أقترن ذكر مصطلح "القرية" في الإنتاج الأدبي في عمان شعراً كان أم نثراً بذكريات الماضي و الحنين و الشوق المتقد لمرابع الطفولة و الطبيعة الفطرية التي جبل عليها أهل القرية في تآلفهم و تداخلهم الاجتماعي. و اقترنت "القرية" كذلك بالحياة الزراعية من خلال التركيز على مفردات و عناصر تلك الحياة من مثل ذكر النخيل و "مواسم القيظ" و "الفلج"
و تتقصى هذه الورقة حضور القرية في عينة من النتاج القصصي في عمان. و هو حضور ظل متحققاً لم يغب أبداً و إن كان قد شهد في فترة الثمانينات انحساراً ملموساً لصالح غلبة و هيمنة حضور المدينة و الانبهار بحياتها كثنائية ضدية بالدرجة التي جعلت المبدعين يركزون على المدينة و يغفلون بالتالي - و لو إغفالا لاشعوريا- استحضار موضوع القرية
و القرية كموضوع لم ترد في النتاج القصصي في التسعينات بصورتها البسيطة المجردة التي لا تحتمل غير معناها الاصطلاحي، لكنها كانت موضوعاً شغل النتاج القصصي و أكتسب خصوصية جعلت منه أنموذجاً تعارفت عليه التجربة القصصية. فهي قرية محاطة بأشجار النخيل و الجبال العالية؛ قرية اقترنت في الأغلب الأعم بأجواء السحر و الجن، قرية تستحل لحم أبناءها لتقتسمه في مهرجان السحرة و من ثم يتحول الأبناء المسحورون إلى كائنات بشرية مسلوبة العقل و الإرادة تتهم بالجنون إلى أن يموت الساحر و تعود الحياة من جديد إلى الروح المسلوبة و ينسب إليها بعد الموت مرة أخرى صفة الولي الصالح الذي تقام على ضريحه النذور. و القرية في ارتباطها بالأجواء الأسطورية ترتبط بالليل الحالك الذي قضى نصفه الأول
و تجدر الاشارة إلى أهمية الدراسة التي قدمها د. أحمد الشتيوي بعنوان " تجليات المكان في القصة العمانية" لتكون مرجعاً مفيداً للدراسات المتعلقة بالتجربة القصصية في عمان. إذ تشير تلك الدراسة إلى أهمية القرية كمستوى مكاني محدد في التجربة القصصية: " فالقاص- حسب رأي الشتيوي- حصر اهتمامه في القرية. فهي حيز مهيمن عليه في جميع أحواله، خارجاً عنها و داخلاً فيها، راضياً بها و رافضاً لها"
و قبل الشروع في الموضوع الرئيسي للورقة، ينبغي التطرق إلى المقصود بمصطلح القرية و حضوره أو غيابه في القصة القصيرة في عمان، ماذا نعني بالقرية و ما هي الخصوصية التي من الممكن أن يمنحها حضور القرية في القصة العمانية؟
المدينة و القرية كطرفي معادلة يمثلان ثنائية متلازمة في الإبداع الأدبي بصفة عامة قصصياً كان أم شعرياً. و حضور المدينة بضوضائها و صدماتها ظاهرة فنية و موضوعاتية في النتاج القصصي لمرحلة الثمانينات، فالكل منبهر بالتغيرات المدينية الجديدة و من ثم الإغراق في الذاتية و الفردية التي استدعت حضور ثيمات الغربة و الحنين و العزلة و الشعور بعدم الانتماء و من ثم سوداوية المشاهد التي أصبحت صبغة تطبع النتاج الأدبي و الفكري. و عليه تولدت لدى المبدع روحاً مائلة إلى رفض الواقع اليومي المعاش و الهروب إلى عالمه الذاتي. و كانت النتيجة أن غُيب و هُمش حضور القرية كموضوع إبداعي ولم يعد يذكر إلا في المقام الذي يتطلب الحنين إلى الماضي بذكريات الطفولة و الحبيبة القروية كأول تجربة حب عاشها القاص في مرحلة مراهقته قبل أن تجذبه حياة المدنية و تغرقه في تجارب و علاقات جديدة. حتى إذا تم التشبع باستحضار المدينة بكل جوانبها كنوع من مسايرة المدنية و التحديث حدث النكوص و العودة إلى منابع القرية لغناها بموضوعات لم تمسسها يد مبدع و بقضايا اجتماعية و سلوكيات حياتية لم تلوثها أو تغيرها المدنية و اختلاط الأعراق و الأجناس و تفاصيل يومية دقيقة ما زالت الفطرية هويتها ما زال أهل القرية يمارسونها فكان حضور القرية بتفاصيلها اليومية مصدراً بكراً و أرضاً غنيةً وفيرة ركن إليها القاص و استغل جميع دقائقها و تفاصيلها. و هذا ما تمثل في نصوص النصف الثاني من تسعينات القرن العشرين. يعرف مختار أبو غالي مجتمع القرية
"في المجتمع القروي يعيش مزارعون مستقرون، يخططون و ينظمون أعمالهم آخذون في اعتبارهم مواسم الحصاد، طموحاتهم محدودة مقصورة على الحاجي و الضروري، و هم يتجاوزون خيبة الأمل بعيدون عن التوترات النفسية الناجمة عن الاحتكاك بالآخرين. و أهل الريف أكثر تجانساً، و لهم خصائص نفسية تميزهم عن الحضريين، كالتمسك بالقواعد الأصيلة للسلوك الجمعي و العرف.. كل ذلك نقيض لخصائص المجتمع المديني الذي يبرز الفردية و سرعة التحرك الاجتماعي و عدم التجانس و تمزق العلاقات الروحية."
