيل ،ومن لا يملك مزرعة يبني فيها مكانا يقيه الحر الى حد ما فانه ينام فوق سطح بيته الطيني ،وبالنسبة لاضاءة البيوت فان في كل غرفة فتحة دائرية في السقف تغطى اذا حلت الامطار او حان الشتاء ،وكانت اسر كبيرة تعيش في بيت صغير من غرفتين فلم تكن هناك مباهاة بالسكن والمعيشة ،كل يعيش حسب طاقته ،بعكس ما يحدث حاليا ان البعض يعيش فوق مستوى قدراته مباهاة للآخرين فيتحمل من الديون ما لا طاقة له بها.

شظف العيش قابله شظف آخر في التعامل مع البيئة سواء اكانت صخرية ام صحراوية ،وبالايدي التي لا تحمل سوى آلات بسيطة يتم تصنيعها محليا تم لهم حفر قنوات المياه من الجبال الصلدة ولمسافة تصل الى عشرات الكيلومترات وشيدوا قلاعا فوق الجبال ،والنظر الى ما يسمى محليا بالافلاج يكفي للدلالة على عظمة ذلك الجيل وتحمله وعمله رغم كل المشاق ، والافلاج هي قنوات مائية قد تنبع من احد الجبال ويتم ايجاد ممر لها لتصل الى القرية وقد تمر تحت الارض عدة كيلومترات وبهندسة عجيبة تعبر السهول والصخور لتصل متوازية الى القرية علما انه في بعض القرى توجد اكثر من خمسة افلاج من هذه.

ويقول الندابي: طوروا احتياجاتهم من الادوات وكان منهم الحدادين والنجارين ،وكانت هناك مصانع اسلحة لانتاج البنادق المحلية وبعدة انواع وصناعة الرصاص وتباع في اسواق معروفة كسوق نزوى في الداخلية وسوق مطرح في مسقط وسوق عبري في الظاهرة وغيرها من الاسواق التقليدية الشهيرة ،والى جانب هذه الصناعات هناك صناعات اخرى كالفخار الذي تنتج منه الاواني الفخارية المستخدمة لحفظ الماء وتبريده وصناعة الملبوسات والمفروشات ولا تزال بعض هذه المصانع تعمل حتى يومنا هذا ويكسب العاملون فيها الخير الوفير.

وعن الحج يقول محمد الندابي: الحج كان عن طريق الجمال ويستغرق المسير والعودة فترة ستة اشهر اذ يخرج الحجاج اواخر شهر رجب ويعودون في شهر صفر وذهب والدي في هذه الرحلات عن طريق البر مرورا بصحراء الربع الخالي اما اصحاب المناطق الساحلية فانهم يسافرون عن طريق البحر الى مدينة جدة السعودية ومن ثم يستأجرون جمالا لنقلهم الى مكة والمدينة ،وكان عدد الذاهبين الى الحج قليلا لا يتجاوز عدة مئات من سائر عمان ويرافقهم في رحلتهم دليل على دراية بالطريق والحاج يودع اهله وكأنه لا يراهم مرة اخرى بسبب طول الرحلة واخطار الطريق ،وكان بعضه ممن يمكث في مكة ليؤدي اكثر من حجة لصعوبة الذهاب والعودة.

وعن دول الجوار يقول الندابي : ارتباطنا الاكثر كان مع امارات الساحل او مايعرف حاليا بالامارات العربية المتحدة وكانت لهم نفس الظروف التي عانى منها الجميع وكانت العلاقات كبيرة جدا معهم واخبرني الشيخ صقر بن محمد القاسمي حاكم عجمان انه استعان بجواز سفر عماني للذهاب الي الهند في اوائل الستينات ولا تزال الجوازات العمانية عنده وكان حكام تلك الامارات يسافرون الى بقية الدول الاسيوية عن طريق عمان وهناك في المقابل عمانيون اخذوا جوازات سفر من احدى الامارات خاصة دبي ونشترك معا في الدفاع عن المناطق الحدودية اذا تعرضت لغزو.

