خطوتان للريح والبرد
(إغفاءة في سيح الكدس)
قمر الليلة اختنق وراء الجبال ، والمدى عابر سبيل .
اصطبغ كل شيء ، وتدفأ المكان بجسدين آويا الأرض قامتيهما والتحفا السماء كعادتهما.
وسط عناكب الليل وضعا ما فوق رأسيهما أسفله ورنيا إلى البعيد البعيد.
الجبل الأخضر يحرس المكان باللاشيء من كل شيء ، نزوى تشعل حطب الليل تتدفأ من شتاء قاس ، تقلب نظرها إلى الجبل القريب البعيد والى حارستها ، قلعة الزمان والمكان ، والى سوقها حيث يتجمع الفقراء والأثرياء والسحرة والمغيبين والباعة الجوالين يحملون السيوف والخناجر والشياه التي يأتي بها البدو ،وما فاض عن حاجة أهلها.
في اللامكان ،عينان تدوران في الفضاء الفارغ إلا من جسدين وهوام الليل ، العينان تجوسان في خطوط الظلمة تستودعان الحلكة أسرارهما ، والحلكة شتاء مفرط في برده يسقط على الجسدين النحيلين اللذين أطلقا عنان التوحد للريح ، يداريان هذه الريح بملاذ يرتفع قليلا عن انبساط الأرض من حولهما ، الجبال تحيط المكان من زواياه الأربع.
حين وصل إلى (سيح الكدس) نمى إليه أمر ما شغله إذ أعطاه خلفان بن صالح صرة القروش ، التفت إلى رفيق سفره حمدان ، وجده تشاغل في البحلقة إلى الجبال التي تقترب من المكان بآنية الليل المحيط بهم ، لم يستطع قول ما في ذهنه لحمدان ، وحمدان ربيب الصخر ، ينظر إلى كتل الصخور ويضطجع على إحداها ، هذه ليلتهم الأولى منذ الصباح الذي غادرا فيه بهلا ، كانت أقدامهما تتثاقل بحدس غريب تعززه ريبة أبدية في هذا السوق العتيق ، كأن أحدهما يلتفت إذ يلتفت ليتأكد من حضوره خارج هيبة النقصة الطينية ، يأتي خلفان بن صالح بحضوره الساحق وهو يعد القروش في يده ، قرش ، قرشين ، عشرة ، عشرين ، كان يضغط عليهما يجبر عينيه على قراءة النقوش عن قرب ، إنها خدعة السحرة ، يعطون أحجارا يوهمون البائع على أنها نقود ، اخرج القروش من صرته ، توهمها أنها ليست تلك التي رآها تحذفها يد خلفان بن صالح ، عقد أمره على أن يعرضها على سليمان بن حمد حينما يصل إلى بدبد ، سيجده حتما يغالب المحل يحول به بينه وبين نخلاته الجافة ، تذكر سليمان بن حمد وقصته في سوق (البانيان) في (مطرح) ، كأنه يرى شفاه جده تطلق الحكاية للمرة المائة :
وبعد أن اشترى عمكم سليمان بن حمد (السامان)2 من (البانيان) تذكر انه نسي قروشه في بيت خالكم سعيد في (الزبادية) ، وضع (البوك) تحت رأسه قبل أن ينام فوق العريش ، ووقع عمكم في الحرج ، (البانيان) ما يعرف ربه ، خرج عمكم قليلا من الدكان وجمع بضع أوراق وقرأ عليها ، وتحولت إلى روبيات ، وعاد إلى (البانيان) ، لكن تعرفون عمكم ، إنسان متدين ، طلب من البانيان أن يعزل هذه الفلوس حتى يعود إليه ، وفي (الزبادية) عرف أن (البوك) لم يكن في مكانه تحت الوسادة لان حرمة خالكم رفعت الفراش وأدخلته تحت (العريش) عن الشمس ، وعاد عمكم إلى (بدبد) ، وعندما رجع إلى (مطرح) بعد اشهر ، اخرج (البانيان) النقود ليجدها أوراقا عادية ، أعطاه عمكم الفلوس الأصلية وتعجب (البانيان) من تقوى عمكم ويقال انه قال اشهد أن لا اله إلا الله لكنه رفض استقبال (الزطي) لختانه ، ومن يومها عمكم سليمان بن حمد يشتري على راحته وبالصبر.
سيح الكدس ممتد حتى ضفاف الجبال الحارسة للمكان ، وسلاسل شموخ الصخر تصل الجبال بالعاتي الجبل الأخضر ، تذكر شيئا ما ، تحسس بندقيته وراقب ناقته الرابضة عن كثب مرتاب ، حمدان يغط في نومه وإصبعه على زناد بندقيته ، لا تجرؤ كائنات الليل الاقتراب من هذا النائم ، يصوب على أي شيء ويصيبه حتى وان تبين الصوت فقط ، تبدو بدبد بعيدة ، والرحلة معتادة ، من سوق نزوى اشترى صمعا جديدا و(زانه) من بائع متجول ،البدويات ماكرات ، أغوته إحداهن بنظرة من إحدى اللؤلؤتين المطلتين من فتحتي البرقع ، كاد أن يقع لولا بقية محاذير ، عبرته عيناها اكثر من مرة في ليلته هذه ، سيح الكدس موحش واجتيازه يستلزم جهدا خوفا من قناص ليل ، أحس بالجوع ، تناول الخبز المدهون بالسمن والعسل من كيسه الجلدي ، أكله على حذر خشية من هوام الليل تقترب منه في هذه الهاجعة ، انه لا يخشى المنظور منها ، ما يخشاه أن تعطله إحداها في الطريق وتؤخر رحلتهما ، تحسس القروش للمرة الخمسين ، " الخروج من بهلا غنيمة " ، قالها في سره وهو يزدرد لقمة لاعقا وراءها ظهر يده من السمن المتسرب.
قفز حمدان من نومته مذعورا ، ويده في حالة توثب لإطلاق الرصاص ، مسح النوم عن عينيه ، وطلب من الشايب عزيز مغادرة المكان ..
دون أي ملامح لرفض أو قبول أطلق الشايب عزيز ناقته من عقالها ، وجمع ما تناثر على الأرض من زاده وامتطى ناقته ، وحين استوى حمدان على ناقته أيضا ، تفجر نبع أسى على وجه حمدان رغم الليل الذي يخفي الأسى لكنه يبقي الأنين نايا حارقا:
يا عمي عزيز ، سيح الكدس يخوّف ،حلمت أنني واقف قرب نقصة سوق بهلا ،وأشار لي أحد الداخلين في المناداة أن أتبعه ، أخذني من يدي وأنا لا ادري لماذا ، لم أر القلعة والناس والطرقات التي عبرناها والحارات التي تفصل السوق والجبال ، ورأيتني أسير على أربع ومن رقبتي يتدلى حبل طرفه الآخر في يد الرجل الذي أشار اليّ أن أتبعه ، يا عمي عزيز لماذا لا تريدني أن أخاف وأبكي وأنا الذي شعرت بالذل والمهانة؟! ، يا عمي عزيز آه لو تشعر بما شعرت به حينما عاد بي الرجل إلى السوق مرة أخرى والدلال يصيح علي والمشترون يتحسسون لحمي ويقولون : ثور مطعوم ،حينها تمنيت أن أقول لا تصدقوا أعينكم ، الأمر خدعة سمعت صوتي لا يفرق عن صوت بقية البهائم من حولي ، أحسب أن دمعة سالت من عيني ، تمنيت أن يراها أحدهم ليتأكد أنني إنسان ولم أتذكر حينها أن البهائم يمكنها البكاء أيضا ، وددت أمسح الدمعة ، لكن الأمر قد حسمه المشتري الذي كان أحد الذين أعرفهم من القصاصيب الذين يعملون على ذبح الثيران كل يوم وبيعها بالمن ، يا عمي سلوم آه لو تدري كيف تصلبت أقدامي عاجزة عن المشي ، للمرة الأولى أشعر وأنا الثور ، اقصد أن الثور يمكن أن يعرف مصيره بعد قليل ، أخرج القصاب سكينه وهو يقول : امسكوه ، سأذبحه هنا ، وهجم علي الباعة والمشترون , وإذ تجري السكين على عنقي نهضت لتراني كما رأيتني.
على ناقته ينصت الشايب عزيز لحديث رفيقه ، والناقتان تطويان الخطوات عل سيح الكدس ينطوي تحت وقع خفاف ثمانية ، هالات سوداء تسير غير بعيد عنهما فيمعنان السير على غير اهتمام والقلبان ينقبضان من تلك الهالات التي قد تكون لساحر يرعى بهائمه من البشر في هذا الليل المدلهم ببرده المسفوح على البشر والصخر.
تجاوزت الذاكرتان المكان ، كل يسبح في البعيد ، في المغيبين الذين يمخرون عباب الليل بشعورهم المنكوثة وملابسهم الممزقة ، في مبارك الآيل الذي عاد بعد دفنه إلى أهله وسموه الآيل بسبب انه آل إليهم مرة أخرى ، عن الشايب علي الذي يهدد عائلته الكبيرة بالسحر إن لم يرضخوا إلى ما يحكم بقاء مملكته تحت إمرته ، عن الحكايات التي تتناسل في ليل وادي سمائل.
كانت الريح تسكب برودتها بقسوة المكان ،لا قمر هذه الليلة ، سماء مدججة بأنجمها ، وأرض منبتة لأحجارها ، امتطى الشايب عزيز حنجرته وأطلق صوته يعبث في الريح ، هذه التي كأن الجبل الأخضر يرميها إلى سفوحه بطشا بقاطني الأودية والمنخفضات الأقل منه قربا للسماء ، كأنه النشيج توزع صوت الشايب عزيز في الأرض المنسحبة دون هداية تحت الظلمة ، تعثر الصوت بالأحجار وأشجار السمر وبقايا النباتات الجافة ، تذكر نساءه اللاتي ينهضن قبل الفجر يزجرن ، يدفعن الثور لعل وعاء الجلد في طرف الحبال التي يجرها تخرج الماء من بطن الطوي الغائرة بباطنها ، كادت النخيل أن تذهب قممها المتبقية ، ولا شيء في البيت إلا تمرات يأكلون ما يمكن أكله منها ويطحنون النوى يصنعون منه دقيقا ، تذكر أطفاله الثمانية الصامدين في وجه الجوع والموت ، كل عام يموت أحد أولاده ، و البقية يحملون في أعناقهم عشرات الوسوم والحروز ، تعصف الريح الباردة بعينه فتبدو في ليل سيح الكدس دمعة ضنت بها العين لولا أن الأسى محرق اكثر من التصبر.
لعن في سره جارهم ، هذا الساحر الذي قالوا له انه يأكل أولاده ، كلما مات أحدهم هم بقتل الساحر ، ويقول له إمام المسجد : اعقل يا مجنون ، هذا قضاء ربك . يكتم حزنه ، هذه النخيل تموت أيضا لكن السحرة لا يأكلون النخيل ، في ليالي البكاء تخيل ابنه علي يأكله السحرة ، بكى وهو الذي يدرك أن البكاء للحريم فقط ، وماتت نوارة البيت سلمى ، ذهب إلى الشايب علي الساحر وقال له : أعطيك ما تريد ، دع سلمى ، اتركها وخذني مكانها ، اقتلني مرة واحدة فقط ، لا احتمل الموت كل عام.
كانت –حينها-عينا الساحر تجوسان المكان طلاسم لا تقرأ ،وسلمى في كفنها الأبيض هزالا يختبئ مشدودا إلى الرحيل الأبدي ، تمنت القرية أن يرجع الساحر عن قراره بأخذها وتعود سلمى الطفلة التي تطلق ضحكتها تقاوم اليباس والقحط ، كأنها الماء يسكب فرحه على الأرض ، والأرض بحاجة إلى ألف سلمى بعد سلمى.
مضى الشايب عزيز يجتر سنواته الخمسين والناقة تجتاز أحجار سيح الكدس ، على رفق مع مطية حمدان التي تشمخ بعنقها في وجه الريح الباردة.
حمدان يطلق وجعه في اتجاه الهبوب ، مستكينا لصوته ، مسافران لا يلتفتان إلى بعضهما ، في مزودة كل منهما سبحات لا متناهية من الشجن المر ، في كيسيهما بعض نقود وقليل من التمر وألواح من (العوال) اشتروها من سوق نزوى ، القليل لكبح شيطان الجوع ، على مهل يمضي الشايب عزيز إلى سنوات الشباب والشبع ، حين ركب حماره مقسما جراب التمر إلى قسمين على جانبي (الثوج) ،تمرة من يمينه وأخرى من يساره ، وقبل ان يصل إلى وجهته وجد الجانبين خاويين ، ألقى التمر المتجمع في (غبابه) إلى حماره ، آه يا الذكرى ، تجود بتفاصيلها في ليل سيح الكدس المرهق ، آه أيها المسافر من قحط إلى قحط ، من موت إلى موت ، اترك لذاكرتك فرصة العبث في دهاليز الداخل المصمت كصمت الجبل الأخضر ، هل لا زلت تذكر زوجتك الثانية زوينه ، حملتها عروسا على ظهر حمارك من سمائل لتبلغ بيتك في بدبد ، وأنت تجتاز الوادي شاطت رغبتك ، أنزلتها وباركت دخلتك الصخور والجبال الحارسة ، أطعمتها التمر وبين مسافة وأخرى كنت تنزلها ومن ثم تعطيها التمر ، كان شبابك ، كان شبعك ، في سيح الكدس تهب الريح عكس اتجاهك ، وسلمى واخوتها جروحك المتوالدة ،كل جرح ينفتح على جرح ، زوجاتك الثلاث وأولادهن يقاومون اغتيال المعد الخاوية في انتظارك ، الطوي لا تعطي إلا ما يمنع العطش ، أخوه سافر إلى السعودية وأولاد عمه هجروا مزارعهم اليابسة إلى البحرين ، الشايب عزيز مرتبط بما تبقى على أمل أن يأتي الغيث ذات حين.