و بالتركيز على النص القصصي الحديث في عمان، فإن الحديث عن خصوصية حضور القرية في هذه الورقة ينطلق من ثلاثة محاور رئيسية يفترضها الباحث على اعتبار أنها المحاور الأكثر استحضاراً و تمثلاً في نصوص العينة
أولاً: القرية كمستوى مكاني للأجواء الأسطورية: السحر/ مهرجان السحرة/ بيع المغيب/ الساحر و الضبعة
ثانياً: خصوصية القرية من خلال تحديد العلاقة بين الرجل و المرأة/ بين الرجل و الرجل/ بين المرأة و المرأة
ثالثاً: القرية كمخزون و معجم لغوي قابل للاندثار و الموت، و التجربة القصصية تحاول حفظ ذلك المخزون من الفقد
عينة الدراسةتعتمد هذه الورقة على العينة الانتقائية و هي مقرونة بأكثر النصوص تمثلاً و استحضاراً لموضوع القرية. من الناحية الإحصائية، وصل عدد المجموعات القصصية لمبدعين في عقد التسعينات و السنتين الأول من الألفية الثالثة ما يقرب من 29 مجموعة قصصية، و من خلال استعراضها في المرحلة الأولى و جدت أن ثيمة حضور القرية تحظى بشكل أساسي في 15 مجموعة منها. و نتيجة للفترة الزمنية التي حددت لإنجاز الورقة فقد تمكنت فقط من دراسة سبعة نصوص قصصية تم اختيارها من سبع مجموعات على أمل أن أتمكن من إكمال هذا المشروع مستقبلاً. و النصوص التي تم التركيز عليها وفقاً لاستحضارها القرية هي
1
المسحورة من مجموعة (بوابات المدينة) لمحمد سيف الرحبي الصادرة 19932
خديجة من مجموعة (يوم نفضت خزينة الغبار عن منامتها) لمحمد اليحيائي الصادرة 1998
3
حمالة الحطب من مجموعة (رماد اللوحة) ليحيى سلام المنذري الصادرة 1999
4
القرية التي لا تعرف السحرة من مجموعة (هذيان الدمى) لخالد العزري الصادرة 1999
5
حمال القيظ من مجموعة (حد الشوف) لسالم آل تويه الصادرة عام 2000.
6
جمل من مجموعة (مقاطع من سيرة لبنى إذ آن الرحيل) لجوخة الحارثي قيد الطبع
7
رائحة لا تشبه أحداً من مجموعة تحمل نفس العنوان لبشرى خلفان قيد الطبع
و ليس من المستبعد أن يطرح تساؤل حول سبب التركيز على مادة التسعينات من النتاج القصصي في دراسة حضور القرية، و لعل المبررات التي استدعت تناول مادة الدراسة في التسعينات تعود إلى سببين
الأول: وفرة النتاج الكمي في النصوص القصصية التي حفلت بها مرحلة التسعينات في عمان
الثاني: شكل النتاج القصصي في الثمانينات احتفاء و انبهارا شديد بالمدينة و ما جلبته المدنية لحياة المدن. و نتيجة لذلك الاحتفاء كانت الفردية و الذاتية هما الثيمتان الأكثر بروزا في النص القصصي. و لا يعني ذلك أن نتاج التسعينات خال من الذاتية و الفردية و إنما تكاد لا تشكل ظاهرة واضحة مقارنة بالثمانيناتالقراءة التحليلية
أولاً: القرية كمستوى مكاني للأجواء الأسطورية: السحر/ مهرجان السحرة/ بيع المغيب/ الساحر - ذكراً أو أنثى- و الضبعة
اقتربت النصوص القصصية لتلامس حضور القرية كمستوى مكاني تسيطر عليه الأجواء الأسطورية و الغرائبية المتعلقة بالسحر و المغايبة. إذ حددت هذه النصوص صورة ذهنية لطبيعة القرية، على شاكلة
فالقرية في نص (حمالة الحطب) مكان لا يبعث إلا على مشاعر الهدوء و السكينة من خلال استخدام لمفردات العشب الأخضر الناعم و زخات المطر الخفيف المتراقص كأغنية و صورة الحمامات الملونة التي تبعث على السلام و أمن القرية و صوت خرير الماء في الفلج هي كلها صور تنتقل من النص لتبعث في نفس المتلقي ذات الهدوء و السكينة. فالمنذري في تصويره للمرأة التي تنتابها لحظة المخاض لا تجد مكاناً تلجاً إليه إلا زريبة حيوانات وسط مكان تحفه أشجار الليمون يقول النص "و أشجار الليمون تشهد ولوج امرأة الحطب داخل الغرفة ..حطت حولها حمامات ملونة سرعان ما تحولت إلى رفيقاتها من النساء اللواتي جئن لجمع الحطب و ملء الجرار بالماء من الفلج المكان المعشب و الفلج بعيدان عن البيوت، المطر كأنه فقط يحي البلاد بنغمة غنائية قصيرة و يتوارى خلف الجبال البعيدة المغطاة بالغيوم"
في حين أن نص العزري يبعث في نفس المتلقي و القارئ صورة مخيفة مرعبة من خلال بث مشاهد الموت و الليل المظلم و نعيق البوم و أعالي الجبال البعيدة و تسلل الضوء الشاحب الذي يلتمع وسط الظلام الكثيف؛ يقول النص "قرية نائمة، كان نصف الليل الأول قد مضى، و كانت أشجار النخيل العالية تنصت وحدها لنعيق البوم قادما من أعالي الجبال..و ثمة ضوء شاحب يلتمع وسط الظلام الكثيف عند نهاية منبع ساقية الفلج، ربما كان قنديل أحد المزارعين متجها يقتفي الفلج "
