التجديد هو قتل القديم اطلاعا ، واستيعابا ، وفي الذاكرة الشعبية يقال " من فات قديمه تاه" ولعل للتيه الثقافي والفوضى الكتابية نتائج تظهر ذلك الانفصام الذي يمارس على مستوى واسع في "كانتونات" المثقفين على اختلاف توجهاتهم ووجهاتهم ووجوههم المتعددة كأن فوضى الحواس اشتعلت في أركان هذا الجيل بما افقدهم الحواس الخمس فكيف هي الحاسة السادسة اللازمة لمزيد من الإبداع.
ومن المؤسف ان تكون هذه القطيعة بين جزر المثقفين المنعزلة وهي في البحر ملح أجاج رغم انه في القاع لآلئ لا تبين الا من جرب ملح الآخرين ، لو يذرونه على الجراح كان أجدى ، لكنه يذر في العيون لتبدو للرائي صورة للنرجسية فقط ،وتحولت المآقي باتجاه عبادة الذات المتخمة بعقدها رغم أنها متاخمة لعقد الآخرين ، وحتى إذا جاءت أمة لعنت أختها والعصفور الذي يحاول أن يتعلم الطيران اصبح نسرا يهاجم الآخرين من كهوف جبال مفترضة رغم أن العلم والمعرفة يمنحان المرء نظرة أوسع واستيعابا اكبر لمن مضى عليه الدهر فجرب ومن جاء بجواد أصيل يود لو سابق الفرسان بما أبدعه بنانه لا بما (لعلعه) لسانه.
هذا التيه عن القديم حوّل مدعي التجديد إلى نثار (على المستويين الشخصي والكتابي) وفي كل عام تظهر عشرات الأسماء التي تتبوأ مقعدها على المنابر تلوك ما قالته على منابر سابقة لأنها لم تشتغل على الموهبة إنماء وتوسيعا وانما على النصوص القليلة التي جاءت في فترة الطزاجة الأولى حاملة الصدق والأفق الخلاق ، هذه الأسماء تحترق بكثرة الظهور ومجاملات الصحافة (أو لنقل الصحفيين) فتتحول إلى أسماء (ولا أقول بالونات) كبيرة حتى إذا تعبت من الطيران فوق السهول المقفرة تدرك متأخرة (مجرد احتمال ) أن الحجم الكبير مملوء بالهواء فقط وان التغريد فوق مساحة الحنجرة أشاخ كل شيء ولم يبق إلا النزر اليسير يصلح كذكريات ، ومتعارف عليه أن الذكريات لا تؤسس للغد إنما هي لتشعرنا انه كان هناك أمس .
من يرى كل هذه الأسماء الكثيرة يحسد الصحافة الأدبية في بلادنا على ما تجده من نصوص كثيرة تقوي بها مستوياتها ، فهم لا يعرفون ان اكثر من نصف أدبائنا صامتون وكأنهم يطبقون الحكم القديمة (في عودة منتقاة للقديم فقط) التي ترى أن خير الكلام من قل ودل (ينطبق على أصحاب الحوليات) وحكمة ترى انه إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب (او سكوت من ذهب فتقرأ الكلمة الأخيرة على أنها فعل وليست اسما) وقد ذهب ما ذهب .
لا أحد يجادل أن للمثقف حساسيته الخاصة تجاه الأشياء وله أيضا عقده وهواجسه (الحقيقي منها والمفتعل بحكم العادة) لكن هل أصبحت الثقافة فقط علامة المثقف (مع وضع خط على مفهوم الكلمة) أم أن المثقف اكتفى بصولجان الكلمة فهو لا يقرأ إلا نفسه ولنفسه لأنه لا أحد يعرف الكتابة إلا شخص واحد هو يده (ومتعلقاتها اذا كان يكتب على لوحة المفاتيح مباشرة) .