سأل رفيقه حمدان : إذا كنت تعبان فالأحسن أن نرتاح.
قال حمدان : لا احب النوم في سيح الكدس ، بعد قليل سيطلع الفجر ، لو كانت بدبد خصبانة كنا استرحنا من كثرة السفر.
قاوم الشايب عزيز رغبته في فتح المواجع :ربك كريم ،الخير يجيء في لحظة ، تتذكر (جائحة السبعين) ، كان قبلها محل شديد ، وأمر ربك يأتي في ساعة ، تعرف يا حمدان أن بدبد لم يبق فيها إلا نخلة واحدة ، هرب الناس إلى الجبال يعتصمون من الماء الذي يأتي من الاودية وقمم الجبال والسماء ، آه لو تذكر يا حمدان كيف وقف الناس يكادون يبكون وهم يتجمعون حول النخلة الباقية يقيسون عليها أراضيهم ، يقال أن (القرن) في نفعاء غطته المياه ، السحرة بقوا ، سبحان الله ، مات الطيب وبقي الشر ، سمعت أن المغاييب كانوا يصرخون ، مساكين ، عقولهم ليست معهم ، لم يعرفوا الطريق إلى الحياة فماتوا غرقا ، آه يا حمدان لو رأيت في تلك السنة السحرة وهم يطوفون البلاد يريدون تعويض ما فقدوه من مغاييب ، الله يلعنهم ، الله يلعنهم ، يدفع الواحد منهم احب الناس إليه يعطيه ثمنا للسحرة كي يعلموه السحر، حسبي الله ونعم الوكيل ، حسبي الله ونعم الوكيل.
لم يدرك حمدان أن ما يسمعه في ليل سيح الكدس كان انتحابا مكتوما يضيق به صدر الشايب عزيز أم أن للريح انتحابها أيضا ؟
ازداد الليل برودة ،والفجر امتنع عن الظهور ، والممتطيان ناقتيهما أرهقهما المكان وحشة وبردا ، حاولا أن يتدفآ بالذاكرة ، لكن الدفء جد بعيد لأن الأمس جد موحش ، جاء صوت آخر لليل ، مضى القليل ليأذن لرصاصات القناصة بالمرور من خصاص الظلمة ، تبدد الليل عن صباح رأى فيه عابرو النهار ثقوبا دامية تفجرت في جسدين أرهقهما ليل سيح الكدس وبرده ..
سال خصب قان خضب الحصى الذي اعتاد هذه الروائح ، إذ الليل قاتل ومقتول ، وإذ الصبح يسفر عن مسافرين باغتهما ليل طويل . طويل .. طويل.
ما لم يعرفه الشايب عزيز ورفيقه حمدان:
جلس عابرو سبيل تحت حصاة الذهب في بدبد يتحدثون عن الشايب عزيز الذي وجدته زوجته يحاول أن يشرب من (الخرس) نصف الليل ، صرخت و أغمي عليها ، ومضت أياما تحدث العابرين عن زوجها الذي غضب عليه الساحر علي لكثرة ما اتهمه بسحر أولاده.
قال العابرون أن الشايب عزيز لن يرجع إلا إذا مات الشايب علي ، وقالوا أن الشايب علي مات عشرات المرات ودفن في عشرات القبور ، وعندما يعودون في كل مرة يجدونه سبقهم إلى البيت.
إضاءات:
سيح الكدس : منطقة تحيط بها الجبال تقع بالقرب من مدينة نزوى. السامان : الحاجيات والأشياء. الزبادية: من حارات مدينة مطرح. البوك : المحفظة. العريش : بناء سعفي يستخدم مكانا للجلوس نهارا وللنوم ليلا. زانه : عدة البنادق من رصاص وأحزمة.المن : وحدة موازين محلية تعادل أربعة كيلوجرامات. يزجرن : من آلة الزيجرة وهي وسيلة تقليدية لاستخراج الماء من الآبار. الثوج : البردعة ، أي ما يوضع على ظهر الحمار.غبابه : ثني الدشداشة او الجلباب ليكون مثل الوعاء. جائحة السبعين: فيضان وقع في عام 1370 للهجرة. الخرس: آنية فخارية لحفظ الماء وتبريده. حصاة الذهب : حصاة في بدبد يقال أنها أطبقت على رجل انكشفت له عن كنز من الذهب فملأ (الثوج) بالذهب ومضى ، في الطريق نسي أن يملأ آنية صغيرة عنده ، عاد ووضع رأسه داخل تجويف الحصاة لكنها أطبقت على رأسه ويقال ان البياض المنسكب من تحت غطائها يدل على دمه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أغشية الرمل
من شعر الليل الفاحم خرجت القبيلة، وقبل جباهها أول شعاع للشمس.
على السهول الممتدة من حافة الجبل المسكون بأساطيره العنقاء، إلى حافة الوادي حيث الأشجار تصطف حامية ومحمية، تفقد الحاكم بأمر الله جنده، ميمنتهم وميسرتهم، مقدمتهم ومؤخرتهم، الصبايا أطللن بعيون حالمة على فرسان قبيلتهن، بأفواههم الواسعة المنكشفة على أسنان بيضاء متوهجة وأنوف فطساء وعيون واسعة مرعبة، همست صبية لجارتها: «لماذا قبيلتنا محرومة من وسامة ذكورها. ردت: «لأن الجمال وصل إلينا وألقى رحاله«. تهامست الصبايا كثيراً عن الفرسان الذين يعدون العدة للذود عن حمى القبيلة من غاز جديد، انها قبيلة مجاورة.
حين آوت الصبايا إلى خدورهن حلمت كل واحدة منهن انها وقعت سبية في أيدي فرسان القبيلة الغازية، فرسان تأملوا شفافية الجمال طويلا، عيونهم زرق أو خضر ووجناتهم حمر أو بيض وقاماتهم سبحان الخالق فيما أبدع، منت الصبايا أنفسهن بأسر جميل مع أولئك الفرسان، لكن رجال القبيلة أشداء، همجيون في الحرب كما في الحياة، ومتوحشون مع ملمس السيوف كما هم مع ملمس الأجساد، يحنون للدم يتفجر من أي شيء يتعاملون معه، والصبايا أقمار حالمة، تناجي الليل سحراً وترسم للصحراء لون الزنابق والياسمين.
حين أدركهن الصباح، التقى الغدير بالوجوه التي أتعبها الحلم، تقاسمن مراودات ليلة البارحة، قلن أشياء كثيرة ليس من بينهن حلم السبي، غسلن النوم عن العين الذابلة، ومسحن الخدود الطرية عن كسل المبيت تحت خيمة تتنفسها رياح الصحراء..
- يقولون ان لديهم خدوراً من الحرير ومنامات تنضح بالعبير.
- ويقولون أيضاً انهم يتكلمون بلغة العصافير الناعمة، كلاماً لذيذاً كأنه العسل المصفى.
تناسلت أفواه الصبايا عن وسامة الغزاة، وحين تعبن، حملن الماء على رؤوسهن، ومضين يحسبن الخطوات إلى مضارب القبيلة، وفي الوجوه بقايا من رؤى الليلة التي كانت.
هبت العاصفة أسرع من المتوقع، وعادت العيون وجلة تنبئ عن الغبار المتصاعد إلى عنان السماء، الفرسان على جيادهم شموخاً ومهابة، والشيخ يهز السيف في يده فتتفاعل الشمس مع لمعان حديده، يطلقون عليه لقب الحاكم بأمر الله لسطوته وحدته، خوفاً أو تزلفاً، خرج الفرسان يتلقون السيف بالسيف والنصال بالنصال، واحمرت عين الشمس من قسوة النزال.
وفي الظلام أقبل الفرسان إلى مضارب القبيلة، منتشين بخمر النصر، يحلمون بأفراح النسوة والصبايا اللائي اقتعدن الخيام منتظرات، حين دخل الفرسان مضارب القبيلة، لم يجدوا أحداً في انتظارهم، الزغاريد غابت عن سماء الساحات التي تتوسط الخيام، والأثواب الجميلة تخلت عن الأجساد البضة التي تزرع الجحيم في التواء أغصانها، وجلوا للوهلة الأولى، لكن صدى صوت خرج من خصاص الخيام، حين دخلوا الخباء، كانت النساء تبكين حلم السبي، كان الشيخ يتفقد الخيام مرددا: «لا تبكين ما دام هؤلاء الأبطال أعمدة القبيلة ورجالها، لن نهزم«.
في صباح تال، توالدت الخيام عن صبايا في لون العنب الذي أرهقه الشمس، والعيون محاجر كأنها لم تعرف النوم دهرا، خطوات متكسرة ووجوه منكسرة، تتابع الأقدام بنقش الحناء إلى الغدير، كل وجه ينظر إلى خطى الأقدام تحته، وما يخلفه على الرمل من رعشات الأجساد الثائرة والمضطربة، كان الحزن خفياً وعميقاً، يندس في قاع القلب بعيداً عن العيون المتلصصة، لم يقلن شيئاً كأن هناك اتفاقاً سرياً على الكتمان، فارس وآخر عبرهن دون التفاتة إلى القامات الممشوقة بأنوثتها الفائرة.
- فرسان حرب وليسوا فرسان حب.
تكلمت احداهن كأنها تستكشف المناطق السرية المحرمة داخل كل منهن، ردت العيون عليها بنظرات شبه متفقة، وشبه ساخرة.
في الليل عادت القبيلة إلى خدورها، الفتيان على حدود المضارب يحرسون بأعين شبه مفتوحة، يتنافسون أيهم أكثر شجاعة وارادة ، النساء داخل الخيام، قلوب معلقة ببصيص حب أن تعو السيوف ولو للحظات إلى خدورها، أنفاس متعطشة للحب، لكسر الحاجز القاتل الذي تزرعه الصحراء الواسعة، قطرة للعطس في الحلق الذي غص بالرمل، لكن الجباه التي تشمخ في السماء لا تنزل عن كبريائها حتى لتقبيل امرأة، انها لعبة الإرادة، تنافس وفروسية لا تهمد.
ذات يوم من أيام الصحراء، دخل الحاكم بأمر الله خيمته، شوهد الأطفال والنسوة يخرجون، لكن ليس بينهم احدى زوجات الشيخ الأربع، تناقلت النساء والصبايا الخبر، وبقي الأطفال ينكثون في رمل الصحراء ويلعبون بالعصي لعبة السيف والمبارزة، خصاص كثيرة انفتحت في كل الخيام تتلصص النظر إلى خيمة الشيخ، من الخيام التي ليس لها خصاص تطل على الخيمة المعنية خرجن منتحلات أعذاراً كثيرة إلى خيام لها تلك الخصاص والخصائص، عيون مفتوحة على آخر أبعادها، وقلوب تهفو في تخيل مكبوت، بعضهن يدعي عدم الاهتمام وينصحن الأخريات بالابتعاد وعندما تتاح الفرصة يقلن بأن غيماً يأتي من بعيد لعله بشرى خير.
في تلك اللحظات المتعبة، تحلبت الصبايا وحركن شفاههن كأن قطعاً من السكر نمت على تلك الأراضي العطشى، حسدن من في الخيمة، والخيمة والأرض التي تبرك عليها الخيمة.
وحين كانت الشمس تقترب من غيابها اليومي خرج الشيخ من خيمته، وأمر أن يجتمع القوم، همست صبية في عمرها الوردي: «سيأمر الرجال بدخول خيامهم«. ردّت فتاة أملح منها: «وما يفيدنا نحن، فرساننا لا يعرفون إلا السيف ولغة السيف، في كل المواقع وكل المواضع«. ضحكت الأولى من اشاراتها، وجلسن أمام باب خيمة يستمعن لكلام الحاكم بأمر الله، صمت الشيخ طويلا، تنحنح، وقال: «لا بد من تأديب هؤلاء الذين يهاجموننا، أمليت وصيتي لزوجتي منذ ان رأيتموني ادخل، سنرحل في الصباح إلى تلك القبيلة التي اعتدت على قبيلتنا لنعلم أنصاف الرجال أصول الحرب«.
مر زمن على ذاكرة الرمل الواجفة في لهيبها الحارق، الرجال لم يعودوا، والصبايا اشتقن إلى رؤية رجل على أقل تقدير، وبعد أيام عادت العيون منكسرة وذليلة، الحرب في غير صالحهم، ابتسمت أفواه كثيرة في تلك الخيام، وكتمن الفرح الذي يهز القلوب الغضة في أنوثتها الثائرة، تكرر الحلم ليلة البارحة، والصبايا مصبحات على الغدير يتفقدن في مرآة مضببة رسم الكحل على العيون الكحيلة الأعمق من أبعاد الصحراء، سرحن جدائلهن بالعطر، وغسلن أجسادهن بماء الورد، وتلك الأجساد تمايست بأنوثة يستغاث منها، على جدول الماء، تحرر الشعر من أساره، والتمعت السيقان بتوهج ملغية الصحراء رملا، وأبقت عليها عاصفة، وداخل خيامهن - بعد عودتهن من الغدير - تأكدن من الكحل وصفاء الوجه، وسطوة الثوب على الجسد، نظرن في بعضهن ممسكات على سرية التبرير، عجائز نبتت بشبق ثائر داخل التواءات الثوب عليها، وأثداء غصت بما عليها تود أن تنفجر توحشاً ورغبة، حين دخل الغزاة مضارب القبيلة وجد الفرسان السبي جاهزا، دهشوا حين لمحوا الصبايا يتقاذفهن بتلقائية على الجياد وبأيديهن صرة خفيفة لملابس وضروريات.