ويمضي التذكر الى اللحظة الحاسمة في تاريخ عمان الحديث عندما تولى السلطان قابوس مقاليد الحكم في الثالث والعشرين من يوليو عام 1970 .. يقول محمد الندابي : كنت في البحرين وبدأت الاذاعات في نقل نبأ التغيير في عمان وكانت اذاعة لندن اول من اعلن الخبر واقول بمنتهى الصراحة ان كل العمانيين الذين كانوا يعملون في الخارج شعروا انهم ولدوا من جديد ،وفرحنا فرحة لا يتصورها احد ،وتابعنا قدوم السلطان قابوس الى مسقط وترحيب الناس الكبير به ،ودعا السلطان قابوس العمانيين الموجودين في الخارج الى العودة للمشاركة في بناء بلدهم واعدا الجميع بان فجرا سيطل على عمان ،واستجاب عدد كبير منهم في العودة ،وبعد شهر حزمت امتعتي وركبت هذه المرة سفينة كبيرة عدت بها الى عمان واجتمع السلطان بشيوخ القبائل الذين قدموا للتهنئة وقدمت له في حصن العلم بالسيب طلب الحصول على وظيفة ووجه وزير الداخلية الذي عينني في وظيفة نائب والي في الاشخرة بالمنطقة الشرقية وكان ذلك بتاريخ العشر من ديسمبر من عام 1970،كما التقى السلطان بعدد من العمانيين العائدين من الخارج ورحب بهم واستمع الى معاناتهم في الغربة وتولوا مناصب مهمة.

ويسترجع الندابي :كان من يعرف فك الخط له مكانة كبيرة آنذاك ويتولى مناصب لا يحصل عليها حملة الشهادات العليا حاليا وفي السبعينات كان وزير التربية يرعى الاحتفال بتخرج الطلبة من الصف السادس الابتدائي.

واذ يقارن الندابي بين ما كانت عليه عمان قبل عام 1970 وما هي عليه الآن فان المقارنات ستطول ،من ثلاث مدارس الى خمسمائة مدرسة بها نصف مليون طالب وطالبة ومن عيادة طومس الى مستشفيات مرجعية ومستوصفات تغطي كل انحاء عمان ومن شارع طوله ثلاثة كيلومترات توصل بين مطرح ومسقط القديمة الى شبكة مسفلتة من الطرق تدخل حتى الحارات في القرى البعيدة عن مسقط ،وتحولت عمان من دولة على هامش الخارطة الى دولة تتصل علاقاتها باكثر من 60 دولة في مختلف انحاء العالم ،واعداء الامس اصبحوا اصدقاء ، وسمار الامس اصبحوا اليوم تلفزيونا وهاتفا وشبكة انترنت .. وحركة التنمية لا تتوقف.

 

###

 

لأن المجتمع قبلي فان تدرجه يبدأ بالفرد داخل قبيلة يحكمها الشيخ الذي يكون مسؤولا عن قبيلته امام الحاكم ، فالشيخ هو حاكم العشيرة وممثل الحكومة المركزية في حدود منطقته ويجتهد ان يحافظ على النظام داخل القبيلة واي واحد منهم يسوءه ان يرى احد جماعته متهما في قضية ما لأن ذلك يعني ان القبيلة كلها متهمة ويصبح ذلك عارا بين القبائل الاخرى.

يقول محمد الندابي : الشيخ كانت له صلاحية سجن ثلاثة ايام لاي معتد من قبيلته واذا كان الموضوع اكبر من مجرد اعتداء بسيط فانه يحوله الى الوالي او القاضي ليحكم عليه حسب ما يراه الشرع الشريف ،وقد يحيله الشرع الى الشيخ مرة اخرى اذا استدعى جلده مثلا فيقوم احد الذين يختارهم الشيخ لجلده ولا بد ان يكون من احد القبيلة فمن غير المستحب ان يقوم بالجلد احد من خارجها تأكيدا لهيبة القبيلة ونخوتها.

ويواصل الندابي حديثه عن هذا الموضوع : هناك اناس معروفون بالاجرام وغزو القبائل من اجل السلب والنهب وتتم مطاردتهم ليبتعدوا عن نطاق القبيلة وايضا تبليغ القبائل المجاورة لاحكام الحصار على الغازين ، هؤلاء الغزاة كانوا يسرقون الجمال والحيوانات التي يربيها السكان ومطاردتهم تتم عن طريق الجمال.

