شهادة إبداعية

زوينة خلفان

أرشّح أكثر الأعضاء خفاء لكنيسة الجسد

كيف أقول..

عن ارتعاشة جسد في التجربة

يضطرب مثل طفل خالجته الصاعقة..

 

قاسم حدّاد

 

ربّما ينبغي أن يوغل العمر في الامتداد أكثر حتى تتبلور تجربة إبداعية حقيقية وعميقة، ويغدو بالإمكان قراءتها عن بعد، فالطفولة تبقى ملازما حيّا وراهنا يسبق كل خطوة نحو الجديد والصادم غالبا. إذ لا تزال الحياة بالنسبة لي أول خطوة في سلّم طويل لا متناه، وهي تترامى أمامي كخيط مشدود إلى لا مكان ولا زمان، تتداعى الأحداث والشخوص فيها بسرعة مدهشة تسلبني متعة البطء والتأمل.. فأنسى وتضيع ذاكرتي في معمعة الوجود، إذ كلما أحاول الإمساك بخيط تتشابك حوله خيوط كثيرة يصعب فكّها فتتمادى في تشابكها حتى تكبر.. الحياة هي هذه الكتلة المتشابكة من الخيوط الواهية والمشدودة، وهي ليست كما أتصورها أنا أو يتصورها الآخرون، إنما هي بهذا الامتداد والاتساع..

حين أتحدث عن الكتابة، فإنني أتحدث عن الحياة والموت معا، فالكتابة وجه آخر لهما، قادر على التحاور والتواصل معهما.. ثمة هاجس مشترك يجمع الثلاثة هو هاجس المعرفة، المعرفة التي تتشكل في ذواتنا ومحيطنا، وكثيرا ما تكون مفاجئة وصادمة للوعي، لتنقله إلى حياة أخرى هي السؤال والبحث والقلق، ولم يعد البحث عن نبتة الخلود مجديا، فالموت قلق وجودي ينطوي على الاشتهاء والرغبة في التوحد مع الأشياء.. لحظة انعدام الشعور بجدوى الحياة تقودني إلى الكتابة، الملاذ، لينفجر سؤال كبير: هل الكتابة هي الألم، الموت؟! ألا يجدر بنا أن نكتب لحظة الامتلاء بالحياة؟ أينبغي أن نزجّ أنفسنا في طقوس استثنائية حتى نكتب؟! أذكر هنا مقولة للكاتب الروسي الكبير دوستويفسكي:"إذا أراد المرء أن يكتب جيدا عليه أن يعاني.."، وتتجلى المعاناة في تصوري حتى في الفرح، فنحن نتألم أيضا حين نفرح ربما بدون أن نعي ذلك، لكنني أعتقد أن تلك النشوة التي تتلبسنا ونحن نضحك بعمق، تخلق صراعا مؤلما في الداخل، وهو صراع حتما لذيذ، يجعلك غير قادر على النوم أو الاستيقاظ..

حين نكتب نولد أطفالا صغارا مسكونين بسحر الحياة، لكننا نكبر تاركين طفولة في مكان معتم لا تنفك تتمرأى في حياتنا وتشكل تجاربنا كالتمائم المعلقة على أعناقنا ونحن صغارا.. هذه الطفولة في الكتابة تضعني في المواجهة والتحدّي، لأتدرج في التعاطي مع الكتابة وفقا للتجارب التي تمليها الحياة، حتى تكون الكتابة هي الحياة والحياة هي الكتابة. كنت أرتكن إلى كتابة انفعالية تفتقر للنقد والمساءلة، فتخرج الكلمات نزقة وضاجة بالتأفف والنفور، وغالبا ما تنتهي بالموت، الموت بمعناه الضيق، موت الحواس، والانتهاء واللاشيء.. كل ذلك كان يعكس نظرة أحادية للحياة نفسها والتعاطي معها بهذا الانفعال الذي يفترض أن تتناوله الكتابة بمرونة أكثر كردع لهذا التعايش السلبي في الوجود.. وأنا أكبر في الكتابة شيئا فشيئا أشعر أنني لم أصل بعد إلى تلك الكتابة الناقدة والمستفزة، إذ لا بدّ لها وأن تمتزج بقدر لا بأس به من التجربة والمعايشة العميقة للأحداث، لكنني أشعر أنني بدأت أتجه اتجاها آخر في كتابتي يحاول الابتعاد قدر المستطاع عن الاستسهال والدوران حول الذات الذي غدا مستهلكا جدا في كتابات كثيرة، هنالك حياة جديرة بأن تعاش بعيدا عن البكاء والشفقة على الذات.