ركض الفرسان بالسبايا وابتسامات السبايا، وأحلام في ليال خصبة من الحب حين يلتقي الإبداعان في شهوات مبيتة منذ قرون.
جاء عام، مر عام، الكحل لا يفارق العيون، والأثداء بصرختهن، والأرداف بروعتهن والعجائز باستداراتهن، قبلات محمومة كل مساء وأجساد تئن بشهيق تتناقله الصحراء، لكن أغشية الرمل تتسرب إلى أغشية داخلية نضجت، وخافت أن يفوت وقت حصادها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الأقنعة
طرق المدينة تبدو للرائي خطوطا صغيرة، والأبنية الجميلة تتقاطر بهدوء على امتداد المنحدر الذي يفصل بين طبقتين، وعبر حقول الأسمنت والرخام ــ لأول مرة ــ يقترب بحدقتيه من هذا العالم المخملي، في قصوره وأناقته، حين دلف الفيلا منذ عشر دقائق، وبعد ان غادر المرسيدس الزرقاء، تجول بعينيه طويلا في موقف السيارات الذي يحتوي على عدد فاخر منها، احتضن الممر الرائع الذي يقسم ضفتين من الأزهار وأشياء أخرى اختفت في ليل المدينة الخافت الاضواء، من أعلى وقف يتأمل حديقة الفيلا، انحدارات متدرجة تكسوها أزهار اللوتس والنرجس وغيرها مما لا يعرفه، على الجوانب تتشكل الجهنميات في قوالب عديدة مميزة، على البعد، بجانب السور ارتفعت أشجار المانجو والكافور وبعض النخيلات التي أضاءت المصابيح الملونة ثمارها فأعطت بعدا شفافا ،في مساء طري، تقف الفيلا فوق تلة مرتفعة وسط الحديقة، الأنوار الخافتة الموجهة الى الفيلا تبرز الشرفات بألوان مدهشة، تتقاسم الألوان وتدرجات الظلال روعة المشهد الليلي في الانبلاج المدهش لتجليات الذات والاكتشاف، عبره سائق الشيخ يحمل أوراق سيده، رمق الفتى بنصف نظرة، اقترب الشيخ من الفتى الذي لم ينتبه الى وجوده، تأمل الشيخ للحظات هذا الفتى الوسيم.
- كثيرا.
- سيكون لك بيت مثله، ربما اجمل.
-حلم اكثر بعدا من المستحيل.
- لو تعرف الطريق فقط.
- لا افهم.
تناول الشيخ يد الفتى، ومشيا عبر الممر الطويل المخترق ضفتين من الزهور، روائح الحديقة بدأت تنحسر أمام رائحة اللبان الذي أضاف أبعادا أسطورية إلى مساء مختلف، حين دلفا صالة الضيوف، انسحب الشيخ الى الداخل، الفتى مدهشا بأناقة المكان، قلب بصره في اللوحات الثمينة، الصالة واسعة ومزخرفة على امتداد التقاء الجدران بالسقف، في الوسط تنتصب نافورة تقذف الماء والألوان، وعلى الامتداد الدائري للصالة يستلقي السجاد الثمين بأناقة على الأرضية الرخامية المزخرفة، أطقم الجلوس تصطف بعناية حول النافورة، على زوايا الصالة تماثيل لحيوانات محنطة، أمامها طاولات زجاجية تقف عليها مزهريات أنيقة بألوان طيفية لباقات من الزهور والورود، يدخل الشيخ فجأة.
-هذا المجلس الأوروبي.
(إذن هناك مجلس آخر) أسرها الفتى في نفسه وهو يعطي يده راحتها للاستلقاء بين يدي الشيخ اللتين ضغطتا بقوة محسوبة.. وحانية، تفاعل النبض في قلب الفتى، خرجا من الصالة الى الصالة الأخرى، تشبه الأولى إلى حد كبير، يفرق بينهما تلك المساند المزينة بطواويس تفرش ألوانها على اتساع المكان.
وهذا هو المجلس العربي.
- جميل.
- ليس اجمل منك، هناك مجلس آخر، لكنه خاص، الأفضل ان نذهب اليه، انت تعرف معزتك عندي، لا يجوز ان أعاملك مثل الآخرين.
في المجلس الخاص، دولاب خشبي برزت دقة الصنع فيه الى حد مدهش، مؤطر بحواف ذهبية، خلف الزجاج الشفاف للدولاب تصطف زجاجات متفاوتة الحجم ذات أعناق طويلة، أمام الدولاب منضدة طويلة، مستديرة ومرتفعة، تقف بقربها أربعة كراسي طويلة دون مساند، في الزاوية أريكة عليها مفرش جلدي تشبه في شكلها سريرا بسيطا.. قاده الشيخ الى النافذة الوحيدة في الصالة تطل من عل على الأبنية الأنيقة التي تفترش ارتفاعات المكان.
انظر. ذلك بيت……………
- منزل ضخم.
-هذه الفيلا بناها منذ سنة تقريبا بثلاثة ملايين ريال.
- قيمة كل منازل قريتنا.
ضحك الشيخ بقوة…- ظريف، ووسيم، كل الصفات التي أتمناها موجودة فيك، سنكون صديقين رائعين.
- شكرا.
- انظر إلى تلك الفيلا، إنها فيلا… الناس يقولوا عنه انه صاحب هواية، تماما مثلما يقولون عن فلان وفلان، هذا لا يهمهم، كما تعرف، كلام الناس، هم أحرار. - تقصد…- نعم، وما أبرئ نفسي ان النفس أمارة بالسوء، تصدق، أول مرة شاهدتك فيها أعجبتني، شكلك حلو، لا تسيء الظن بي كثيرا، سنقضي معا أوقاتا حلوة، سنكون صديقين، سأعطيك ما تريد، فقط لا تقطع زياراتي.
- أتشرف.
- لا تقل هذه الكلمة، نحن صديقان، سأخبر مدير مكتبي ان تكون لك أولوية الدخول إلى مكتبي.
اقترب الشيخ من الفتى، وخلع ما على رأسه، ذعر قلب الفتى، كأن شيئا مريعا سقط داخله، عاد به الزمان نحو صحراء بعيدة، ذات يوم مشى الفتى وراء والده المبتهج بلقاء مشايخه الذين يتحدث عنهم كثيرا، وفي كل مكان وحول مائدة الغداء، التف الكبار حول الطعام، بينهم الفتى الذي أسعده ذلك الاهتمام من أولئك ،تبادل الكثير من النظرات مع بعضهم، كانوا يبتسمون، وهو أيضا يبادلهم الابتسام.. والاحترام، وحين التف الجمع مرة أخرى حول آنية الفواكه الضخمة تكلم أحدهم سائلا الأب.
- في العاصمة.
- لا.. أعطوه سكنا.
- انه ولدنا، ونتمنى ان يزورنا (اتجه نحو الفتى) أبوك صديق قديم، ولا تبخل بالزيارة.
فرح الفتى بهذا التواضع الجم وأحنى رأسه عدة مرات دلالة الموافقة.. اخذ أرقام هواتف البيت والمكتب والنقال والمزرعة وابتسم.
هب النسيم اللذيذ من النافذة التي ترسم المدينة الجميلة من اجمل زاوية، خصلات شعره الغض انحنت تقبل جبهته.
- شعرك جميل.. لماذا تعذبه بهذا الرباط، الأشياء الجميلة يجب ان لا تسجن.
انكمش الفتى الى داخل نفسه اكثر فأكثر، خائفا من شيء ما كأنه المجهول، لاحظ الشيخ خوفه، وجفوله.. لا تخف، لن أجبرك على شيء لا تحبه (اقترب منه اكثر) هذه بداية الطريق، بعد فترة سأعرفك على أصدقائي، لديهم أيضا، أظنك صرت تفهمني بدون ان اكمل.
احتضن الشيخ الفتى، قبّله طويلا، الفتى كأنه أسير صدمة لا زالت تسجنه.
- لا.
- قناعات.
- لن تصل بك الى شيء.
- بدونها لا أريد ان اصل الى شيء، إضافة الى كونه حرام.
- لماذا؟ ألأنه مسكر؟.. لو شربت قليلا فلن يكون كذلك.
- وأيضا مضر.
- كل شيء إذا تجاوز حده مضر، الماء مثلا.
- لا اصدق ان لديك هذه الأفكار وتؤم أولئك الناس.
- الحسنات يذهبن السيئات.
أحنى الفتى رأسه، الهواء خانق، القصر تضاءل إلى غرفة إعدام كئيبة. أنفاس الشيخ تقترب منه حارقة عفنه، الغيبوبة تشل حدود العالم من حوله.
في الجهة الأخرى من المكان، كانت المرايا المتواجهة تكرر صورة الواقف بينها لدرجة الدوار، مسح عينيه طويلا لعله يستعيد ثبات الصور في حدقتيه، النوافذ تختلط مع سحابات الألوان والأرضيات ، لكن الدمع في عين الفتى حجب عنه رؤية الأشياء الشفافة والجميلة.
بعد دقائق، كان الطريق يتلوى انحدارا، لم تكن في عيني الفتى نفس الصور التي أدهشته ، ضلال المصابيح تتخفى على أشباح، والفلل جوامد كئيبة تدلع لسان الأفعى صوب البحر، تلك المساحة الراقدة على سواد ممتد، حين فتح باب السيارة لمغادرتها، امتدت إليه يد تدس في يده شيء ما.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
البارع
حرك قدما باتجاه البحر ،حرك أخرى باتجاه اليابسة ، طفول تختبئ هناك بين أشجار النارجيل ترصد حركة أقدامك ، أمسك خنجرك جيدا وسر مع خطوات رفيقك على البساط الممدود فالأرض مثقلة بخريفها .
استدر للوراء ، خذ دورتك كاملة ،انتهى المشوار الأول ، انتهت المساحة المهيأة أمامك ، ارفع قدمك وأستدر ، تعلم أن تضع إضاءة المكان على حد خنجرك ، طفول ربما ، هناك ، تراقبك ، تنسل من بين أحراج الموز خضراء مدهشة ، يبتل خمارها برذاذ الخريف ، كم مرة بحد خنجرك أخرجت الماء من بطن نارجيلة ؟! حين شربت طفول ماء (المشلي) أردت أن تخرج لها البياض الطري ، لكنها انسربت منك داخل أشجار الموز الكثيفة ، أعجبتك اللعبة ، دخلت معها ، لم تكن كما أردت ، حينها غضبت ، وتحركت خنجرك في سيقان وأوراق الموز تمزق بشراهة الأجساد الطرية .
أزل الذكرى عن كهوفك الآن أيها البارع ، فالموسيقى لا تزال تسكب عنفوان الصور على مخيلة الواقفين حواليك ، والطبل (المرواس) يحمل حدة صوته ، جلية ، متتابعة ، كأنه يموسق موج البحر ، والطبل (المهجر)عميق كعذابك ، تختال في أذنيك أصوات الناي ، حزين هذا الناي كحزنك ، شجي وعذب ، كطفول ، لكن طفول ، نزق الأرض ، وشموخ الجبل ، لا تقبض الخنجر لترقص .. واصل استداراتك فرفيقك يهز خنجره :
"حبل المحبة الهي رب لا تقطع
والشمل تجمع لمن له قلب هجاعي"
عين على الخنجر ،وعين على أطراف المكان ، وطفول ، دفقة خضبت جراحك حنا لا يزول.
أيها البارع خفف الذكرى حتى لا تثقلك : حتى لا تقع والخنجر في يدك ، طفول كانت رائحة الوقت والمسافات نحو البعيد ، مضت كغزال بري صوب الجبل ، طفول لا تشرب موج البحر ، لا تسكن إلا ظل الصخر ، ، غادرتك طفول منذ زمن ،وما زلت تقبض على الزمن في حد خنجرك ، خنجرك مرهف ، عنيد ، متوحش ، جسور .. كخطى طفول ، لكنك لست كخنجرك:
"لله محبي صغير السن يتواضع
يعطف ويرحم من اللي كبده لساعي"
ارجع خطوك مرة أخرى ، الزمن ليس في صالحك ، جرد ذاتك من ذاتك ، ستكتشف أن الأرض انسحبت من تحتك ، أن البحر غادر مياهه ، أن الدم لم يرض بشرايينه .. وحدك تختال مرحا بين الجموع وفي قلبك لهيب الموسيقى وإيقاع الطبل .
"اللي مجاري دموعه جرح المجمع
واللي فؤاده قطار دماعي"
ابتعد عن رفيقك كي لا تقعا معا فالبساط يمتد بامتداد خطوكما ، ليس أبعد من ذلك ، ارفع قدما ، انزل قدما ، حرك قدما ، سكن قدما ..
ارفع ، انزل ، حرك ، سكن
احرق اليابسة من تحت أقدامك لعل المكان يخضر بسهوب خريفك ، أشجار العمر تساقطت ، ضاعت في صحراء الربع الخالي وخريفك ممتد إلى ما لا نهاية ، ممتد لكنه لا يصل ، فقط يحلم بطفول .