أما نص (المسحورة) للرحبي فيلتقي في قواسم مشتركة مع النصين السابقين، إذ يصر النص على عقد علاقة جدلية بين القرية كمكان و الليل كمستوى زماني لتكون نتيجة تلك العلاقة هو بعث الجو الأسطوري المهيأ للسحر في نفس المتلقي. ف "طرقات القرية التي لا تنام إلا على دقات طبول السحرة أي صراخ هذا الذي تسمعه القرية اللعينة و أي نشيج يجعل الآذان تغمض عينها خوفاً و رهبة" هذا النص منذ المقطع الأول يدخلنا في عالم السحر و المغايبة فخروج المغيب ليلاً و صراخه كأنه مجنون يجعل القرية تكتم أنفاسها و آذانها عن سماع ذلك الصراخ الذي يثير الخوف و الجزع لدرجة لا تقوى القلوب على تحمله، فلا يكون من الناس إلا إدعاء النوم
2- القرية كمكان زراعي تحفه النخيل و الأشجار و تحيطه الجبال العالية التي تعزله عن ما ورائه جغرافياً. مكان مهيأ لأن يكون عالماً أسطورياً يبعث على الوحشة في النفس. فالليل المظلم الكثيف الذي ينصت لنعيق البوم القادم من الجبال العالية البعيدة هو ليل يمهد لمشهد خروج الساحر راكباً ضبعته و من ثم تعلن القرية موت أحد أبناءها. فالقرية في نص (القرية التي لا تعرف السحرة) هي قرية تتهيأ فيها أجواء تبعث السحرة، قرية يغط أهلها في سبات عميق، ليلها حالك مخيف يزيد من رهبته النخيل العالية و الجبال البعيدة و البيوت الطينية و منبع الفلج و قناديل أحد المزارعين يقتفي الفلج، الحواري الضيقة و رائحة الطين القديم. جميعها عناصر تبرز حياة القرية و هي حياة من السهل للمتلقي أن يتخيلها حتى لتبدو للعيان و كأنها مشهد حي معاش. و الليل كمستوى زماني يقترن قدومه في القرية بإعلان الدخول في جو غرائيبي أسطوري. والقرية كما صورها المقطع السابق قرية لها من رائحة التراث و التاريخ ما يكسيها خصوصية لن تنمحي من ذهن القارئ و المتلقي، إذ هي ليست أي قرية و إنما قرية تتضافر معها عوامل الليل و كثافة أشجار النخيل التي من علوها تستطيع أن تسمع أصوات نعيق البوم كإنذار شؤم بقادم سوف ياتي- و كأن التهيئة بإدخال نعيق البوم إنما هو تمهيد لإعلان الدخول في غرائبية المشهد الذي يعلن قدومه بقدوم الضوء الشاحب الذي يلتمع وسط الظلام الكثيف هذا الضوء يتسلل عند نهاية منبع الفلج
و ليل القرية في هذا النص يقترب من نص (المسحورة)، إذ "القرية تنام على جراحها و ساحر القرية يأكل من تلك الجراح..كان سالم في ضاحيته عندما مر الساحر راكباً ضبعته و رأسه ينظر إلى الخلف"
و المفارقة الوحيدة أن نص العزري يشير تلميحاً إلى دخول الساحر متسللا إلى القرية باستخدام "الضوء الشاحب الذي يلتمع وسط الظلام الكثيف عن نهاية منبع ساقية الفلج" و حتى هذا التلميح يداخله نوع من التشكيك و الريبة في تحديد ماهية ذلك الضوء لدرجة أن النص يوهم في المتلقي أن ذلك الضوء قد يكون قنديل أحد المزارعين يقتفي الفلج. في المقابل يأتي نص الرحبي أكثر صراحة و إشارة واضحة إلى دخول الساحر دخول عيني يراه أحد المزارعين في ضاحيته
3- القرية كمستوى مكاني و الليل الحالك كمستوى زماني عوامل تضافرت لتقدم صورة الساحر و ثيمة الموت. فتحديد هيئة دخول الساحر إلى القرية في نص الرحبي ليس متسللاً كما هو الشأن في نص العزري و إنما معلناً طريقة لمعرفته فهو راكب لضبعته و رأسه ينظر إلى الوراء. و هذه الهيئة هي المتعارف عليها في قصص السحر في عمان. و لا أحد يعي سبب ركوب الضبعة و راس الساحر متوجها إلى الخلف و لماذا بالذات الضبعة و ليس حيوان أخر؟
و لعل في صراحة نص الرحبي في تقديم مشهد أسطوري إنما هو نوع من تقديم صورة مطابقة لما تم التعارف عليه، فلا يعمل القارئ عقله في استنباط أو تقصي حقيقة غامضة في النص. فالنص من الناحية التقنية واضح و لا تقدم المفردات دلالات غير دلالاتها المعجمية و لا توجد شفرات ضمنية في النص و القارئ يكاد يفهم النص من القراءة الأولى
في المقابل، تقنية القص في نص العزري تقترب من الدلالات الضمنية و الخفية، إذ النص يحتمل أكثر من تأويل طبقاً لفهم قارئ من أخر. و تكاد تلتبس الأمور في النص لدرجة تتطلب من القارئ القراءة الفاحصة العميقة حتى يدرك المتلقي مغزى النص، فهل أم خديجة ساحرة كذلك تعاونت مع السحرة على بيع أبنتها التي أصبحت في عداد المغيبين الذين تتم المزايدة عليهم في مهرجان السحرة؟ و إذا كانت الأم كذلك فلماذا تعلن النهاية نهايتها و رجوع رأس الابنة إلى الجبال العالية؟ و النص بذلك يدخل في استخدام تقنيات قصصية قائمة على دلالات خفية للمفردات
و اتفق كلا النصين (المسحورة) و (القرية التي لا تعرف السحرة) على الإشارة الصريحة لثيمة السحر و بيع المغيب. فنص (المسحورة) أعلن صراحة تحديد السحر كخصوصية للقرية من خلال إيراد تراكيب "و الجدات يحدثن احفادهن عن المغيب الذي باعه أبوه في سوق بهلا و عن نقصة بهلا المشهورة و بأن من يقف متكئاً عليها سيباع بمزاد علني دون أن يدري ثم يحمل ليذبح وليمة دسمة في مهرجان السحرة"في حين كان نص العزري يقيم تلميحا إلى اجتماع السحرة في الجبال الشرقية لبيع المغيب في مزاد علني مشيراً إلى أن أغلى ما في الضحية هو رأسها "إن عليها أن تأخذ الرأس بأي ثمن"