القراءة بحدّ ذاتها تخلق وعيا ناقدا ينفتح على آفاق رحبة، ويكشف أسرارا كثيرة خبأتها عنا الحياة عندما كنا أطفالا، أحاول في قراءتي أن أبحث عما تخبأه الكلمات، وتتعمد ذهنية الكاتب أو المجتمع ردمه، خاصة إذا كانت ذهنية متورطة في التابو والمسكوت عنه، والقراءة حين تكون متأنية تكون أكثر إمتاعا وتوغلا في القارئ، تستنفر حواسه للبحث والمغامرة.

في طفولتي بدأت أقرأ بالإنصات إلى تلاوة أمي للقرآن وترديدها لأشعار قديمة ولقصص الأنبياء وأحاديث القدماء، تؤديها بمخارج صوتية واضحة ودافئة، ولا يزال بعضها عالقا في ذهني كحكاية الفتاة المسحورة في نزوى وحكاية الطفل المكفوف والقمر وقصيدة البردة ثم كانت هناك حكايات العمة قبل النوم، ترويها عن السحر والليل و الضبع والظبية، وكنا نكافئها بقراءة بطولات المشاهير من كتبنا المدرسية فتطفر عيناها بالدمع، لا أزال أتذكر صوتها المتهدج لسماع قصة المتكلمة بالقرآن.. ذاكرة أبي رغم تقدمه في السن كانت تحتفظ بمغامراته في أدغال أفريقيا ورحلاته الصحراوية فوق ظهر حماره، كان يحكي لنا كثيرا عن امريء القيس وعمر بن أبي ربيعة وأم كلثوم والحرب العالمية.. وكثيرا ما كنت أشعر به يخرج في منتصف الليل حاملا قنديله وفأسه متجها لسقي الزرع في أقصى القرية، لنستيقظ نحن صباحا متلهفين لسماع ما رآه في الليل، لكنه ينكر دائما رؤيته لشيء ما، فهو كما يقول يكثر من قراءة القرآن.

أعتقد أن هذا المخزون الحكائي الشفاهي يتوفر لدى الكثيرين منّا في الطفولة، إذ قلّما نجد عمانيا لا يحتفظ بدفء تلك الأيام، فنحن نستعيدها كثيرا في المساءات الصيفية في قرانا. رغم نشأتي في هذا المحيط العابق بالقدم وأجواء الأسطورة، إلا أنني انصرفت إلى قراءة الأدب الكلاسيكي الغربي بنهم، متمثلا في سلسلة دار العلم للملايين للأطفال والقصص البوليسية التي كثيرا ما نشاهدها في أفلام الكرتون، إضافة إلى قصص الأنبياء وعظماء التاريخ.. وفي مرحلة ما ربما في الثانية عشرة ذهلت برائعة فيكتور هوجو "البؤساء" وتحديدا بشخصية جانفالجان الطريد، قرأتها في ثلاث مراحل عمرية مختلفة، في كل مرة كنت أقرأ ترجمة أكثر تفصيلا وعمقا من سابقتها.. وسكنت بالشخوص والأحداث، كنت أحاول إسقاط بؤس شخوص الرواية على واقع يستعصي على الفهم، وكان ذلك بالكتابة حتى أخذت أوسّع دائرة قراءاتي التي لن تكتمل أبدا بسبب طغيان هاجس وألم المعرفة.