الوجوه تتكاثر من حولك ، تتزاحم لرؤيتك ، وأنت فاقد للرؤية ، الضباب من حلوك يلتئم على عينيك ، لا رؤية إلا وجه طفول ،يبعث الفضاء ضحكة طفول ، تنشق الرؤيا أمام عينيك ، تسرع في خطوك ، تبتل قبضتك على الخنجر ، طفول ترسل ضحكاتها في اتجاه البحر وأنت لا ترى إلا اليابسة ، ولا صوت إلا الناي يتكسر دمعا ، ومن حولك لا يرون دمك أيها البارع ، كانت طفول ثورتك ، لكن لست ثائرا ،غادرتك أيها البارع ، منذ زمن رحلت طفول إلى الجبل ، تذرع أنفاس الوحوش وحدها ، كغابة ضيعت أشجارها ، طفول ، هذه الثائرة في زمن اللاثورة لم تعد كما كانت ، أنت المبلل بالضباب وموج البحر ، تعود إليك الأصوات ثانية :
"حبل المحبة الهي رب لا تقطع
والشمل تجمع لمن له قلب هجاعي"
حرك قدما ، تقهقر إلى الوراء بظهرك ،وخذ دورتك كاملة ، عد إلى الوراء الذي كنت فيه، لا زالت الرقصة مستمرة .
حرك قدما ، شاطئ مرباط بعيد عنك ، والسفن يعبث بها الموج في انتظار الإبحار ، حرك قدما ، استدر للوراء ، ربما السفن تغادر مراسيها، لا تثق بالموج ، فقط احفظ توازنك ، يدك اليمنى تتمسك بالخنجر أكثر فأكثر ، تصبح كأن اللحم جزء من مقبض النصل ، ورفيقك معك، الموسيقى ثائرة والكون ضباب أبيض .. أبيض .. كالبياض الطري الذي جعل طفول تنسل إلى أحراش الموز ، لكن لا مكان أمامك تنسل إليه .
ارفع قدمك ، بادل بينها والأخرى ، لا تبطئ ، أسرع فالنواخذة شدوا صواريهم ، حرك قدما ، لا تبطئ ، فطفول لن تأت ، تذكر أيها العاشق أن البحر أسطورة المغامرين ،الجبل ليس كما هو الجبل ، أخرج الأسطورة من جيبك ،تقول الأسطورة انه في رأس الحمراء تم العثور على 220مدفنا لرجال متوفين في وضع القرفصاء وباتجاه البحر ، أياديهم تمسك على الأصداف الفارغة ، إلا واحد يمسك لؤلؤة في يده ،تمنيت لو تكون أنت ،لكن طفول ،لؤلؤتك غابت ،غامت سماؤها ، أمطرت جبال سمحان والقمم المجاورة له .
حرك قدما ، هذه الغزالة البرية لا تسمع نغمات برعتك ،لا تلتف إلى حركات قدميك.. ربما .. ربما تفكر فقط في نصل خنجرك .
حرك البارع قدما في اتجاه البحر ..
الأخرى باتجاه اليابسة ..
تهاوى صوت الإيقاع ،وصوت الناي ..
كان البارع يقبض على مقبض الخنجر بيده اليمنى ، وعلى النصل بيده اليسرى، لم يكن المطر وحده يسقط على البساط ، كان هناك شلال أحمر من يدي البارع ، وحدقتيه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الله.. وأمريكا
في زمن الردة..
سألني جدي هل صليت؟ قلت له: لماذا؟
سألني مرة أخرى: والحروف الهجائية؟! قلت له اعرفها عن ظهر قلب.. الف. قال جدي: كل العالم يعرف أنها تبدأ بحرف الالف، اكمل ما بعدها. قلت: الف، ميم، راء ياء، كاف، ألف. قال جدي: حرف الألف مرة أخرى، أسألك عن الحروف الهجائية وليس عن الحروف المتحدة. قلت له: وحياة أمريكا ،هذه الحروف الحقيقية. صفعني بقوة وقال: يا كافر، ربك الله وليس أمريكا، قلت له بوجه نصف مخلوع: يحدث هذا يا جدي، يحدث هذا كثيرا، كثيرا، اكثر مما تتصور.
****
ذات يوم من أيام جدي الكابية كحزنه الذي اعتاده، سألني جدي: من يملك هذا العالم؟ قلت: أمريكا صرخ في وجهي: هل هي المتحكمة؟ هل هي التي بيدها تعز من تشاء وتذل من تشاء؟ قلت له: تعودت ان أطأطىء رأسي إلى الأرض دائما ولذلك لا اسمع إلا صوتها. قال جدي وكأني اسمع نشيجا داخليا محتبسا في أعماقه يثور محاولا الخروج من رحمه: حسبي الله ونعم الوكيل، توكلت على الله.
في اليوم الأول.. رصدت أقمار التجسس قول جدي..
في اليوم الثاني.. رصدت عمامته..
في اليوم التالي.. شكوا في طول لحيته..
قال أبى: أمريكا تقول جدك ارهابي، امنعوا عنه الرغيف، واحبسوا عنه الدواء.
****
في كل تلفزيون رأيت صور جدي، في كل صحيفة، في كل مشنقة، توضأ جدي وقام يصلي، رفع يديه بالدعاء، قالت أمريكا ان جدي يتآمر عليها، متطرف، يقتل الأبرياء، أحكمت إجراءات الأمن في كل سفاراتها، خوفا ان يتحول دعاء جدي الى قنابل تنفجر.
لماذا لا تسلم نفسك يا جدي؟
سلمتها لله سبحانه وتعالى.
لا.. اقصد سلمها لأمريكا.
لا أخاف أمريكا، بل أخاف الله.
لكننا نعتقدها…هذا يحدث للجبناء فقط.
****
.. إذا سعل كلينتون قالوا ان السبب جدي.
.. إذا تعثرت هيلاري قالوا أنها دعوات جدي.
.. في البيانات السرية قالوا ان جدي سلط مونيكا على عشيقها.
قالوا في مجلس الأمن: شددوا الحصار عليه.
في اليوم الأول امتنعت زوجاته عنه.
في اليوم الثاني غاب طعامه.
في اليوم التالي: نفذ دواؤه.
لكن جدي لا ينحني.
مثل هاته النخيلات التي تظلل جسده الواهن.
مثل هذه الدمعات التي تشق طريقها الى لحيته الجليلة.
حاولت مساعدته، لكنني خفت امريكا.
****
في اليوم الأول انطفأ النور في عينيه.
في اليوم الثاني جف الحزن على شفتيه.
في اليوم التالي..
في اليوم التالي، لم نجد من يصلي عليه.
بعد شهر قلت لأبي: يا أبى لا تقل توكلت على الله؟ لم يتكلم أبى وأحسست انه ــ أيضا ــ لم يسمع ولم ير.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المواطن "س"
أشباح وخيالات تفرض سطوتها على الغرفة الممتلئة بأجساد المرتدين ملابس بيضاء وخضراء ،عيون الطبيب تتسع ممعنة النظر في الجسد المتهالك ، والمتعب بالحشرجات التي تكاد تشق الصدر ، يتبادل الواقفون النظرات والأدوات الجراحية ،العيون التي تدور في مآقيها استدارات ينعكس بياضها على الجدران البيضاء ،وسوادها على كل شيء في الغرفة ،يدخل ممرض يهمس في أذن الطبيب كلمات مبهمة ، فيضع الطبيب مقص الجراحة ويهمس في أذن مساعده ، حين يغادر الطبيب الغرفة يهمس مساعده في أذن أخرى ويخرج ، بعد دقيقة واحدة لم يبق إلا الجسد المغلق على جراح شتى ،وأحلام يخشى عليها من التكلس: أن يخرج من المستشفى يقبل طفلته بعد طول غياب ، ويقول لأمه صباح الخير ، ويقول لمديره حاضر يا سيدي ، ويصفق بيديه في الحفلات مبتهجا ، وفي الليالي الطويلة يمسح دمعه الذي يغسل القلب كل ظلام .
بعد ساعة عاد الطبيب ومعاونه إلى الغرفة التي غادراها ، كان الجسد يصلي في تابوته للمرة الأخيرة ، نظر الطبيب بأسى على اللحظات التي لم تنتظره ، نظر في ساعته ، قال:الصدف تلعب دورا ، لماذا لا نبدأ العملية إلا في الوقت الذي يعبث فيه ابن …… بلعبته ؟! كان صراخه مبكيا .
نظر إلى الجسد الراقد أمامه .. وصمت .
###
أمام باب غرفة العمليات ، يقف اهل المريض بسحابات الحزن التي تعكسها الوجوه ، أقدام تحاول الثبات في وجه العاصفة .
يخرج احد الملثمين باللون الأخضر ، يسأل أحد المنتظرين ..
- هل عليه قرض اسكاني ؟
- طبعا .
-اذن قد حط عنه .
- كيف ؟
المهم ، هل عليه قرض تجاري ؟
نعم ، بالتأكيد .
أيضا قد حط عنه ، شركة التأمين ستدفع .
لم نفهم .
لكن تذكروا ، نعم تذكروا أن قسط السيارة سيظل .
###
وقف الطبيب وقائمة في يده ، الممرضون يتجمعون بأكياس جاهزة وأصابع ملفوفة بالواقي الطبي ينتظرون التعليمات ، قال الطبيب : لدي طلب عاجل ، قلب سليم ، هذا لا بأس به ، اقطعوه . اقترب أحد الممرضين : اسمح لي يا دكتور ، شقيق رئيس أخي في العمل مصاب في رئتيه ، اعتقد أن أخي سيرقى لو قدم هذه الخدمة ، قال الطبيب: لا بأس . كلمات من هذا وأخرى من ذاك ، المقاص تتلاقى في البطن الذي آوى كل هذه الخدمات دفعة واحدة ، كيس بعد آخر ، يقطعون ويخرجون ، بقي آخرهم يبحث عن عيني المريض ، عن لسانه ، عن أذنه ، وجد كل ذلك قد تيبس منذ سنوات طويلة ، أيقن شيئا ، فكر وخرج .
بعد ساعات ، دخل الواقفون على الباب الذي كان موصدا دونهم ، اقتربوا من السرير ، نظروا إلى الكهف الذي يغلفه القفص الصدري ، لم يجدوا داخله إلا المرارة .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حدث في جمهورية سرقستان
في مدينة الليل..
وفي صباحات باكرة خاصمتها أراجيح الضياء..
أحس البشر بالعاصفة التي تعتقل النمل والنحل والدبابير والعصافير في غليانها الدائري، تحسس الناس طبلات آذانهم، إذن لم تكن إشاعة.
مصلح الأحذية احدث ثقوبا في يده المرتعشة، لم يصدق أنها ليست اشاعة، والموظف البائس في محطات تعبئة البنزين ينظر بعين الى فتحة السيارة التي تستقبل السائل الملتهب وعينه الأخرى على عناوين الصحف التي أوردت صور المدعو الذي صار حديث الشارع، وحديث البنايات البيضاء الضخمة ،وربابنة الأحداث وضحاياها.
الإشاعة ليست إشاعة ،الألسن تعصر اسمه، رجل يعبر آخر بالقول (سمعت آخر خبر) يرد عليه (انه أول خبر) سرق الملايين، قال البعض انه استغل مشروعا قيمته مليون بينما كتب في الاتفاقية عشرة ملايين، صرخ رجل استند على لوح كرتوني على أحد الأرصفة: الله اكبر عليه، إذن سرق سبعة ملايين، صحح له صاحب القهوة الرقم وقال له تكون عشرة يا ذكي، انبرى صوت آخر، قال: الحكاية ليست كما يقولون، ولأنه مثقف بينهم، اعتدل واكمل: الرجل لم يدخل في أي صفقات باسم المشاريع، القضية تكمن في انه…….، قاطعه شخص آخر: بلا فلسفة يا أستاذ المهم انه سرق، احمرت وجنتا الرجل المثقف وقال: لو كنتم رجالا ما كان أحد سرق.صمت الجميع، ولم تسمع إلا غمغمات متطايرة، وكمد استعمر القلوب التي أحست أنها طعنت فوق جراحها، سائل لزج يلف المرارات التالفة، الوجع يتمرد كأنه يبدو خرج من الجسد ليكوي حتى الجلد، أحس الجميع ان الكل قد تمت سرقته، ان الأرض من تحتهم تناقصت، وان نجوم السماء نقص عددها، وان الأطيار نسيت ألفية البلابل ورددت ما قالته الغربان في بينها وشؤمها..
في الليل، نسي العاشقون حبيباتهم وضاجعوا سفر الحكاية الذي يتناسل غربانا وبوما تفتح احداقها عن رعب دائري مبهم، تقاطعت الأصوات للمرة الألف حول هذه الحكاية..
مازالت إشاعة.
كيف والصحف نشرت عن الموضوع.
لتخفيف الكارثة فقط.
لكن، كم مليون؟
آخر الأخبار تقول مائة مليون.
يحتاج الى عملاق لينقل له هذه الملايين.
بجرة قلم ينقلها يا عبقري، آه لو لم يسرقها، تعتقد كم بيتا ستبني؟!.. كم مدرسة؟! كم وكم؟!..
دعك من هذه التسطيحات ،ربما هي حكاية وراءها ما وراءها.
لكن المحاكمة ستكون علنية.
معقولة؟!
تنابت البشر من جحورهم صباحا، وذهبوا الى مقاصدهم، الأمهات نسين أن ترضعن أطفالهن، والأزواج لم يهتموا بليلتهم كما ينبغي، وبدلا من ان يقبلوا زوجاتهم سألوهن عن الحكاية، والعجائز نسين أطقم أسنانهن دون تنظيف لأنهن لا يستطعن التحدث بدونهن ان هن خلعنهن، وحين استيقظ ألأولاد من نومهم وجدوا الإفطار أحاديث لا تنتهي عن الملايين وصاحب الملايين وخروج الملايين من بيت الطاعة.