هل يعقل أن نسمع عن شاعرا يقف على المنابر اكثر مما يكتب ، وإذا كتب فان ما كتبه يبدو كترجمة سيئة لشعر أجنبي كتبه بودلير او رامبو او غيرهم من أساطين القصيدة الفرنسية ، يحدث ذلك (ليس على المطلق) لأن محب الكتابة استسهل ما وجد ، فلم تتعبه قصيدة للمتنبي يفك مدلولات البلاغة واستباق أخيلة اللغة فيها لأنه لم يقرأ من القديم ولم يحفظ فقد أغرته خاطرة كتبها فوجد أن الصفحات والمنابر فاتحة يديها بالوصيد تترقب ، وظن انه الفرد الأوحد يمضي في الميدان متفردا ظانا انه غلب كل من سبقوه بسنوات ومراحل وتجارب فهم يمتطون خيولا كسيحة وقد خانهم تفكيرهم وقد يطالبهم بارتداء الأقنعة خجلا مما اكتسبوه من ما كتبوه.
هذا التهميش للقديم (من تراث أدبي عظيم) افرز تهميشا مزدوجا أسهلها إلغاء الكتابات والأسماء الحاضرة وأصعبها غياب الميزان الحقيقي الذي يفرق بين الموهوبين والموهومين حتى تكاد زحمة الأسماء تغرق الأقلام الحقيقية في غيبوبة تسبب اللارؤية .
ربما الوضع الثقافي المحلي ليس استثناء عما يحدث في أمكنة أخرى كثيرة لكن ما يجعل الرؤية اكثر تشاؤمية فقدان الطريق السليمة لتسير عليها المواهب الحقيقية والمتحققة (لضبابية الأشياء والأجواء على الطرق والمنحدرات) والاهم فقدان الصلة بما يشبه القطيعة بين أسماء بدأت تجرب على مدار عقدين (يزيد أو ينقص قليلا) وبين أخرى تتلمس خطواتها (واثقة أو متعثرة) .. فهل نقول أن السبب هي المؤسسات الثقافية .. ربما نعم ، ربما لا .. وربما (لأننا) نملك إحساس الطفل الذي فطم مبكرا فيظل يحن إلى الأمومة فان هو رضخ لهذا الحنين فقد شخصيته الخلاقة ولا يكف عن المطالبة بالحنين والدفء وان هو شب عن الطوق تطرف في التعبير عن ذلك فلا في ذلك ولا هذا قادر على اكتساب مرجعيته التي تثبت أقدامه على أرضية صلبة.
نكتب بمقدار أحلامنا ، وبمقدار ما نشعر بالمسؤولية التي تفضها محبتنا لهذا الوطن الرائع الذي سيكون أروع لو أن الأيدي تلاقت على محبته ،وفي الثقافة فان الالتقاء مفترض والاختلاف غير مستبعد لكن يكون ذلك مجديا لو وجد الدرب السوي الذي يستوعب الالتقاء والاختلاف بطريقة سوية ، يحترم فيها الجميع الجميع من غير تشنج أو حكم مسبق فلا أحد من حقه حذف أحد (لأنه ليس من الشلة أو لا تعجبه كتابته) فالجميع على القارب سواء والعاقل من يوصل كلمته إلى الآخر بما هي عليه من عمق وجمال ودلالات ومن عجز مرة فليحاول في أخرى (دون أن يوضع السيف على رقبته) وما لم تستوعبه الأرض فان أبواب السماء مفتوحة فليحلق من أراد لأنه يملك وحده القرار فان ساعدته أجنحته فسيبقى بين هام السحب ومن خانته أجنحته فان الأرض ستتلقاه.
ومن العجيب أن الأسماء التي تمتلك رصيدا محترما هي الأكثر احتراما لغيرها فلا تبدو عليها أعراض التضخم في الذات وسرطانات الترفع التي يحاول البعض التستر بها ، كلمة حق أقولها لمجموعة من الأسماء الذين لهم علينا حق الاحترام (اتفقنا معهم أو اختلفنا) ..منهم الأساتذة احمد الفلاحي وسماء عيسى ومحمد الحارثي ومبارك العامري وسعود المظفر ، ربما لأنني عرفتهم عن قرب فشعرت كم هم قريبون جدا من أخلاق المثقف الحقيقي