تستغرق الكتابة ليلة كاملة أعتصر فيها ذاكرتي لأكتب ما لم أخطط له من قبل أو أفكر فيه، أمسك بالقلم وأحاول إقناع نفسي بفكرة ما تصلح للكتابة، لكنني أجدني منساقة بوعي أو ربما بدون وعي نحو أفكار أخرى لا علاقة لها بما عزمت عليه مسبقا، ثم أكتشف أن هذه الأفكار لم تأت من فراغ وإنما اختزنت منذ زمن في مكان قصيّ في الذاكرة، أخذت تنمو وتتشكل، وتنكتب في مخيلتي، ساهمت عوالم كثيرة في تشكيلها وخلقها كالزمن والمكان والأحداث والشخوص، هناك كتابة أخرى تتخلق في الداخل وتغربل الأفكار.. لكن المرحلة الأصعب تطغى لحظة كتابة الفكرة على الورقة، تنهبني ساعات طويلة من الليل والنوم لأكتبها، ثم تخرج في نصّ قصير لا يمكنني استعادته أبدا، إذ يخرج عنّي ويصير ملكا لآخر، لا أدري من يكون هذا الآخر بالتحديد، القارئ، الزمن.. أسلم النص للورق وأبحث عن متنفس لأنام.

المكان يشكل حضورا قويا في كتابتي لفرط ما هو متصدع ومشروخ، أحاول استيحاء مادة الكتابة منه ومشاكسته عن بعد، فهو لا يبعث على الحنين والانتماء بقدر ما يضج بالمسافة والنأي والرغبة في التلاشي بعيدا عنه، في المكان الذي أستحضره دوما تبدو القرية امرأة متشحة بالسواد وأزقة ضيقة متربة تنتهي بدكاكين صغيرة ولا شيء آخر، لكن شيئا ما فيها يحرض على الكتابة.. ذلك الاكتناز بالصمت المطبق والفراغ المفتوح على الألم والرهبة، فالقرية هي أول مكان بدأ يتشكل في وعيي، وبدا مأسطرا ومحاصرا بحكايات السحر والخرافة، وثيمة السحر هذه يمكن اعتبارها رافدا مهما للكتابة إذا تمت مقاربتها برؤية إبداعية لا تكتفي بنقل الحدث وتفخيم الأسطورة، وإنما تسعى إلى تحليل ومساءلة هذا الواقع الغاصّ بالسحر..

ثمة مكان آخر يومض بين الحين والآخر في كتابتي، إنه مكان حلميّ وهلاميّ، لا يمكن الإمساك به، ينفتح على آفاق بعيدة جدا أشعر حيالها بالحزن، فهي تبدو نائية ومستحيلة.. قد يكون تشكل مثل هذا المكان ردة فعل عكسية للمكان الأول القرية- وقد يكون محاولة خلق نظرة أخرى للوجود تحولت إلى ما يشبه صدمة في الوعي فيما بعد، فالذات والآخر والمجتمع والدين، كلها صارت مواضيع قابلة للجدل والبحث اللذين يحيلان إلى كسر الكثير من اليقينيات واكتشاف عوالم أخرى ممكنة، وربما لم تتضح هذه المواضيع في كتابتي بعد، لأنها لا تزال تشقّ مسار تحولاتها بقسوة وبخفاء أيضا.

 

هل يكفي أن يكتب الفرد عشرين نصا ليتحدث عن تجربة إبداعية؟ شغلني هذا السؤال كثيرا قبل أن أبدأ بكتابة هذه الشهادة، وأحالني إلى اكتشاف جميل لا علاقة له بالتجربة، هو الكتابة بعينها، فالكتابة أيّا كان توجهها هي اكتشاف لذات، لعالم وأحداث، شعرت أنني بدأت بكتابة نص جديد بعد انقطاع طويل أرعبني كثيرا، وربما تكون مثل هذه الشهادة (النص) هي بمثابة ما يسمى في القاموس التربوي بالتغذية الراجعة، يحتاجها الكاتب بين الحين والآخر، يستقرئ فيها ما كتب ويستشرف ما سيكتب.. ويكتشف أن الدرب لا يزال طويلا وشاقّا ليلتفت إلى ورائه ويرى كم من التجارب راكم في عمره الذي انقضى..

 

زوينة خلفان

2002