و يقترب نص (حمال القيظ) من طرح غرائبية مشهد الساحر و الضبعة و المغيب، إذ يرد صوت الشخصية "و عندما أمر ببيت الضبعون المهجور أتذكر كلام أمي، فربما تربص بي مغيب و خنقني. يقولون أن خلف الباب الخشبي الضخم ينام ضبع يطوف بالقرية ليلاً و فوق ظهره ساحر، و السحرة يمتطون الضباع ووجوههم تطيل الإمعان في الجهات التي تتركها الضباع وراءها"
و عليه يمنح توظيف أسطورة بيع المغيب/ صورة الساحر و الضبعة خصوصية للقرية في النص القصصي
4- غلبة المشاهد الأسطورية في النصوص المقترنة بأجواء السحر و السحرة، كتلك التي تصور أم خديجة في نص (القرية التي لا تعرف السحرة) و هي تحرث المزارع في نهاية القرية "تحرث بفأسها-التي تمسك عصاها القصيرة من طرفها بقوة، و عصاها الطويلة التي تضغطها بين أصابع يدها اليمنى من منتصفها- المزارع في نهاية القرية. بعد أن خاضت الخرب المهجورة المتوزعة عليها.."و كالمشاهد التي تصور الأم و تصرفاتها الغريبة في الوقت الذي تتم فيه المراسيم الجنائزية لأبنتها خديجة من تغسيل و تشيع و دفن. هذه المشاهد لها تأثير قوى في نفس المتلقي مما قد تبعث فيه شعور غريب بطبيعة العلاقة بين الأم و أبنتها و كيفية التعامل مع السحرة. المشهد في النص "ففي اللحظة التي كان فيها جسد خديجة ينزل القبر، كانت هي وسط خربة قديمة..، تركز بصرها في زواياها كما لو أنها تبحث عن خرزة، و حين كانت القرية تغسل جسدها كانت هي تصعد البرج الطيني المرتفع في الطرف الغربي من القرية، و ما أن عادت الدار و كان العرق و قليل من الدم يختلطان بالغبار و يتكومان عقداً فوق أصابع قدميها و أسفل كعبيها.."
و تتعمق غرائبية المشاهد في مشهد ذهاب أم خديجة تلبية لدعوة الطارق إلى جبل النسر ممتطية حمارها: "كان حمارها يذرع المسافات إلى جبل النسر مثل براق صاعد إلى السماء، و كان ضوء القنديل يرسم ظلال حركته و الجسد الذي يعتليه رسما ضخماً و مخيفاً. و في الواقع لم يكن حمارها- في تلك اللحظة بالذات-عاديا أو يشبه الحمير التي نعرفها اليوم، و من ثم علينا أن نتصور قوائمه بشكل مختلف، و كذلك منخاريه و ردفيه و أذنيه و حجم بطنه و بعد نظره.."
و تتضح حقيقة أم خديجة في مشهد أكثر غرائبية و هو مشهد مشاركتها لمزاد يقيمه السحرة لبيع المغيبين و خروجها من هذا المزاد حاملة رأس خديجة ملفوفاً في شوال رمادي صغيرأما في نص (المسحورة)، فتكمن الأجواء الأسطورية المعتقة بالخوف و الرهبة كذلك في مشاهد تغسيل و دفن مريم شخصية الحدث- و في مشهد خروج المغيب و عودة الحياة إليه بعد الموت لكنه كما هو الشائع- عود مقترن بالجنون. ففي مشهد التغسيل و الدفن " في ذلك اليوم تعالت أصوات النائحات و الجسد مسجى فوق قنطرة الفلج يمتطي سكون الروح كأن أصوات النائحات لا تعينه..قطنة واحدة ..ثانية..عاشرة و الجسد يتقلب بين أصابع المغسلين و المغسلة تتابع عملها في جسد أمامها..لا دمعة في عينيها و الباقون غائبون في متاهات العويل و الصراخ في موكب رحيل الروح"
فمشهد الجسد المسجى فوق قنطرة، و مشهد إدخال القطن واحدة تلو الأخرى مشاهد تكاد تكون مشاهد حاضرة في ذهن المتلقي
ثم يأتي مشهد عودة الحياة بعد الموت "المغيب" و هي كما ذكرت سابقاً عودة مقرونة بفقدان العقل ثم يموت هذا المغيب مرة أخرى ة يتحول قبره إلى ضريح للأولياء تقام عليه النذور و الهبات كما هو شائع
و لا تخلو لغة القص و السرد في النصوص السابقة من تراكيب و مفردات تتصل بالأجواء الأسطورية و هي مفردات تضيف إلى القرية كموضوع قصصي خصوصية محلية و ذات قيمة كبيرة
ثانياً: خصوصية القرية من خلال تحديد العلاقة بين الرجل و المرأة/ بين الرجل و الرجل/ بين المرأة و المرأة
القرية كوسط اجتماعي يصعب فيه تحديد مهام كل من الرجل و المرأة إذ المهام تتداخل و تتنوع تبعاً لطبيعة كل من الرجل و المرأة. و شاع قديما في القرى إناطة الدور الأكبر للمرأة في تربية الأولاد و الحفاظ على الشرف و العرض و المال إذ أن الرجل غالباً ما يكون مسافراً خارج القرية و قد يكون خارج البلاد. و عليه تكون المرأة هي الواجهة التي يعتمد عليها الرجل الزوج أو الأب أو الأخ في الانتماء إلى القرية
و من خلال عينة النصوص المطروحة، يمكن ملاحظة إجماع غالبية النصوص على تقديم صورة سلبية لعلاقة الرجل بالمرأة و علاقة الرجل بالرجل، فالرجل في غالبية النصوص متسلط كما في نص (جمل) جبان كما في نص (خديجة)، خائن لزوجته كما في نص (رائحة لا تشبه أحداً)، و أخيراً نزق كما هو الشأن في نص (حمال القيظ)و في المقابل تتفاوت صورة العلاقة بين المرأة بالمرأة، فمرة إيجابية أحياناً كما في نص (حمالة الحطب) و سلبية في أحيان أخرى مرة كما في (رائحة لا تشبه أحداً) و نص (جمل)