 

###

 

عاش المجتمع قبليا في تفكيره وممارساته الا ان التكافل الاجتماعي كان ضروريا وحققت اصالة المجتمع العربي شروط الابقاء على الخصال المعروفة عن العرب قديما ،هناك كانت الزكاة التي يدفعها جميع الاغنياء دون استثناء فالثروات شبه معروفة وتتمثل في النخيل والحيوانات ، ويتذكر الندابي فيقول : زكاة الماشية تدفع الى الشيخ الذي يتولى توزيعها على فقراء القبيلة وزكاة النخيل يقوم بها جباة حكوميون والحاكم يوزعها على الفقراء من شتى القبائل ومنها ما يبقى في بيت المال للانفاق منه على متطلبات الحكم ،هذا الى جانب ان الاغنياء يقومون في اوقات الشدة باطعام الفقراء والمساكين وكسوتهم ويتبارى المؤسرون في التفاخر بكثرة من يأكلون من صوانيهم ،وكانوا يقدمون على الصواني الارز واللحم ،وكان لدى كل غني عبيدا يعملون لديه وفقراء ،وهؤلاء يعملون لديه ليل نهار وبالتالي فانه مسؤول عن اطعامهم وكسوتهم اذا لم يجدوا ما يأكلوه وما يلبسوه.

 

 

###

 

ويضيف الندابي : كان صاحب مزرعة النخيل غنيا بالفعل بعكس الحاضر ، فالاعتماد على النخيل يتم في كل شيء ،وكانت لها قيمة كبيرة فالاستفادة منها تتم في الاكل والسكن والوقود فمن أي اجزائها يمكن الاستفادة لأنه لا بديل غيره ،من رطبها وتمرها يأتي الغذاء ومن النوى غذاء الحيوانات ومن سعفها وجذوعها تبنى البيوت وايضا للوقود ، ويتذكر الندابي ضاحكا: الآن من لديه نخيل يشعر بالورطة فالعامل الآسيوي عليه مهمة انبات وتهذيب النخيل واحضار الرطب والتمر منها ودور عمال النظافة في البلدية نقل المخلفات وحرقها وقد كانت تعتبر ثروة ويقوم السكان بتكديس ما يستطيعون الحصول عليه من مخلفات النخيل ليطبخوا عليه ويبنون منه.

ورغم تلك الضائقة الا ان العمانيين ظلوا على كرمهم وحتى من لا يملك الا القليل فانه يحرم اهل بيته منه ليقدمه لضيفه والعلماء كانوا يقدمون العلم مجانا للراغبين في التعلم ويكون ذلك في حلقات الدرس بالجوامع المعروفة وكانت نزوى قبلة العلماء والدارسين ،ويبقى الفضل لهؤلاء العلماء في وحدة عمان فقد علموا على نبذ التفرقة والخلافات وبقاء عمان بلدا واحدا وقد كان من الممكن لولا هؤلاء ان تتقسم عمان الى ثلاث دويلات هي مسقط والداخلية بما يتبعها والجنوب.

ويتابع الندابي : كان السلطان سعيد يستعين بشيوخ القبائل لامداده بالرجال في حرب الجبل بظفار وسانده كل العمانيين في ذلك ومنهم من حارب حتى اولاده الذين انضموا الى الجبهات التي كانت ترتبط بالاتحاد السوفيتي وتتلقى تمويلا من الحزب الشيوعي وكان للسلطان السابق فضل توحيد عمان.

وفي كلمات بسيطة المح الندابي الى العبيد الذين كانوا يعملون لدى الاغنياء ،لكن لا بد من بعض التفصيل ، فيتابع محمد الندابي حديثه عن ذلك:لا ننسى ان مسألة العبودية انتهت ايام السلطان سعيد بن تيمور وايضا في ايام الامام محمد بن عبدالله الخليلي الذي كان اماما على حكومة الداخل قبل الوحدة ،وكانت بسبب هجوم الغزاة على القبائل وبقايا الرق من افريقيا والتعامل مع هؤلاء البشر عن طريق البيع والشراء ،والعبد في بيت سيده واحد من الاسرة يتكفل السيد بمأكله ومشربه لكنه الوحيد الذي يعمل ولا يتصرف بنفسه في أي شيء فلا تتزوج البنت الا برضا سيدها واذا رغب العبد في الزواج يشترط عليه سيده انه قد يوافق الا ان الاولاد ليسوا له وانما يبقون عبيدا للسيد.