على طاولات المكاتب شخص يقرأ الجريدة، والآخرون يستمعون، وتطول المناقشات، والمراجعون ينتظرون خلف الأبواب الموصدة، البعض يعلق بكلمات صارخة ويخاف البعض الآخر منه، فتدور العيون في محاجرها بارتباك وترقب، خبر صغير عن آخر فصول الحكاية، وتحقيق كبير هناك عن أسراب الجراد وسبل مقاومتها ودراسة ضخمة عن مأساة بوروندي، ومقال طويل عن عمل المرأة.
قالت امرأة لزوجها الذي تعب واشتاق الى الجسد المخملي، المحاكمة الاثنين القادم، نهض الى سماعة الهاتف وضرب مئات الأرقام وبعد كل ستة أرقام منها يقول ان المحاكمة الاثنين، يحلف اغلظ الإيمان أن المحاكمة الاثنين وانه سمع ذلك من مصدر موثوق به، وحين عاد الى الجسد المخملي وجده جثة هامدة تطير في أجنحة النوم فنام بجانبها يحلم بالاثنين.
في الصباح التالي قال شخص لمن هو جانبه، ان المحاكمة السبت، ورد عليه إنها الأحد وأكد مستمع إليهما أنها غير ذلك، ومر الموعد على أيام الأسبوع السبعة، لكن أحدهم صرخ: مستحيل، الجمعة، لا يمكن، المحكمة إجازة.
غضب من قال أنها الجمعة: هذا حدث استثنائي.
يا مكابر، الجمعة يوم العزومات،لن تجد قاضيا مستعدا ان يتنازل عن عزومات يوم الجمعة، من يرى تلك الولائم لا يمكنه التنازل عنها.
تصاعد الجدل، وفي كل جانب مناصرون.
في يوم ما، لم تشهد مثله جمهورية سرقستان حتى في أعيادها الرسمية، خلت الأسواق من مرتاديها، والشوارع أقفرت الا من عابر سبيل لا يجد بدا من التواجد، القاعة ازدحمت بالكراسي الإضافية التي قيل أنها دفعت فيها مبالغ ضخمة، قبل الموعد بساعات بدأ الناس التوافد على القاعة وعيونها على المكان الذي قيل لهم ان السارق سيقف فيه، عيون مفتوحة على مداها تنتظر، آلاف أخرى وقفت على باب المحكمة، منهم من ارهف السمع على الباب، ومنهم من اقتعد الطرقات المؤدية الى المحكمة، كان هدير أصوات ولغطها يعطي المدينة أجواء استثنائية غير معتادة اقبل القضاة يملؤون مقاعدهم في الصف العلوي للقاعة، تفرسوا طويلا في سيل البشر الذين عيونهم على مكان آخر، تخيلوا طويلا شكل هذا المخلوق الذي خطف الأنظار والقلوب والملايين بشرا ونقودا، قال شخص ان المدعو تناقص وزنه كثيرا بعد الفضيحة، قال آخر في زاوية أخرى ان المدعو كان يصرخ انه مظلوم، تناثرت الهمسات، وكبرت حتى أصبحت نهرا يسير بإيقاع متصاعد، يزداد جريانه كلما طال امده، شعاب تروي غليانه الصارخ بالمزيد من التيارات المندفعة.
همهم الجالس وسط قضاة العدالة، صمت الحضور قليلا، بعد دقائق شهق الحضور على مرأى رجل يمشي ببطء مصطنع، شك الحضور انه الشخص المعني، قسمات وجهه باردة وعادية جدا، وقف كأن الأمر لا يعنيه، والقاعة من أمامه تخيلها فارغة من كل شيء، العيون تتناهشه ببريق محرق، أحس الحضور بالصدمة لان غليلهم لم يحفز فارتد الى دواخلهم أنين مرعب، تمنوا ان يروه منكسرا ذليلا، ان يبكي، ان يصرخ من هول العذاب الذي ينتظره.
تفرس القضاة في المتهم وقتا غير قصير أحسه الحضور دهرا..
سأله أحد القضاة: هل صحيح ما نسب إليك؟ أجاب المتهم بهزة رأسه مؤكدا. سأله آخر: تسرق الملايين من قوت الناس؟žžžžžžžžžž! أجاب المتهم بنفس الحركة السابقة. رد قاض كان مسرورا بالحضور الكبير: إذن تعترف بالسرقة، صاح آخر: الحكم بعد المداولة.
كأن الحضور يدقون طبول الزار، وكأن المحكمة تتراقص بارتعاش مرعب، في أفواه الحضور تتخايل الألسنة تصطك الأسنان ترقبا، ينثر الحضور توقعات الأحكام ،يقول شيخ وقور ان المتهم ستقطع يده، ينظر إليه شاب نظرة ساخرة وقال لصاحبه: كان زمان، يثور صوت واضح من الواقفين عشر سنوات لا تكفيه، مليون سنة، (يا بلاش)، القاضي غاضب عليه جدا، صوت آخر، سيعدم، بالتأكيد، ملايين، لا اله إلا الله.
عاد القضاة يحملون دفاترهم العريضة.. بدأ كبيرهم في القراءة، القاعة تخلو من الأنفاس، لا صوت إلا ما تقوله الحنجرة الواثقة من نفسها على أعلى مكان في القاعة، في آخر المطاف قال القاضي: يطلق سراح المتهم.
شهقة عالية وصاخبة تطلقها الحناجر دفعة واحدة، زلزال حدث فجأة، اسقط الأفئدة من أمكنتها، ألف عام مرت في لحظة واحدة.
القاضي يأمر الجميع بالهدوء.. أكمل القاضي حكمه (وان سرق فقد سرق أخ له من قبل).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
خريف الياسمين
_ خائفة
احتوى يديها الناعمتين، وقلب بصره طويلا في أصابعها الصغيرة، ارتجفت حين أحست ان قبلة تسربت الى عظام يديها، رفعت شعرها المنحدر على جبينها وأطالت النظر في وجهه، في زوايا عينيها بقايا حزن بعيد، وارتجافة الأصابع تدخل في شفافية اللحظة..
_ احبك كأني لم أحب شيئا آخر.
_ مجنون، لكنك رائع.
_ هل تتحول هذه اللحظات الى أوهام من الذكريات؟.
_ لعلها الذكريات الأروع.
_ لكنها تبقى ذكريات.
غرق في صمته، اقتربت منه اكثر، سكن بحزنه العينين الواسعتين اللتين تنظران إليه..
_ هل تحبينني؟!
_ أما زلت تسأل؟!!
_ أريد ان اسمعها منك.
أحنت رأسها إلى الأرض كأنها تهرب الى شيء ما، تدس أسرار الكلمة في سماء كثيفة الغيوم، تغوص في قلقها من هذا التوهج الذي تكتبه القلب، غاصت يده في شعرها تمسده ،أغمضت عينيها باستكانة العاشق، استسلمت لنسائم يديه تهب على شعرها الكستنائي الرائع، وصل رأسها الى صدره. تأوهت كأن العالم كله يحترق في لحظة حب..
أتمنى أن يقف الزمن عن هذا الحد.
_ احبك اكثر من أي شيء آخر.. وأنت؟!
_ كل هذا.. وتسأل!!
_ افتحي عينيك لأرى الإجابة.
_ دعني أغمضهما لأراك اكثر.
_ أموت حبا فيك.
تسللت شفتاه الى فمها، كقطعتي سكر وضع شفتها السفلى بين شفتيه، فتحت عينيها تتأكد ان الواقع لحظة معاشة، عاشقها يرتوي من شهد شفتيها وهي كذلك تغسل العطش عن صحرائها الملتهبة شوقا الى حضن تتفيأ ظلاله، غاض السواد في عينيها فتحولتا الىغيمة بيضاء، تأوهت اللحظة بجمر العشق ، ترك حديث الشفاه ليقول لها (احبك).. سحبته اكثر الى وجهها مستعذبة ريح الأنفاس الملتهبة، تطلق السحر في صمت المكان، ألقت بالأسئلة في متاهة بعيدة، وحده يقف الحب هنا يبارك خطو الغيمة بمطرها الدافق، رفع رأسه ونظر في عينيها طويلا، رأى انعكاس الأطياف في الاتساع الرائع لعينيها، وشفتيها قطعتان من الكرز طال وقت نضجهما.
شفتاك تزدادان حلاوة كلما شربت الشهد منهما.
ابتسمت، واحتضنته بقوة، أحس بتكور صدرها يود الخروج من فستانها الوردي لمعانقته، وضع يديه حول خاصرتها يتلمس الجسد البض في استدارته العذبة، حرك يديه نحو مواطن الألم واللذة، شهقت كأن شمعة أحرقت بثورة لهبها المكان والزمان معا. ذابا مرة أخرى في عناق حميمي، ارتوت الأنفاس من الأنفاس، وتجاذبت الشفاه طويلا، وحين أتعبهما العناق وضعت رأسها على صدره..
_ أريد ان أسألك.. لقد أنسيتني.
_ لماذا الأسئلة؟!
_ ضرورية رغم كل شيء.
_ اعرف ماذا تسألين، لكنني لا أملك الإجابة.
_ وماذا بعد؟
_ لا اعرف، أتمنى أن أضعك في عيني أغمضهما عليك كي تظلي فيهما للابد.
_ متأكدة انك تعني ذلك، لكن..
اعتدلت في جلستها، وتركزت الأعين في الوجهين المتقابلين، غرقت عيناها بالدمع، مسح بأصابعه ما استطاع عليه من دمع، لكن التيار أقوى.
_ لا يجوز ان يبكي الورد.
_ كيف أنسى هذا الذي بيننا؟!
_ لماذا تنسين؟!
_ لأنني لا أستطيع أن أتذكر.
_ إذن تورطت في عاطفة..
_ لا تكمل، أرجوك، لست نادمة على ذلك، كنت لي شيئا لا يوصف، كنت خائفة ان نصل الى هذه النقطة.
ضمها الى صدره بقوة، أحست أن صدره ينتفض، كان نشيجه يخترق الدفء الواصل بين الصدر والصدر، أحست باشتعال الدمع في البؤبؤين اللذين احتوياها.
حين أطلقها من حضنه، كانت عيناه محمرتين..
_ ليس ذنبك.
_ إنها.
_ اعرف، لا تكمل، لا أستطيع أن اصف لك منتهى بؤسي حين أحس أن الإنسان الذي يهبني كل هذه العاطفة لا يكون لي، أعطيتني الحياة بكل ما فيها من ثقة ومشاعر لكنني..
وضع يده على فمها، تناولت عباءتها وحقيبة يدها وخرجت، تركت الباب دون أن تغلقه، وهو ما يزال في غربته يجمع ما تناثر من شذاها، بقايا دمعها في يديه، وصدرها المتكور الذي لا يزال يضغط على صدره، وعيناها اللتان مازالتا تسكنان عينيه، وعبق عطرها في أنفاسه، وطعم شفتيها في فمه.