ففي نص (خديجة) لليحيائي تتضح طبيعة العلاقة بين الرجل و المرأة في القرية من خلال تعرض الزوجة (خديجة) للموت بسبب العنز التي تأخرت في العودة و ذهبت للبحث عنها خوفاً من أن تقع فريسة للذئب و بسبب جبن الزوج و خوفه الشديد على نفسه لم يبذل أدنى مجهود في منع زوجته من الخروج ليلاً. فشفرة الحدث في النص تفسر طبيعة الرجل منذ البداية، " يمعن النظر، فلا يرى من فتحة الباب غير التراب، و ينقل ناظريه بما تسمح به فتحة الباب الموارب فيرى الدجاجة تفتش التراب عن حبة لعلها لم تنسرب منذ رشت خديجة آخر كمشة من الرز"
فالتركيب اللغوي من حيث استخدام الفعل المضارع (يمعن النظر، فلا يرى من فتحة الباب غير التراب.. و ينقل ناظريه..) يحمل دلالة تشير إلى الإمعان و إطالة النظر و التدقيق و الذي يأتي نتيجة الريبة و الخوف و القلق، فالرجل متوار خلف الباب يسترق النظر من فتحة الباب الضيقة. و عبارة (حوش البيت) لها من الدلالة على تضعيف فعل الخوف و القلق إذ أن العبارة تشير إلى أن الرجل متوار داخل غرفة محاطة بحوش البيت الذي هو جزء من البيت و ليس خارجه. و كذلك عبارة (غير التراب) تحمل دلالة أن الرجل كلما دقق من فتحة الباب فأن تلك الفتحة لا تسمح له برؤية شيئاً غير التراب الذي يذكره بمآله و مصيره المحتوم، لذلك فهو ينقل ناظريه كلما رأى التراب و يحولهما إلى شيء آخرو تعود العنز إلى البيت و يظلم الوقت و لا تعود تتأخر خديجة، "حوقل الرجل و زاغ و سحب عصاه و أوغل في الظلمة و صاح: خديجة، و طير السكون الصمت، و صرت الأبواب و خرج القوم و توزع الرجال و الصبية، وولولت النساء و بلغوا الأحراش و لم يعثروا لها على أثر حتى شقشق الفجر فتعثروا بها، بقايا على درب الذئب"
يرسم النص مشهد الزوج بعد استيقاظ ضميره و تجمع أهل القرية عليه لمعاونته في مصيبته التي حلت علي رأسه. و جملة الأفعال الماضية الواردة في المقطع السابق من حيث الدلالة تنقسم إلى قسمين؛ أفعال تدل على الصوت "حوقل- صاح صرت ولولت" و أفعال تدل على الحركة " زاغ- سحب - أوغل - طير- خرج - توزع.."
و في نهاية النص، يدرك الزوج الشعور بالذنب لفقدان خديجة و أن البيت قد خلا عليه و لم يبق له من خديجة سوى رائحتها و أشياءها و العنز التي كانت السبب فيما حدث "جر الذئب خديجة، و أحشاؤها تندلق دماً و مصراناً. كان علي منعها من الخروج. تأمل الروزنة، و قام و تلمس أشياءها و باسها، و نظر إلى النعجة و كانت ساهمة في ظلها تنظر إليه"
أما في نص (جمل) لجوخة الحارثي فالعلاقة بين الرجل و المرأة تبدو من خلال علاقة الشيخ (الأب) بابنته و بين الرجل و الرجل من خلال علاقة الشيخ بأهل القرية متمثلة في علاقته بمبارك و سويد كشخصيات هامشية في النص. فالنص يرسم الشيخ كشخصية محورية من خلال الأوصاف التالية: قيادة متزمتة /سلطة قوية/ عاطفة أبوية يخلطها حزن و شجن. و لعل عبارة ابن سيرين التي ألحقت بعنوان النص (فإن رأى جملا يصول عليه أصابه حزن أو مرض أو خصومه) تحدد هوية الشيخ النفسية
يقدم النص صورة الشيخ كشخصية محورية فيديه " نحتت تفاصيلها البنادق و البيارق و صخر القلعة المنتصبة بمواجهة بيته" و " بدت قدمه المتورمة من أثر السكري.. منذ سنين ذابت كحلم راوغت هذه القدم الرصاص في حروبه مع القبائل الشمالية"
و هي و إن تبدو شخصية متسلطة آمرة ناهية، الجميع يهابها و يحترمها إلا أن علاقته الداخلية بأبنائه قد ورثته شجنا و حزنا عميقا لا يكاد يندمل. فأسماء المتمردة على عادات و تقاليد القرية تطالب بالديمقراطية، و هي نخلة أصيلة ليس لها أن تتمرد إذ التمرد قد يقبل من نخلة غير أصيلة كفرحة زوجة مبارك و لا يقبل من أسماء
و تتضح هامشية الشيخ في علاقته بزوجته التي تدفعه إلى تزويج (مبارك) زوجة ثانية لمجرد أنها تشاجرت مع زوجته الأولى (فرحه)
في المقابل تأتي علاقته بابنته أسماء و التي يقدمها النص على أنهاأولاً شخصية متمردة على كل بال في القرية و تطالب بحرية الرأي و ديمقراطية التفكير معتبرة أن " الديمقراطية ترتقي بالشعوب و البيوت أيضاً" و بأنها " ما عادت ترتدي الدشداشة بل تزج جسدها في الفساتين و التنانير"
و من حيث استخدام الفعل المضارع "تزج" له من الدلالة ما تشي على أن الجسد لم يعتاد على هذه النوعية من الملابس المستوردة التي تفرض على الجسد قيوداً في الحركة و في الجلوس. و هنا نلاحظ موقف أهالي القرية من كبار السن الرافضين لهذه الملابس المستوردة الجاهزة و في المقابل إقبال الشباب عليها لكونه نوعاً من التمرد على اللباس التقليدي الذي اعتاد عليه أهالي القرية. " صر الباب قليلاً ثم لمحت الشيخ في المرآة، لم تلتفت بل انهمكت في تكحيل عينيها.. نظر إلى ملابسها المطرزة بتساؤل، قالت و هي تفتح غطاء البودرة: الليلة عرس أختي..هل نسيت؟"