وعن مفهوم الحرية يستكمل الحديث : اذا كانت العبودية موجودة فان الحرية في المقابل ليست موجودة ، فالتنقل مقيد ،اذا اردت الذهاب الى مسقط فانه لا بد من الاستئذان والخروج منها باستئذان ايضا ،ومخاوف الطريق كثيرة وتحتاج الى ايام لتصل واخرى لتعود ،واذا وصلت بعد أذان المغرب الى بوابة مسقط فانه عليك ان تنام حتى الصبح ليسمح لك بالدخول ويأخذ (المعوشري) العشر مما تحمله حتى ولو كان جرة عسل .

يستطرد الندابي: الحصول على جواز كان عملية صعبة جدا ،لحقت على فترة الامام محمد بن عبدالله الخليلي والامام غالب في حكومة الداخل والسلطان سعيد في حكومة مسقط ومن ثم توحيد البلد تحت حكومة واحدة ،وكنا تابعين لحكومة السلطان سعيد.

ويتذكر: من الاشياء التي لا تنسى هي رؤية الهلال فكانت تتم بالعين المجردة ومعرفة الناس للافلاك والنجوم ،في الولايات الرئيسية يطلق المدفع لابلاغ الناس وتتسامع القرى بخبر الرؤية من بعضها البعض عن طريق اطلاق الرصاص او المبعوثين ،وربما يحدث ان قرية صائمة فيأتيها النبأ وقت الظهر ان اليوم عيد الفطر وقد يكون انها مفطرة فتعرف ان اليوم هو اول ايام شهر رمضان المبارك.

هذه المسافات رغم قربها الا ان التنقل على ظهور الجمال والحمير يشعر بالتباعد الذي بينها ،ومعرفة ان فلانا قد توفي يحتاج الى عدة ايام ليعرف اقاربه في قرية اخرى بذلك.

ومن المسافات الى الحياة البسيطة داخل البيوت ، يتذكر الندابي فيقول: الناس كانت تعيش في المساكن الطينية المبنية من الطين وجذوع النخيل ،اما مساكنهم في الصيف فهي من سعف النخيل ،ومن لا يملك مزرعة يبني فيها مكانا يقيه الحر الى حد ما فانه ينام فوق سطح بيته الطيني ،وبالنسبة لاضاءة البيوت فان في كل غرفة فتحة دائرية في السقف تغطى اذا حلت الامطار او حان الشتاء ،وكانت اسر كبيرة تعيش في بيت صغير من غرفتين فلم تكن هناك مباهاة بالسكن والمعيشة ،كل يعيش حسب طاقته ،بعكس ما يحدث حاليا ان البعض يعيش فوق مستوى قدراته مباهاة للآخرين فيتحمل من الديون ما لا طاقة له بها.

شظف العيش قابله شظف آخر في التعامل مع البيئة سواء اكانت صخرية ام صحراوية ،وبالايدي التي لا تحمل سوى آلات بسيطة يتم تصنيعها محليا تم لهم حفر قنوات المياه من الجبال الصلدة ولمسافة تصل الى عشرات الكيلومترات وشيدوا قلاعا فوق الجبال ،والنظر الى ما يسمى محليا بالافلاج يكفي للدلالة على عظمة ذلك الجيل وتحمله وعمله رغم كل المشاق ، والافلاج هي قنوات مائية قد تنبع من احد الجبال ويتم ايجاد ممر لها لتصل الى القرية وقد تمر تحت الارض عدة كيلومترات وبهندسة عجيبة تعبر السهول والصخور لتصل متوازية الى القرية علما انه في بعض القرى توجد اكثر من خمسة افلاج من هذه.

ويقول الندابي: طوروا احتياجاتهم من الادوات وكان منهم الحدادين والنجارين ،وكانت هناك مصانع اسلحة لانتاج البنادق المحلية وبعدة انواع وصناعة الرصاص وتباع في اسواق معروفة كسوق نزوى في الداخلية وسوق مطرح في مسقط وسوق عبري في الظاهرة وغيرها من الاسواق التقليدية الشهيرة ،والى جانب هذه الصناعات هناك صناعات اخرى كالفخار الذي تنتج منه الاواني الفخارية المستخدمة لحفظ الماء وتبريده وصناعة الملبوسات والمفروشات ولا تزال بعض هذه المصانع تعمل حتى يومنا هذا ويكسب العاملون فيها الخير الوفير.