في الخارج كانت الشمس تغادر سماء المدينة، تغوص في بحر المغيب، تسكب حمرتها، وتقرأ سفر الوداع ليس للمرة الأولى، وليس للمرة الأخيرة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
.. عيب !!(1)
تمعّن الطفل كثيراً في وجوه الضيوف الذين تحلقوا على مائدة عامرة بأشهى الطعام، تسارعت الأكف إلى الأفواه تلقمها اللحم والأرز المطبوخ بالسمن البلدي والزعفران، تتقاسم العيون نظرات مذعورة، وواجفة من شيء ما، قلقها حاد الطبع وقاس في ملامحه، تناول صاحب البيت رأس الذبيحة يقدمه أمام رجل بدا انه الأكثر وجاهة، وضح ذلك من خنجره الثمينة والتي تبدو للرائي كأنها حزام يمنع وقوع الكرش المتدلية، الصغير يقيس بنظرات البراءة اليدين اللتين أمسكتا برأس الذبيحة كأنهما في لحظة ثأر لقصة قديمة وقعت في زمن باد، توقفت الأكف والنظرات تتبع الرأس الذي يتأرجح بسكينة مميتة، العملية صعبة، والرأس يأبى الرضوخ، صاحب البيت خجل من الموقف، احمر وجهه خجلاً من الشيخ، وغضب على طابخ اللحم الذي جعل الرأس لا ينكسر، قال الشيخ: ان الرأس يحتاج إلى سكين، أسرع القوم في إخراج النصال من الخناجر يقدمونها لليد التي ما زالت تمسك بقوة رأس الذبيحة، غمد الشيخ نصل الخنجر في فتحة العين وأخرج زفرة قوية، ولكن دون جدوى، الأكف متحرقة لنهل الأرز واللحم، والشيخ يعارك الرأس، ورجل آخر قوي البنية يود لو أتيحت له الفرصة أن يعالج بقبضة يديه هذا الرأس الصغير، تكلم صاحب البيت طالباً من الشيخ أن يكمل طعامه ويتفرغ بعد حين للرأس.. ابتسم الطفل وقال: أن الرأس قوي. لم يشعر ان جملته اكتملت حين أحس بسخونة في وجهه اثر لطمة من والده، رأى الصغير شفاه والده ترتطمان ببعضهما البعض غضبا. قال الأب: قلت لك ألف مرة، عندما يتكلم الكبار، يسكت الصغار.. لا تفعل ذلك مرة أخرى.. عيب!(2)
دخل الفتى الفصل الممتلئ، أشار المدرس بالجلوس للواقفين تحية، وكتب على السبورة التاريخ واسم المادة، أسهب المدرس في الشرح حول قانون الجاذبية، رفع الفتى إصبعه مستأذناً في الحديث. - من اكتشف الجاذبية الأرضية.(3)
قلّب عينيه طويلاً في سديم الظلام المنثال أرقا في كل زاوية من الغرفة، قلبه متسارع بنبضات مدهشة، هي الأولى التي يحس بأن عينيها تمازج وادع، حلم بها طويلا، وحين فتح أوراقاً ملونة، بعثر الحبر الأسود طويلا يكتب الخرائط المؤسسة لدولة العشق يقف على عرشها أميراً وتقف هي بجانبه أميرة ترتدي ورد التفاؤل الأبيض، وحين انحسر الليل عن صبح هادئ، انتظر طويلاً كي يتم المحاضر خطبته، وفي ردهات المكان اقترب العاشق من وردته يدس في يدها أحلام الربيع. تتابع العمر أياماً من الانتظار، فالمعشوقة لا تهدي إشارات الوصول للبحّار، ودوران البحر متعب ومنهك، وذات صباح آخر بعد ليل طويل من السهد، سأل العاشق عن الحكاية التي نامت دون جواب.. دست ورقة في يده، طار فرحا، بعيداً عن العيون، بعيداً عن فضاء العشق، في الورقة كلمة واحدة.. «عيب!«.(4)
كبر الفتى، وذات يوم على مقاعد الوظيفة، تمعّن في صحف الصباح، قرأ العناوين أكثر من مرة.. الشركة تكرّم عدداً من الموظفين المتميزين. قال في نفسه: هذا لم يحدث. في صحيفة أخرى رأى صورة الكنــّاس الذي يعمل في الشركة واقفاً بابتسامة مع المدير العام، في خلفية الصورة سيارة، قرأ أن الكنــّاس فاز في السحب الكبير الذي نظمته الشركة، حمل ضميره ودخل على المدير العام..(5)
هاجمه الأرق طويلا، كان في المشهد بقايا من أجندة الأمس الفائت، في ورقة ارتمى رأس الذبيحة يتقلب في يد باحث عن طريقة لاخراج المخ، وسؤال يتأرجح دون اجابة من المدرس، وحبيبة من أزمنة التكلس والغياب، وكنــّاس يقف أمام سيارة السحب الكبير.. تناول أوراقاً وكتب عليها كلمات وفواصل، في المساء التالي طرق باب مدير التحرير، تناول المدير الأوراق وقرأها بينما الوجه الآخر يسابق الثواني في قراءة تعبيرات الوجه المتنقل بين سطور الأوراق.أحدهما يسأل والآخر يجيب. وحين دخل شخص آخر استأذن المجيب في الرحيل، وقبل ان يأخذ طريقه في الممر الطويل، سمع صوتاً خافضاً يأتي عبر الباب الموارب، شخص ما يقول لآخر: ماذا يريد هذا المخلوق؟ من الصعب نشر هذه القصة له، لأن نشرها - بصراحة - عيب!
(6)
استمرت الحوارات طويلة في قلبه، نبت الخوف في داخله نصالا محمية، تمادى في محاورة ذاته، فجأة تذكّر. كأن خنجراً ارتعدت فجأة في خاصرته، قال لنفسه: لا.. هذا عيب!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قطاة الزمن الغابر
(1)
أخرج من قمقمك، افرض هيلمانك، واترك أحجار «قطون«.. أيها البائس، تعبت نعالك من الترحال، في كل واد لها آثار سيارة عبرت، وأنت المتلون ككهوف الجبل، غادرك الزمن، لم تبق إلا وحدك، كلهم غادروا، كلهم افترشوا الغيم، وناموا في غرفهم المكيفة، لا تحرق نفسك بغبار الأمس الغابر، يا أيها المجنون الذي يرمي القرية بالشرر المتطاير من احتكاك أظافره في الالتماعات البنية للجبل، ماذا تنتظر؟! وقد غادرتك البشرية تجر أوحالها، تلقيه في سرية محبطة، إلا أنت يا فارس الجبل، ما زلت تترقب الصفارد والعقاعق على السفوح، بندقيتك على الكتف، لا تهتم، أولئك أصحاب الفيلات والمنازل الجميلة مرهقون بمدنيتهم، لن يتذكروا، البندقية التي جعلتك أسطورة مبهمة.
(2)
ذات صباح، الشياه على المرعى، والبندقية على الكتف، فارس الجبل، يحمل ثقل قلبه، دامياً وحزينا، كالظبي، من صخرة إلى أخرى، يستشرف المكان، وسرور تلويحة الصباح الأولى، وجبالها ترتاد الشعاع الأزلي.. الفارس يرقب من بعيد، تلك القطاة الضامرة، أمامها أكثر الشياه، وحواليها البعض منها، نقطة ملتفة بالسواد تحيطها ألوان مبرقشة من البياض والسواد معا، تتراكض في السبحات الطويلة لزمن عتيد.
حين وضع فارس الجبل إصبعه على الزناد سبقته آهة الجحيم، «ايه يا ابنة العم، ليلة عرسك لن ترينها، يا ابنة العم، أنا البحّار الوحيد، وما بين أبناء العمومة رصاصة أو مصاهرة، كلها تتلون بالحمرة القانية من أثر الدم«، وحين وصلت الرصاصة إلى القطاة الجبلية، جفلت القطاة، وتهاوت بوداعة، رغم ان الصخور لم ترحم اليناعة في قطاة السنوات الأربع عشرة، ارتاعت الشياه، وتفرقت، وكان هناك، فقط هناك، قطاة تتدحرج من وسط الجبل إلى سفحه، والدم ينز في العروق الصغيرة، والقلب يدق للمرة الأخيرة، في زفرة الأنوثة التي حلم بها ابن العم لحظات طويلة، واغتالها ابن العم في لحظة.
(3)
يا أيها الفارس، اضرب الصخر بقوة، احفر في الأرض، كي تكون لك جنة من نخيل وأعناب، اطعن الأرض، وحدك، لا تهتم بالفضوليين الذين يتندرون بالمجنون الذي يحفر بئراً بنفسه، افرغ صبرك، الشمس لن تحرق الجلد الذي أواها سنينا طويلة، وحدك من الزمن الماضي، وحين يفت عضدك وتتعب تلك العضلات التي يزحف إليها وهن الشيخوخة اربطها بقلادة من سعف النخيل أو من الجلد كي لا تحس بالألم.. يا فارس الجبل، أولئك الناس ذاكرتهم ضعيفة، يلبسون ذاكرة الرمل، وأنت ذاكرة الجبل والصخر، هذا الصخر الذي يتفتت تحت ضربات معولك، لا تترك لهم فرصة التذكر، ابنة العم ماتت، وعريسها مات، وعمك مات، وأنت ما زلت المزروع في عنفوان المكان، لكنك، يا فارس الجبل بدون قطاة، عشت بدون قطاة، لا قطاة الا ابنة العم، كادت أن تذهب ابنة العم إلى الغريب، وأنت الذي أسكنتها صدرك، يا ويحه ذلك القلب الذي يعشق حتى الفناء.
(4)
وحين رموك في كوت الجلالي لم تفارق ألسنة الناس في قريتك والقرى المحيطة، انتهى العزاء، ولملم عمك حزنه ومضى، وهلكت امرأة عمك على وحيدتها الباقية من أزمنة القحط والخراب.. وبقيت يا عاشق الصخر، حجراً كبيراً في ممرات الأودية والشعاب، تشمخ في عرس الماء، تنقل للريح حكايات الرمل، والريح حافظة لأسرار الرمل.. أسرارك.
(5)
في ممرات الحياة يتقاسمون حكاياتك، المجنون، هرب من كوت الجلالي.. يتساءلون: من يمكنه فعل المستحيل ويهرب من كوت الجلالي؟! انه السجن الذي يقيد الموت في أقبيته المبتلة، لكنك رجل المستحيل، قلت لسجانيك: أريد ان اصنع ما يفيد، أعطوني سعف النخيل أقلده بأناملي زركشات طويلة من الخوص، وحين استوى امتداداً طويلا، علّقته في كوّة السجن، بعد أعوام ما زال خبر فرارك من السجن يحيّر ويدهش، قال من قال انهذلك صعب. وقال آخر: انك رجل المستحيل.
(6)
إيه يا أسطورة الجبل، عدت، ولكن القطاة لم تعد، كوت الجلالي نسي ذاكرته، وأنت القوي، اعبر الطرقات بخطواتك الواسعة كركضة ظبي جافل، من يراك يعرفك، هو أنت الذي أقدامه لا تكاد تلامس الأرض حين يمشي، وأنت الذي ترتدي دشداشة تهبط من الركبة قليلا بينما تبرز عند البطن بصورة واضحة، سكينك مكانها، كأنها شيء من جسدك، انطلق، واحفر القرية بأظافرك، من يتذكر؟ ماضيك الذي غرسته رماحاً في خشوع الليل على جبال سرور، من يتذكر اثنتي عشرة سنة نمت فيها وحيداً على الأرضية الرطبة لكوت الجلالي، وضربات الجلادين.. «اعترف«.. ولكن أقوى.. «اعترف«.. والسوط يتبع السوط، والرطوبة تنخر في الجسد الهزيل، لكنك يا فارس الجبل، تنكر انك سفحت دم القطاة، حبيبة القلب، والشهود، رأوا جسداً ضئيلاً يرقد وراء صخرة يقفل عينا واحدة، والأخرى تنظر بامتداد ماسورة البندقية، وحين ضغط الإصبع على الزناد كان القلب يرجف بالحرية، وها هم الآن يصادرون حريتك.. لا تعترف، من أجل حريتك، حرية الجبل الممهورة بالصخر، وانشقاق الماء.
(7)
«أيها السائر لا طريق، تتحدد الطريق بمقدار ما تمشي« والسنوات تسبق جرحك، والريح تهب كتلاوين المساء، في المدى المترامي، تنبت آثار خطوات خفيفة لأقدام سائر لا يكاد يلامس الأرض، تأتي رياح الصحراء تسكب أغانيها على الخطوات، والفارس ممعن في السير، كظبي شريد، يبحث عن ليل يخبؤه في أردية الجبل، والجبل باق، وأنت باق.. لكنك تائه ووحيد، لا يد تلوح لك بالوداع.. ولا قطاة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليلة خلف الأخيرة
قابع في سديمية الموت ، يطلق أنفاسه الوحيدة في محيط المكان ،موحشة وخانقة هذه البقعة ،تطلق عفاريت الخوف من قمقمها المجنون والوحشي ،يطوف أرجاء الغرف ، متحفزا لخطر ما ،صمت قاس ومريب ،والساعات تتحول إلى قلادات افعوانية تحيط معصمه الذي تكاد شرايينه أن تنفجر .
جلس على الكرسي الوحيد ،يحلم أن يتكلم ،أن يسمع صوتا ، صرخ في أعماقه بذهول: "ماذا ،ماذا لو تكلم أحد هؤلاء ، عشرون جثة بالعدد ، كل يوم يمر عليه رئيسه في العمل يتأكد من عددها ،عشرون جسدا ترقد بلا حراك حوله تنتظر شحنها إلى منفاها الأخير ،أحس بسخرية مريرة مما يعيشه من تناقض ،وحيدا وحوله كل هؤلاء ، سكت عن حلمه بأن يتكلم أحدهم ،فتح فمه بموال حزين ، سكت فجأة ، تخيل أن دمعات يسكبها أحد هؤلاء شجنا أو حزنا .
مر أسبوع كامل منذ أن استلم وظيفته الجديدة في هذه المشرحة المنسية ، ومنذ أن تخرج من قسم الآثار بالجامعة ،كان يحلم بالكرسي الدائري ، وبالسكرتيرة التي تبتسم كل صباح ، ويغازلها بطرف خفي في المرحلة الأولى ،يكلمها عن امرأته التي تزوجها عندما كان طالبا في المدرسة ،وحتى حينه لم يشعر انه ارتبط بامرأة كتلك التي يسمع عنها في كتب الشعر والروايات ، يكلمها عن سيارته الجديدة التي اشتراها بعدة آلاف وعن البيت الكبير الذي يبنيه في شاطئ القرم ، طوى أحلامه في طرف خفي من رأسه .
يخرج إلى بيته كل صباح ، ينظر في الأجساد التي تمر أمامه ، يتخيل اليوم الذي تنام فيه بصمتها الأبدي ،ويقف هو حارسا على الأموات خوفا من أن تهرب منها أجزاؤها ،يقبل أطفاله ببرود ،وتسأله زوجته إن كان احضر حاجيات البيت قبل أن ينام إلى الظهر ،في الحلم يرصد صور موتاه ، يعاتبونه على تركه لهم ،وحيدين في مشرحة المستشفى ، لأول مرة يرى وجوههم في الحلم .
في المساء ، وحينما حانت ساعة مناوبته أصر على رؤية وجوه هؤلاء الذين يحرسهم ،و الذين يشتاقون إليه بعتاب حارق .