ثانياً: يصف النص جمال أسماء ذات الطبيعة المتمردة " بها ملاحة لا تكتمل إلا حين ترفع رأسها و تتكلم" و " أمام المرآة واقفة، تهز رأسها بلطف فينثال شعرها كالليل، تلفه و تثبته بشكل مدور ثم تعود لتنثره على كتفها و ظهرها.." و " بها عطر خفيف ما انبثق ليخترق الروح بل تهادى ليلمسها" و " عيناها الجارحتان تلمعان في المرآة كما يلمع خدها البض.. يا الله ما أطولها.. هذه نخلة أصيلة مهما يقذفها لا تطرح إلا أجود التمر"حتى الصورة المرسومة لوصف جمال المرأة قد قرنت بالنخلة رمز الأصالة في الحياة القروية رمز الثبات و الحياة و مصدر الرزق. و العلاقة بين المرأة و النخلة تتضح من خلال رمزية كل منهما، فكلاهما رمز لمنح حياة جديدة و استمرارية الحياة و رمز الصبر و التحمل و العطاء المتواصل
و تتداخل في النص علاقات تقوم بين الشيخ و شخصيات أراد لها النص أن تكون هامشية حتى يسهل تحديد العلاقة بينها و بين الشخصية المحورية في النص الشيخ-
فشخصية مبارك يحمل اسمه الدلالة الظاهرة لأسم (مبارك) و التي تعني التبرك و لكن المعني الخفي للإسم كما يوضحه النص يحمل مدلولات تشي بالشقاء و الحيرة و الضياع. إذ تسبب الشيخ في شقائه، أنه صبي الشيخ الذي يجلس في المجلس و يقدم القهوة و الفناجين. و له من البلاهة في التصرف ما قد يدعو إلى استغلاله و هذا ما أشار إليه النص. اشتراه الشيخ منذ صباه بعد فقد أبيه و أخته، حوار بصوت سويد: " حين ضرب أباك بحبل تحت الشمس حتى كاد يموت..باع أختك من ثلاثين و ما تعرف عنها شيء.. حتى أنت يؤدب حرمتك بتزويجك لأنها رفعت صوتها على حرمته..أنت عبد جبان..ذليل"
و يفرض عليه الشيخ زوجة ثانية تأديباً لزوجته الأولى و انتقاماً منها لأنها رفعت صوتها على زوجة الشيخ
أما الشخصية الثانية التي تقيم علاقة مع الشيخ فهى شخصية (سويد) السائق الخاص للشيخ فقد قدمه النص في صورة مطابقة لاسمه و له من التصرفات ما تشينه و تسود سحنة وجهه. فهو شخص طردته قبيلته و أواه الشيخ و علمه السياقة و لكنه جاحد بالنعمة و يحقد على الشيخ لمناداته إياه بالدجاجة في المجلس نتيجة ترنحه و سكره الدائم و تردده على الزار.
و النص بذلك لا يقدم صورة واضحة ترتكز عليها العلاقة بين الرجل و المرأة و بين الرجل و الرجل. فهذه العلاقة يشوبها الغموض الذي يجعل صعوبة فهم نفسيات أهالي القرى على الرغم مما يقال عن بساطتهم و فطريتهم في التعامل مع الآخرين إلا أن نفسيتهم و ضمائرهم تخفي الكثير من الغوامض و الخفايا، كشخصية الشيخ
أما في نص (رائحة لا تشبه أحداً) لبشرى خلفان فتتضح العلاقة بين الرجل و المرأة و موقف المجتمع الذكوري من المرأة و بين المرأة متمثلة في نساء القرية و بين المرأة الأم كما تمثلها النص. النص يرسم صورة المرأة كأم تتحلى بالوفاء و صيانة شرفها لزوجها الغائب، تربي أولادها الثلاثة الذكور و حبلى برابع. فيأتي المولود أنثى تأخذ من خضرة الشجر لوناً لعينيها. و هو لون يسبب للأم حرجاً و شكاً في عيون أهل القرية و الزوج. في المقابل تأتي صورة الرجل الأب خائن في علاقاته يعمل خارج القرية من خلال هيئة الحلم الذي يراود الأم، و هو حلم ترى فيه الزوج يوزع رائحته على النساء فأحداث القصة تبدأ بشفرة حدث من لحظة أول فعل في النص و هو استيقاظ الأم باحثة عن بقايا البارحة و ربما قليل من مرق "القليه". تأتي لحظة المخاض بدون ضجيج تستدعي جارة لها و تلد بنتاً و تغرق في لحظة حلم متلقفة إياها الملائكة تريها "زوجها يوزع رائحته على النساء يهب لكل واحدة منه حفنة و عندما مدت يدها أخذ وجهه و الرائحة". و هنا توجد شفرة ضمنية لها من الدلالات الخفية ما قد تولد في نفس المتلقي شعوراً بحقيقة الأب و كيف أنه يوزع رائحته على النساء في المقابل حين تمد يدها طالبة حفنة من رائحته يدبر وجهه و الرائحة(مريم) أسم المولودة تراها النسوة حين يتجمعن لشرب القهوة كل صباح فيتغامزن على لون عينيها الذي يشبه خضرة الشجر. تحملها على "شاكلتها" و تغلق بابها. (هنا يتضح صباح القرية و خصوصيته لدى النساء). ثم تدور الأحداث لتصور القصة لحظة لقاء الأب بأبنائه و تتأمل مريم المشهد عن بعد ثم فتح ذراعيه و ارتمت في حضنه و عينيها محملة بخضرة الخلال
و هنا تبدأ لحظة قلق الأب و بأن رائحته لا تقترب من خضرة عيني مريم و هو على يقين بأن الأم نقية كماء " الغيل" و طاهرة كرطبات " الخنيزي". و هنا يوظف النص المثل السائر بأن " العرق يمد لسابع جد" و يبدأ الأب في البحث عن سابع جد و من أين جاءت خضرة عيني مريم فلم يجد غير السمرة فيهم و امتداد الظلمة من جد إلى جد"