وعن الحج يقول محمد الندابي: الحج كان عن طريق الجمال ويستغرق المسير والعودة فترة ستة اشهر اذ يخرج الحجاج اواخر شهر رجب ويعودون في شهر صفر وذهب والدي في هذه الرحلات عن طريق البر مرورا بصحراء الربع الخالي اما اصحاب المناطق الساحلية فانهم يسافرون عن طريق البحر الى مدينة جدة السعودية ومن ثم يستأجرون جمالا لنقلهم الى مكة والمدينة ،وكان عدد الذاهبين الى الحج قليلا لا يتجاوز عدة مئات من سائر عمان ويرافقهم في رحلتهم دليل على دراية بالطريق والحاج يودع اهله وكأنه لا يراهم مرة اخرى بسبب طول الرحلة واخطار الطريق ،وكان بعضه ممن يمكث في مكة ليؤدي اكثر من حجة لصعوبة الذهاب والعودة.

وعن دول الجوار يقول الندابي : ارتباطنا الاكثر كان مع امارات الساحل او مايعرف حاليا بالامارات العربية المتحدة وكانت لهم نفس الظروف التي عانى منها الجميع وكانت العلاقات كبيرة جدا معهم واخبرني احد شيوخ الامارات انه استعان بجواز سفر عماني للذهاب الي الهند في اوائل الستينات ولا تزال الجوازات العمانية عنده وكان حكام تلك الامارات يسافرون الى بقية الدول الاسيوية عن طريق عمان وهناك في المقابل عمانيون اخذوا جوازات سفر من احدى الامارات خاصة دبي ونشترك معا في الدفاع عن المناطق الحدودية اذا تعرضت لغزو.

ويمضي التذكر الى اللحظة الحاسمة في تاريخ عمان الحديث عندما تولى السلطان قابوس مقاليد الحكم في الثالث والعشرين من يوليو عام 1970 .. يقول محمد الندابي : كنت في البحرين وبدأت الاذاعات في نقل نبأ التغيير في عمان وكانت اذاعة لندن اول من اعلن الخبر واقول بمنتهى الصراحة ان كل العمانيين الذين كانوا يعملون في الخارج شعروا انهم ولدوا من جديد ،وفرحنا فرحة لا يتصورها احد ،وتابعنا قدوم السلطان قابوس الى مسقط وترحيب الناس الكبير به ،ودعا السلطان قابوس العمانيين الموجودين في الخارج الى العودة للمشاركة في بناء بلدهم واعدا الجميع بان فجرا سيطل على عمان ،واستجاب عدد كبير منهم في العودة ،وبعد شهر حزمت امتعتي وركبت هذه المرة سفينة كبيرة عدت بها الى عمان واجتمع السلطان بشيوخ القبائل الذين قدموا للتهنئة وقدمت له في حصن العلم بالسيب طلب الحصول على وظيفة ووجه وزير الداخلية الذي عينني في وظيفة نائب والي في الاشخرة بالمنطقة الشرقية وكان ذلك بتاريخ العشر من ديسمبر من عام 1970،كما التقى السلطان بعدد من العمانيين العائدين من الخارج ورحب بهم واستمع الى معاناتهم في الغربة وتولوا مناصب مهمة.

ويسترجع الندابي :كان من يعرف فك الخط له مكانة كبيرة آنذاك ويتولى مناصب لا يحصل عليها حملة الشهادات العليا حاليا وفي السبعينات كان وزير التربية يرعى الاحتفال بتخرج الطلبة من الصف السادس الابتدائي.

واذ يقارن الندابي بين ما كانت عليه عمان قبل عام 1970 وما هي عليه الآن فان المقارنات ستطول ،من ثلاث مدارس الى خمسمائة مدرسة بها نصف مليون طالب وطالبة ومن عيادة طومس الى مستشفيات مرجعية ومستوصفات تغطي كل انحاء عمان ومن شارع طوله ثلاثة كيلومترات توصل بين مطرح ومسقط القديمة الى شبكة مسفلتة من الطرق تدخل حتى الحارات في القرى البعيدة عن مسقط ،وتحولت عمان من دولة على هامش الخارطة الى دولة تتصل علاقاتها باكثر من 120 دولة في مختلف انحاء العالم ،واعداء الامس اصبحوا اصدقاء ، وسمار الامس اصبحوا اليوم تلفزيونا وهاتفا وشبكة انترنت .. وحركة التنمية لا تتوقف.