اغلق الباب جيدا ، وقف أمام الجسد الملفوف في غطائه الأبيض ، وجه مكدود كأنه الباقي من زمن الانقراض الكامل ، عيون منطفئة على حلمها البعيد ،حمل الجثة ، وضعها على الكرسي برفق ،جلس قبالتها :
أيها الرجل الذي كان ، اقف أمامك أنا المواطن خلف ، أحرسك من الأحياء ، لا ادري لماذا ؟ اقبض آخر الشهر راتبين لأنني افعل ذلك ،بعد كل ليلة خوف اقضيها بينكم أيها الأموات أعود إلى الأحياء اكثر رعبا ، يرعبني المسؤول كي لا يستغني عن خدماتي ، وترعبني زوجتي حين تطلب ملابس للأولاد ، ويرعبني رجل الفواتير الذي يطرق بابي عدة مرات في الشهر ، وأفكر في قسط بنك الإسكان ،وأفكر في فوائد سلفتي التي لا آخر لها ، أيها الرجل : محظوظ انك خرجت من الزمان ، تتقيأ الآن فلسفتك العظيمة ، العزلة الأبدية ،هل تشعر بالبرد؟ هل تفكر في أرملتك ؟ هل تتذكر انك خرجت مديونا أم انك خلفت مديونين تمنوا موتك ؟ أيها الرجل: صدقني أنني أول مرة أتكلم بدون خوف من أن يعلق الآخرون على سقطات لساني ، ويترصدني الواشون يقولونني ما لم اقله .
توهم الرجل أن الجثة التي أمامه انفرج فمها عن أسنان صفراء ، سمع قهقهات قوية تتردد أصداؤها في الفراغ المحيط ،وقف بعصبيته ، انهال بعصاه على الجثة التي أمامه ، أحس بالأرض تميد من تحته ، وضع رأسه بين كفيه واختلط الذي يخرج من عينيه وفمه .
في اليوم التالي ، حمل جسدا آخر ،أقعده نفس الكرسي ، تكلم إليه ، جلده بالسوط ، وتهاوى ساقطا بجانبه ، كل مساء ، كل خوف ، كل بكاء .
في الليلة العشرين ، أعاد خلف الجثة العشرين إلى مكانها الثلجي ، تمدد على مقربة منها ،أحس أن شيئا مختلفا يقترب منه .
حين فتح المسؤول باب المشرحة لم يجد الحارس ، توترت أطرافه خوفا على الجثث العشرين ، بدأ في عدها ،وجدها إحدى وعشرين جثة ،فرح أنها لم تنقص ، لكنه لم يهتم أنها زادت .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مدينة النهر الابيض
التماعات السيف في يد تنضح ألفة تتعاكس مع التماعات أخرى في المحاجر،مازال الديك نائما او لعله يضاجع دجاجة الجيران للمرة الألف، ودت شهرزاد ان يصيح حتى تكف عن الكلام المباح، شهريار ينتظر، والسيف ينتظر.. اخرج السياف السيف من غمده، وعمدت شهرزاد الى نهدها فأخرجته من غمده، التماع السيف والتماع النهد، لكن الحكاية اثمن يا شهرزاد.. أثمن حتى من أعناق النسوة البيض اللاتي عرفهن قبلك.
في الليلة الألف بعد الألف قالت شهرزاد:
يحكى يا مولاي عن مدينة النهر الأبيض ان النهار انكشف عن فتاة في عمر اكتشاف الجسد، ساقان مثيران انحسر الثوب عنهما، نصف سكان المدينة فاغرين أفواه النزق على الطريقين الموصلين الى فوهة جحيم الجسد، الفتاة في حالة إغماء والدم لا يخرج إلا من الصدر المجتثة نبتتاه اللتان بدأتا في الزحف الى خارج رحم الاستواء.
وحدث يا مولاي ان حكاية الفتاة تناسلت في كل مخدع، وخرجت الفتاة من سرية الخدور الى حديث الألسن، وسؤال يطوف بشوارع الإسفلت وبأعمدة النور: من فعل ذلك؟ وأين حمل النبتتين؟!
غزل الرعب أنفاسه في الأمهات اللاتي خفن على بناتهن من العنوسة، واحمر وجه الرجال الذين خافوا على النبتات الأخرى ان يجتثها منجل الحصاد، وفتيان المدينة رسموا على كل جدار تصورهم للنبتتين اللتين فجرتا الاهتمام بالنباتات الغضة التي تمد رأسها في الخفاء قبل ان تدخل بين أصابع عاشق أو فم طفل، لكن هذه المرة حصدهما منجل مجنون.
تساءل الناس لماذا؟! والفتاة أضحت مزارا للمتطفلات اللاتي أردن التأكد من الإشاعات حول طريقة الاجتثاث، في كل ليلة نامت الصبايا حالمات بمنجل يخرج النبتات من غفواتهن الطويلة حسدا لغريمتهن التي أضحت حديث البشر داخل المدينة وخارجها.
في صباح آخر، تكرر المشهد مرة اخرى، صبية في ربيعها الرابع عشر، لا دم إلا في الصدر بحث أول الفضوليين في أماكن أخرى عن لون احمر تخرجه مناديل الأعراس البيضاء عادة رمزا للرجولة ولكن لم يجد إلا استكانة البركان، والساقان مثلما هما، طريقا المخمل الى هاوية الرغبة، البشر رائحون وغادون الى المنزلين، والمفاجأة دائما في انتظارهما، ابتسامتان خفيفتان يواريهما وجهان على صدرين مقطوعين، في تلك الليلة نامت رغبة خفيفة في صدور فتيات مدينة النهر الابيض، فاللعبة ليست مصادفة، وان كل النبتات البيضاء ربما ستجد المنجل رغم غضب الرجال الذين يعيشون على حلم غرس راياتهم في نبتات جديدة كل مرة، ناموا بخوف محرق على نعيم يجتث.
في مدينة النهر الأبيض حدث انقلاب عجيب، الشرطة تبحث عن السارق، وعن المسروقات، منعت التفاصيل عن الصحف المحلية، ووقفت محطات الفضاء الأجنبية على حدود المدينة، وتوزعت الأقمار الصناعية تحاول رصد الفتاتين، وتحركت أجهزة الكمبيوتر لتمزج صورا متخيلة عن أثداء مقطوعة، ورسامو الكاريكاتير سخروا من وضع المدينة، أحدهم رسم صورة شرطي يمسك بالمتهم الذي في يديه أربع حمامات بيضاء مشتبها أنها النبتات المجتثة، ساخر آخر رسم تصورا للص نائم على السرير يلعب بأربعة أثداء دفعة واحدة دون ان تكون هناك ملامح غيرة بين اصحابها، في المساء افتتح معرض للفنانين التشكيليين الذين أغوتهم اللعبة بايحاءاتها، احدهم رسم أربعة أهرامات بيضاء ووادعة ، وزار المعرض اكثر بكثير من عدد سكان المدينة، كتاب الأعمدة كتبوا كثيرا عن القضية، طرح أحدهم تخيلا عن فتيات المدينة، كتب ان على فتيات المدينة إغلاق صدورهن بالسلاسل وبالأقفال وآخر وصف عيون الرجال التي تتوزع بحزن وشجن على الصدور الراعشة تحت أثوابها لم يهتم الرجال بالحلي والبشرة البيضاء أو بالارداف، انما بالحمالات وبفتحات الصدور التي بدأت بالاتساع يوما بعد آخر، حزنت الفتيات كثيرا، لقد تباعد الزمن بين الحادث الثاني والحادث المنتظر، تعب بعضهن من الانتظار ولكن بعضهن تمسك بالامل، الحمامات البيضاء تكاد تتساقط من الفتحات الواسعة على الصدور، نقوش الحناء زركشت بذهب الألوان الدوائر المحيطة بالحلمات التي خضبت بألوان عديدة أكثرها يقترب من الاحمرار. حتى تلك الانفراجات بين شهقة وأخرى زينت بالوشم، وظهرت تقليعات اتسمت بالكتابة على الغشاء الجلدي الرقيق، وعندما اقترب موعد الانتخابات في المدينة تنافس المرشحون في إظهار اهتمامهم بالأثداء ، وانهم سيعملون على تغيير شعار المدينة ليكون هذا الذي هو رمز الرغبة والخصوبة والنماء والحنان وسائر الصفات التي اكتسبها بقوة الاجتثاث الذي حدث لأربع نبتات بيضاء.
عاشت المدينة ثورتها الخاصة، انتعش اقتصادها وكثر زوارها، وانعدمت فيها البطالة والفقر، وصدر قرار من حاكم المدينة بتكريم الفتاتين ونقلهما الى قصرين خاصين، وسميت شوارع باسمهما، وصدرت مؤلفات عنهما.
في صباح من صباحات المدينة الحافلة بالنشاط والحيوية، وعلى ناصية شارع ما، تكرر المشهد، نبتتان جميلتان وشهيتان كانتا في شموخ وكبرياء لم تكونا في مكانهما، الحلمتان اللتان أطارتا لب نصف سكان المدينة وغيرة نصفها الآخر خرجتا من الثوب الشفاف الى غير رجعة، حملها أهلها فرحين، وجلسوا يترقبون الأحداث السعيدة المفترضة. جاءت الرياح تعكس التمني، سرت الشائعات جافة ومريبة:
لقد حمل الحسد والجشع أهلها ففعلوا بها ذلك.
يا لهم من قساة، في سبيل المال غامروا بابنتهم.
اللعنة على الفتاة، كان لها اجمل ثديين.
كل فم يقترب منهما كان سيقترب من النعيم.
كانا يكفيان لإشباع نصف سكان المدينة.
من ثورتهما كأنهما حدّي خنجر ينفذان الى القلب مباشرة.
عاد الرعب في المدينة الى التصاعد، الرجال غاضبون مما يحدث، والفاعل دائما مجهول، الفتيات أغلقن فتحات الصدور بعد ان انزاحت الأجواء الأسطورية عن الآثار التي يتركها منجل الحصاد، واصبح لزاما على أي خاطب أن يتأكد أن المنجل لم يمر على خطيبته.
احدث صوت شهريار قطعا في تفاصيل الصوت الشهرزادي طالبا ان يعرف شيئا عن الفاعل.
قالت شهرزاد: يحكى يا مولاي ان الرجل الفاعل كان يديم النظر الى أثداء الفتيات، تعجبه تلك الاستدارات المجنونة تحت الأعناق الراعفة بالنزق المحموم، كلما ازداد اهتمامه ازداد هوسه، أنت تعرف يا مولاي ان الرجل تسقطه نظرة من العين فتتلقف بصره تكورات الصدر حتى إذا سقط بصره مرة أخرى تتلقفه مياعة الخصر ومن ثم انسيابية الساقين، ذات ليلة رأى في نومه من يشترط عليه لتحقيق حلم الخلود جمع أنواع بكر من رموز التوهج والحياة دون أن تتشابه، في الليلة الأولى عاد ومعه نبتتان صغيرتان تتوجهما بقعتان دافئتان لهما لون بني خفيف، في الليلة التالية حصد نبتتين لهما شكل ثمار المانجو التي بلغت حدا في النضج وفي قمتهما حبتا سدر بين النضج واللانضج، وفي الحادث التالي حمل بين يديه عصفورين صغيرين هادئين من حق العالم عليهما أن يقف كل رجاله احتراما لهما، وفي ليال بعد أخرى كانت كفا الفاعل تحصد حمائم وعصافير وفواكه من العنب والزيتون والرمان.
ذات حين من الزمن فاحت رائحة طيبة من بيت الفاعل كست المدينة أريجا لا يقاوم، وقف الرجل يتفقد أرجاء مملكته، أكوام متراصة كأنها الجواهر، ولأنها ليست كأية قطع من اللحم فانها أفرزت روائح عطرية كأن حدائق الزهور أفرجت عن شذاها في لحظات واحدة، خرج الناس من بيوتهم طلبا لهذه الرائحة، أغلقت المحاكم، وهرب السجانون والمسجونون، توقف الشر عن السير في فضاءات المدينة، ألقت الجيوش أسلحتها، عاد الشياطين الى أصفادهم ، نسي البشر وخلافاتهم.
خاف الفاعل من اكتشاف امره، فحمل مقتنياته وسر الخلود قاصدا خارج المدينة، تبع الناس الرائحة، وخلت المدينة من بشرها وحيواناتها وزواحفها، ساروا جميعا خلف الرجل الذي يحمل على ظهره سر الأسرار، ومن ذلك اليوم، وحتى هذه الساعة، يسير سر الإسرار ومن خلفه كائنات مدن كثيرة نحو رائحة النبتات التي اجتثها منجل.
تأخر صوت شهرزاد، وتأخر صوت الديك، تناول شهريار خنجره واجتث نهدين كانا منذ قليل ينعكسان توهجا مع التماع السيف.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نوف
نوف ،هذه الفجر الذي يهب القلوب شرايينها ، وهج قمري يغسل مدينتنا بطهارته ،وبابتسامته التي لا يعادلها شيء ،نوف قصيدتي البكر التي احتفت معي بمرور مواكب القمر ،لكنها دثرتني بالرحيل المباغت ،حين اعتقدت أنني شربت كأس محبتها للمرة المليون ،ركبت الفضاء وغربت بعيدا .
في كل مرة ، بعدها ،حين ادخل الغرفة اشعر أنني اسمع إيقاع ضحكتها كما كنت حين ادلف هذا المنزل أو القصر متعبا ،اجر حزني الشفيف في أعماقي ،نوف لا تصدق أنني أستطيع الحزن وهي معي ،لأنها كائن مركب من كل الشفافية التي خلقها الله في الأرض ، وفي السماء ،افتح الباب ، أحس بأنفاسها ترتاد المكان بحثا عني ، تنتظرني ، تلهب وجهي وعنقي وصدري بقبلات مجنونة ،ارفع رأسي بكلتي يدي ، أقول لها : أعشقك حتى الجنون ،تزيحني بخوف " لماذا تقول هذه الكلمات ،احبك حتى الموت ،أعشقك حتى الجنون ،لا احب هذه الكلمات ترتبط بالحب" .. أغوص بيدي داخل شعرها الليلكي الرائع ، اقف أمامها بصمت ، تنسحب من بين يدي : "هكذا قلت لي كل الذي أريده" .