أما في العلاقة بين المرأة و المرأة في النص، فبسبب خيانات
الزوج المتكررة و التي ترد كهيئة حلم للمرأة، يصور النص كيف أن الأم في محافظتها على شرفها و عرضها و في تربيتها لابناءها تتعرض للقيل و القال من قبل نساء القرية اللاتي كانت تتناول معهن قهوة الصباح لسبب هي ليس لها دخل فيه بل للأب و مع ذلك فهي المتهمة وحدها ثم سفر الأب و غيابه الطويل الذي يولد معه خيانات كثيرةأما العلاقة الوحيد الإيجابية بين المرأة و المرأة فقد تمثلت في (حمالة الحطب) و لعلها إيجابية حتمتها طبيعة الوضع. و تتبين
العلاقة بين المرأة الحبلى و بين نساء القرية، فالنص يرسم صورة مليئة بالحيوية لامرأة يفاجئها المخاض أثناء احتطابها مع نسوة القرية، فلا يكن منهن إلا أن يحملنها إلى مكان مهجور و يفترشن الأرض بأغطية رؤوسهن. و تأتي صرخة الميلاد ليكون المولود ذكراً وسط عوالم نسائية معتقة بروائح بخور و عطورأما في نص (حمال القيظ) يصور صبي نزق مراهق يسترق النظر إلى النسوة في القرية و تفاصيل الحياة الخاصة بهن في ذهابهن إلى المخاظة أو جلب الماء
و النص مليء بالمشاهد الحية و المعاشة يومياً في حياة القرية و في كل مشهد حشد من المفردات و المسميات التي تكاد تنتهي اليوم من القاموس الاستخدامي. تتكاثف المشاهد في النص لدرجة أن المتلقي أو قارئ النص يشعر و كأنه يخرج من مشهد ليدخل في آخر. و هذه الصورة الحية التي يعيشها المتلقي تحدد طبيعة العلاقة بين الرجل و المرأة و هي علاقة قائمة على الفضول الذي يقود الشخصية المحورية في النص إلى التلصص على غالبية مشاهد النص المتعلقة بخصوصية المرأة في القريةفالشخصية المحورية كلما دخلت في مشهد بغرض التلصص يقابل بالطرد و إكالة اللعنات و يتم توظيف عنصر (الكلب) ليكون الواسطة أو الوسيلة في الطرد
ثالثاً: القرية كمخزون و معجم لغوي قابل للإندثار و الفقد و التركيز على حضور القرية في النتاج الأدبي وسيلة من وسائل الحفاظ على ذلك المخزون.
لم تهتم النصوص المختارة باستحضار القرية من جوانبها الحياتية و اليومية المعاشة فحسب بل اهتمت كذلك بتقديم صورة و لو مقاربة لحيوية تلك القرية و ذلك من خلال إيراد عدد من المفردات و التراكيب التي تتصل بحياة القرية سواء المتعلقة بالطبيعة الزراعية لا سيما في موسم القيظ إضافة إلى تضمن النصوص لبعض الأمثال الشعبية الدارجة
أولاً: مفردات تتصل بالطبيعة الزراعية للقرية يعتبر نص (حمال القيظ) من أكثر النصوص حشداً لمفردات و مسميات تنتمي لحياة القرية ذات الطبيعة الزراعية الجبلية، لدرجة تشعر القارئ و المتلقي أنه لولا وجود قاموس معجمي ملحق بحاشية النص لما تمكن القارئ من فهم و استيعاب النص، إذ أن المفردات و المسميات الواردة تختلف من بيئة إلى أخرى داخل المجتمع الواحد، فكيف الحال بقارئ من خارج هذا المجتمع و من خارج البيئة القروية و تكاد هذه المفردات و المسميات تنفرد بتصوير مشهد القرية في موسم القيظ و صور الأطفال و هم متجهون إلى النخيل حتى ليبدو المشهد للمتلقي و كأنه يحدث أمامه و يعايشه بالمشاهدة و التعاطف مع أولئك الأطفال الذين يتجهون منذ الفجر و يرجعون مع نهاية الضحى و قد اشتدت حرارة الشمسفمشهد النص يصور "الحشيش الرطب ارتاح لوطء القدمين الحافيتين المنسلتين إلى البرادة. أملأ زيلتي، أفرغها في المبدع، أهرع إلى الساقية، ألم منها الأكداس التي رقطتها منذ الصبح، أفرغها في المبدع الثاني حتى يمتلئ". فمفردات (الزيلة- المبدع) لها خصوصية تحدد طبيعة القرية. و استخدام الأفعال المضارعة (أملأ- أفرغها- أهرع- ألم- رقطتها) أفعال لها طبيعة الحركة و القيام بفعل ما إضافة إلى كونها أفعال مضارعة فهي تبعث على حيوية المشهد لدرجة تجعل المتلقي يتخيل مشهد الطفل و هو يرقط و يملأ الزيلة و يفرغها في مبدع ثاني
و يأتي مشهد أخر يكون فيه نفس الطفل راجعاً من النخيل بعد أن أنهى
واجبه في الرقاط لكنه نسى أن يعود بزيلته مملوءة فلا يجد إلا التأنيب من أمه بلهجة غارقة في المحلية محملة بألفاظ القيظ "أكنك ماشي تملي درام. و تنثر الرقاط على الدعن"و بعد أن يكتمل القيظ تبدأ مرحلة جديدة يدخل فيها أهل القرية في مرحلة الجداد " عندما يكتمل القيظ تهمد العظوق، تطرح النغال و الخنيزي و المدلوكي و الخصاب و الخلاص و الزبد و الميناز..يفرشون الحصر و السميم حول النخلة لتلتقط ما يتساقط عند نفض العذوق ثم يخرفون: قفير يرتفع، قفير ينزل، و بين نخلة و أخرى أركض، أربط قفيراً خالياً بميراد الليف "
و يكتظ النص بمفردات و مسميات لأجود أنواع التمور لدرجة أنه لولا وجود القاموس في حاشية النص لما القارئ خارج نطاق المحلية- من فهم المفردات الواردة.