اصنع قهوتي ،اجرب مرارتها ، تقول لي لا تشرب القهوة ،لأنها مرة ،لا أحب هذه الكلمة ، اسحبها من يدها المرمرية ،أقبلها فأحسد نفسي على هذا التورد الذي أستبيحه ،بين عتمتي انفراجة فستانها الأسود ،يطل ذلك الخيط الحميمي الفاصل بين نهديها الثائرين كنصلي خنجر ،أضع شفتي عليه ،اسمع ضحكتها ترسمني في وجه الشمس كائنا خرافيا،أتحسس نهديها النافرين،اسمع المها العذب ،تقفز كعصفور إلى صدري ،يمنحني الهبات التي قرأتها في كل كتب الأرض .
نوف ،هذه الشفافة العذبة ،حملت حقيبتها ،وفساتينها التي طالما رششت على انفراجاتها البوح الجميل ،أكاد اخرج من نفسي لأنادي نوف ،العمر الذي هرب من عمري ،القلب الذي انبثق كالنور من قلبي ،نوف ،هذه الفراشة الملونة التي هربت من الجنة ونامت على وسادتي .
هذه الليلة الأولى بدونها ، منذ أن اعتدت أن اغزلها كفضة خالصة تتكوم كل ليلة على فراشها المخملي ، كأن هذه الأنثى مغزولة بالمخمل ،جسدها طري وعبق بروائح تزداد توهجا كلما ازداد العاشق في لثمها ، اسبح كل ليلة في سمائها المزركشة بعطر المساءات التي لا تتكرر . " هل أعجبك هذا العطر ؟" أدس انفي في عنقها ،لا أجيبها ، أستحيل نحلة ترتشف خمر الزهر ، لا اتعب ، أحس بالإغماء من هذه العسلية التي اختارتني ، لا ادري لماذا ؟ "قلت العطر وليس رقبتي " أجيبها : " علي بالأحلى ،تتمدد بجانبي ندية وطرية ،بربيعها الثامن عشر اقطفها ربيعا بعد آخر ، وردة وردة ،حبيبتي وطفلتي ودنياي ،حين تغمض عينيها لتنام، اجلس مفتتنا بهذه الأميرة التي هي اكبر من حلمي ، اشعر بالدنيا تهرب مني ، حين أفكر أن نوف ستغادرني ذات مساء قادم ، اقبلها ، تفتح عينيها الناعستين ،تطوقني بذراعيها فأحس منديلين من حرير يحملاني إلى غابة من اللوز ،ألتصق بها اكثر ، مرهقة هذه الأنثى التي هي اجمل من الجمال ،تعريشة حالمة نسيتها آلهة الحب ،أنام بجانب أميرتي ، وأدخل مدن ألف ليلة وليلة .
نوف ،عصفورتي التي غنتني في صباحات سعيدة ،هذا الصباح ،لم ألمحها تنثر شعرها المبلل على عنقها المرمري كما هي عادتها كل صباح حين تخرج ندية من الحمام ، ولن أساعدها على ربط أزرار فستانها واحدا واحدا ، أريدها أن لا تنتهي ،ولن أغازلها كما تعودت أنا ، وكما تتلذذ هي ، في الصباح أحس أن شفتيها صارتا اكثر رقة ،واكثر توهجا ،أريد أن امتصهما وأشاهدهما في نفس الوقت ،كي اشعر بعذوبة ما في فمي ،حين اقترب بشفتي منها تتحول عيناها إلى بياض دافئ لا تنتهي غيومه ،أقول لها ساعديني كي أوقف إعصار هذا الحب قبل أن ينفلت من عقاله ،تغضب من تعقيداتي،انظر إلى عينيها الأجمل ،حين تحزن تزداد الوجنتان حمرة وألقا ، أغرقهما تقبيلا ، هذه الأميرة تقتات من قلبي ، تحرقني بهذه الروعة التي تمتلكها ،وأنا خائف وحزين ،تذهله هذه الخيول المطهمة ،تتعبه بصهيل ضحكتها ،وبشموخ جسدها ،وبعينيها اللتين تؤويان الروعة في احسن لؤلؤتين ،سليلة الملوك ،نوف ،الوحيدة الباقية من سلالة الملكات اللاتي جمعن كل ما في الأرض من حسن ورقة ولذة وشفافية ، منحنه كله لنوف ،ونوف دفء قلبي ،وكل الذي يقال والذي لا يقال .
تجلس نوف قبالتي تمعن النظر في سمائي الغائمة ،ينكسر صرحا زجاجيا في أعماقي ،أحاول إصلاحه ،لكن الزجاج تناثر في الدواخل الشفافة ،نوف،حبيبتي .. تنسل من بين أصابعي ،تبكي بدمع بلوري ناصع ،اشرب دمعها قطرة قطرة ،يختلط كحل العينين بخديها الأبيضين الطريين ،تكاد روحي أن تصعد نزقا حين ألامس خصرها ،احتضنها بقوة خائفا من الآتي ،نوف،وردة عطر تسبح في دمي ، بل هي دمي كله ،تغسلني أمطارها ،عذرا يا نوف ، لا أستطيع أن احتمل هذه الروعة التي هي أنت ، رائعة اكثر من الروعة ،كل المدينة مشغولة بالماسة التي خلقها الله أنثى لا تعادلها أنثى ، وأنا المكبل بحزني وخوفي ، شقي بنفسي ،ابحث عن اللاشيء ،تطاردني عقدي ،وازمنتي ، ماض يزرعني في أمسه خريفا قاتما ،وحاضر هو أنت ، حلم طويل أخاف عليه من انكشاف اليقظة عن خيالاته ،وزمن قادم أكون فيه بدونك ، ارتدت نوف فستانها الأسود رمزا لحزني ،نوف فرحي ،ببياضها وروعتها ،داخل قالب من السواد ، المشهد ثائر ومجنون في ألقه ،تدلف خارج القصر ،تاركة لي قبرا واسعا برخامه ووروده ومجوهراته ،أتوهم أن سماعة الهاتف غير مغلقة فأتأكد منها ،وأن جرس الباب معطلا فاخرج إلى الباب افتحه للقادم ،لكني اسمع صدى صهيل الضحكة يناديني في الداخل ، فأغمض عيني على نوف .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
خشوع
يقرأ الإمام جهرا ،فيتابعونه سرا ،يركع الإمام فيركعون ..
يسجد الإمام فيسجدون ..
ينهض فينهضون ..
يتابعون ما يفعله الإمام،فيتوحدون معه حركيا وعقولهم في مجاهل شتى.
في الركعة الأخيرة ،كانوا وقوفا لأن الإمام كان كذلك ،التفت أحدهم محركا لحيته البيضاء نحو نافذة المسجد ،وتابع عباءة سوداء تتحرك بامرأة تعبر الشارع الموازي للمسجد ،وعندما كبر الإمام ،ركع الرائي وقال :سبحان ربي الأعلى " ثلاث مرات .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المرحومان
في الطرقات المتربة يلتقون ،قادمون وذاهبون ،فلان الفلاني مات ،والجامع يغص بأولئك الذين تتكرر وجوههم صباح مساء ،الحريصون على طبع وجوهه في أعين (فلان الفلاني) صاحب الجاه والأموال ،يتسابق البعض على آنية الحلوى –بعد أن فرغ نصفها في أكياس تذهب إلي البيوت – يقدمونها للضيوف القادمين من كل حدب وصوب .
مئات السيارات داست بعجلاتها طرقات الحارة ،ومناصب كبيرة خلعت أحذيتها الناعمة – تقديسا - أمام جامع القرية .
جاء أحدهم بخبر عن فلان الفلاني الذي مات في فراشه الحقير ، لم يلتفت أحد ،وظل حفارو القبور ممسكين بالأواني الجميلة التي تحمل الحلوى والقهوة كأنهم لم يسمعوا الخبر .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ثقة
تطاير دخان الشيشة الأبيض تاركا وجهي المتسامرين ،وعن قريب كان صوت البحر يلقي هوى سحريا على بوحهما الكاشف ،عن الطفولة ومتاعب الزواج وشقاوة الشباب .. وهما يعبان كوبي الشاي الساخنين أفسحا الوقت لتلك الحكايات الحميمة عن الفتيات الجميلات اللاتي يكسرن جدار العفة نحو روح المغامرة .
- تصور يا صديقي ،لقد اشتريت زجاجة العطر التي رأيتها في المجمع التجاري ليلة البارحة وقلت انه عطر حالم ،كان ثمنه غاليا .
- آه لو تعرف زوجتك .
- نفس الشيء ينطبق عليك .
- لا يا سيدي الكريم ،بيننا ثقة كبيرة .
في ساعة متأخرة من الليل ،عاد أحدهما إلى بيته ،على السرير تنام زوجته ،ينحسر رداء النوم الوردي عن قالبين صغيرين من المرمر ،حين هم بتقبيلهما كانت رائحة عطر حالم تخرج من جسدها وعلى مقربة من السرير زجاجة العطر الذي رآه ليلة البارحة .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مراهقة
تدور المتاهة بي ،في دورانها المستمر ،على النافذة ،أراقب الفراغ الهائم أمامي بالعصافير التي تنقر زجاج النافذة ،بالأشجار التي تحجب اللون الصخري للجبل الشامخ ،يأخذني بصري إلى حائط منزل جارتنا الطيبة ،تختال حفيدتها في مراهقة مجنونة ، يجري – بمرح – زوج عمتها تسرق يده لمسة حانية من صدرها المتكور بعنف كأنها تخفي حبتي سفرجل تحت دشداشتها المزركشة ،تضحك متقافزة من ركن الحائط إلى ركنه الآخر ،زوج عمتها يبتهج أكثر بالضغط على صدرها ،وشبق مجنون يلح عليه أن يضع حلمتها السمراء بين إصبعيه فتتندى شهقة شهية منها : "لا .. أخاف أن يجيء أحد "" .
في نهارات عدة تعاقبت على ذلك اليوم ،صرت أنظر إلى صدرها - ككل مرة -متخيلا أصابع زوج عمتها ،وعندما تعبرني أديم النظر في تكسر مشيتها متخيلا العالم كله .
______________________________________________________
البائعة
وقفت تتأمل الفساتين التي تحيط بها من كل جانب ،كانت تقرأ الأسعار فتحفظها خوفا أن يفاجأها زبون فلا تعرف كيف ترد عليه .
في المساء قال لها صاحب المحل كلاما جميلا ،فلم تعرف أن تبيت ليلتها .
وبعد يوم حدثها عن بيته وإعجابه بها فتذكرت كيف لم تبت ليلتها .
وبعد أسبوع .. نسيت النوم ،وأسعار الفساتين ،وخوفها .
وبعد شهر ..
تحسست بقايا شفاهه ..
وبقايا خطواته ..
وبقايا أنفاسه ..
كان الشوك ينزرع في جسدها ،لم تستطع الجلوس .
ترقبت فارس الليلة الفائتة يغسل عن وجهها آثار الزلازل كي تقف كامرأة ..
لكن الفارس ترك حصانه يعود إلى قراءة الفساتين .
وحتى عندما عاد ،لم يحمل كلاما جميلا ،إنما بعض الريالات وضعها أمام العينين الباكيتين .
_______________________________________________________
الممثلة
تنام فتحلم بالشهرة ..
وتصحو على صوت الهاتف يدعوها للفرصة التي لن تتكرر ..
وحين وضعت قدميها على الخشبة قالوا لها : أنت رائعة ..
وحين جلست لتستريح ملأت حقيبتها بالرسائل وأرقام الهواتف .
.. بعد أسبوع علمت شعرها كيف ينفلت من عقاله ، فطار فرحا في سماء الحرية.
.. وبعد أسبوع آخر علمت جسدها كيف يحتضن ملابسها أكثر فأكثر ،ليتبدى قطعة قطعة .
.. وبعد أسبوع آخر تعلمت كيف تكون نجمة تخطف الأبصار ،وتنفتح لها أبواب سيارات كثيرة تنتظرها ،وتهامس أصواتا عديدة تسامرها حتى الفجر .
.. ويمضي الشهر .
.. ويمضي العام .
كانت تسير بحرقة النازف تاركة طفلا يبحث عن أب ..
فيما تبحث هي عن روزنامة تحسب بها الزمن خلف القضبان .
.. وعلى الخشبة هناك وجه جديد يبحث عن دور جديد .
____________________________________________________
الاحتفال
كادت عيناه تطيران من مكانهما وهو يستلم نصف مليون ريال من المسؤول الأول عن المدينة ،وكاد قلبه أن ينفطر حينما أعطى ربع مليون ريال إلى المسؤول الثالث الذي أكد أن مكافأة المدينة جاءت كبيرة جدا على جهودها في تنظيم الحفل الكبير ،وحينما تسلم أعضاء اللجان وعددهم خمسمائة شخص عشرة ريالات لكل منهم كانوا مسرورين جدا بالمبلغ الذي انتظروه اشهرا طويلة ليعبر السلسلة التراتبية ،والخرافية .
بعد أيام معدودة شاهد الناس مصابيح الحفل الملونة تزين بيت المسؤول الأول ،ومظلة الاحتفال تحمي أبناء المسؤول الثاني _عند لعبهم _ من الشمس و….. و ……و…… .
تذكر الناس المبلغ الذي دفعوه مشاركة منهم في تكاليف الحفل الكبير