و يأتي نص (رائحة لا تشبه أحداً) في الدرجة الثانية من حيث تضمنه لمفردات حياة القرية الزراعية و القيظ "خضرة الحمد" "رقط الخلال من الضاحية" " "ماء الغيل" "القت" و "رطب الخنيزي" و " السجم"..
ثانياً: الأمثال الشعبية المحلية التي تمثل خصوصية لحياة القرية
يعد استحضار الأمثال الشعبية المحلية دليل على محاولة النص في أن يقترب من توظيف تفاصيل حياة القرية حتى في استخدام اللغة و التراكيب و المثل السائر، و ذلك حتى يشعر المتلقي أن لا قطيعة بين حضور القرية كموضوع يومي معاش و بين توظيف اللغة التي تمثل جزء لا ينفصل عن القرية. فلا يمكن تناول القرية بدون التطرق إلى أدق تفاصيل اللغة و كذلك لا يمكن التطرق إلى اللغة المحلية الدارجة و الأمثال الشعبية بدون أن يكون المؤثر الحقيقي لها هو القريةو يعد نص (جمل) في تناوله لتفاصيل حياة القرية شاهداً على عدم الفصل بين الموضوع و اللغة لذلك وظف عدداً من الأمثال الشعبية التي تخدم و تفسر السياق الذي ورد فيه. فالمثل الشعبي "أدب الحرمة بالحرمة، و إن طولت الثانية لسانها أدبها بالثالثة" يؤكد على طبيعة مجتمع القرية على اعتبار أنه مجتمع ذكوري في ضرورة اتباع طريقة معينة في معاملة المرأة- لا سيما المرأة المتمردة- و هي الزواج عليها زوجة ثانية و ثالثة وهكذا
و المثل القائل " أنفك منك و لو خاس، و يدك منك و لو شلت" يحمل من الدلالة على أن صلة القرابة لا تنفصل أبداً شأنها شأن أعضاء الجسد التي لا يمكن للمرء أن يتبرأ من أعضائه حتى و لو ماتت. و هو واقع حال العلاقات الاجتماعية في القرى على الأقل في صورتها و قالبها التقليدي
و توظيف المثل الشعبي " اللي يودك وده.. و اللي يبغيك إبغيه.. و اللي يضن بروحه شوري عليه إدعيه" يحمل في دلالته معنى عدم بذل الحب لمن لا يعير اهتماماً. و هو مرة أخرى يرتبط مباشرة بعكس تفاعلات الحياة الاجتماعية في القرى على وجه الخصوص و يشير إلى حدود تلك العلاقات و المدى الذي قد تصل إليه إقداماً و إحجاماً
و أخيراً لا تخلو النصوص القصصية من توظيف جمل و مقولات محلية توحي بالتصوير الدقيق لحياة القرية الذي يقارب أو يلامس و لو بدرجات بسيطة الواقع. ففي نص (جمل) يرد استخدام لعبارات محلية دارجة مثل "بعدها بنت رشود لاعبة برأسك" و "تدق برأسها في الجدار خلها و إمش مع حرمتك الجديدة"و كذلك في نص (حمال القيظ) إذ ترد فيه مقولات شعبية متوارثة على سبيل المثال يقال لمن يخرج من بيته في منصف النهار " ما يطلعوا غير المغايبة في نص النهار"
و لمن يمر على المقابر "السلام عليكم يا أهل المدينة: أنتم السابقون و نحن من ورائكم لاحقون"
و في نص (رائحة لا تشبه أحداً) توظيف للمثل السائر " العرق يمد لسابع جد" لدلالة الشك و الظن في عدم انتساب أحد الأبناء إلى أبيه
خاتمة
خلصت هذه الورقة إلى جملة من النتائج
أولاً: التجربة القصصية المعاصرة في عمان لم تغيب أو تهمش حضور القرية كمستوى مكاني و لم تكن هناك قطيعة بين النتاج القصصي و بين حضور القرية في ذلك النتاج
ثانياً: لم توظف القرية في التجربة القصصية توظيفاً سطحياً بسيطاً و إنما وظفت لتحتمل دلالات و إيحاءات خفية تقترب و تفترق عن المفهوم البسيط المتداول للقرية
ثالثاً: من خلال عينة النصوص التي تم التركيز عليها في هذه الورقة، تبين أن حضور القرية في النصوص أرتبط بحياة القرية الزراعية و الجبلية و لم يتم التطرق إلى حياة القرية الساحلية. بدا هذا الحضور متمثلاً في المفردات و الصور و التراكيب التي تصور حياة البيئة الزراعية. على الرغم من أن القرية الساحلية تكون ذات طبيعة زراعية كذلك رابعاً: أرتبط حضور القرية في النصوص القصصية بالأجواء الأسطورية بما فيها من سيطرة السحر و الساحر و المغيب. و هذا الارتباط يدل على حقيقة الصورة الذهنية الكامنة في ذات المبدع لطبيعة القرية و هي صورة تبدو مسيطرة على كتاب النصوص القصصية. فالنص في المقام الأول يعكس رأي و مفكر مبدعه. و لعل العلاقة بين القرية و أسطورة السحر و المغيب تعكس خصوصية المجتمع المحلي. خامساً: تحاول التجربة القصصية من خلال العينة أن تبرز حضور القرية في صورة تكاد تقترب من الواقع و ذلك من خلال توظيف اللهجة المحلية و المفردات الدارجة إضافة إلى الأمثال الشعبية لتنقل مشهداً حياً لشكل القرية و محتواها