شارع يغوص في الظلام

 

يحيى سلام المنذري

الليل موحش يغطي قرى ذليلة تحت أعناق الجبال. المطر يحاول اختراق زجاج السيارة

.. ويداي تمسكان المقود بخوف وحذر .. وعيناي تعبت من ظلام حالك لا يقدر على اختراقه سوى تلك الدوائر الضوئية التي تتطاير من السيارات المتباطئة.

بالأمس كانت لي نظرة معجونة بالتفاؤل والطموح والخيالات الجامحة .. تبدأ بعبور البحر وتمر بقتال عصابة كما يحدث في الأفلام وتنتهي بمضاجعة امرأة : كنز المراهقة المدفون في صحراء خيالاتنا.

أتذكر كل هذا..

وأندم على كل قشعريرة سرت بجسدي وهو في عنفوان شبابه ، قشعريرة الألم وفشل الإشباع لأي جوع. الوحدة في هذا الطريق مؤلمة ، وصوت البرق يرعبني ويوقظني لأخرج قليلا منصندوق التفكير.. وأقف محاربا بسيارتي هذا الشارع المبلول.

لكني أعود مرة أخرى ..

وأتذكر قصة سمعتها عن هذا الشارع ، وارتجف ، أحاول أن لا أتذكرها ، لكنها تسيطر علي، أحاول أن أطردها كما أطرد بعوضة مزعجة ، لكنها تعود مثل مارد وتلدغني في وقت لا أحبه.

***

والقصة عن رجل قاد سيارته في شارع يغوص في الظلام. شاهد رجل آخر يحثه على الوقوف كان يقف على ناصية الشارع. تردد كثيرا ثم أوقف سيارته. ركب ذلك الرجل وطلب منه أن يوصله إلى بيته. ظل ساكتا وأشار له أن ينزله في قريته، وقبل أن يترجل السيارة صرخ وقال:(بعد أن تتركني ، سوف تصادف بعد نصف ساعة من هذه القرية كلب يعبر الشارع .. عليك أن تدهسه .. أتفهم .. وإلا سوف تنقلب سيارتك وتتحطم ..أرجو أن تأخذ بنصيحتي .. ادهسه ولا تتردد وإلا سيكون هذا الشارع قبرك) وحينما هم بمغادرة السيارة وابتعد قليلا اعتقد السائق بأنه شاهد قدمي الرجل وكأنهما تحولتا إلى قدمي حمار .. أغمض عينيه ليجد الرجل قد اختفى .. قرأ آيات من القرآن الكريم .. وظل واجما يتصبب من وجهه العرق .. ولم يحرك السيارة إلا بعد فترة طويلة حينما أدرك أن عليه أن يسرع .. وتمنى أن لا يرى أي كلب يعبر الشارع .. وجعل يقنع نفسه بأنه كان يتوهم رؤية تلك القدمين. وفجأة صادف كلبا يمر أمام سيارته المسرعة .. وقرر فجأة أن ينقذ نفسه وينفذ نصيحة الرجل ويدهس الكلب الذي تطاير جسده أشلاء .. ولم يحاول أن يوقف السيارة بل واصل سيره تجاه بيته .. والرعب يكسر عظامه.. وحينما وصل إلى البيت شاهد جمهرة من الناس ، وسمع

صياحا وعويلا .. وقيل له بأن أباه قد مات بسبب حادث دهس.

***

هذه القصة تجعلني أشاهد العديد من الرجال يقفون على قارعة هذا الطريق ويطلبون مني أن أقلهم إلى قراهم القريبة .. تلك القرى النائمة بين أفخاذ الجبال .. لكنني أهرب منهم فيركضون ورائي ويتحولون إلى حيوانات مختلفة .. أتخيل نقطة وصولي إلى البيت ، حيث أحضن السرير بعمق .. استلذ بالدفء والأمان .. وأنام .. أنام طويلا .. بعيدا عن سطوة الجبال وهذا الشارع الذي يخترقها بصعوبة.

وماذا لو وقفت نساء كثيرات على جوانب هذا الشارع ، ولوحن بأياديهن الناعمات بأن أقف

واقلهن ، طبعا سوف اقف وأحمل الواحدة بعد الأخرى ، ولكن ماذا لو تحولن إلى أفاعي.

نساء .. نساء .. ليتهن يتقاطرن مع هذا المطر ، فأحترق لوعة ، سأرسمهن حوريات يمتطين القمر المختبىء وراء الغيوم.

لكني أعود..

وأكتشف بأنني أقود سيارة صغيرة في بطن شارع نحيل ، ثم أطير من السيارة لأرسم مدنا وقرى تتمتع بالطعن في أجساد سكانها ، ثم يصيبها الجفاف ، ليترقب الجميع انشقاق الأرض بعد يبوسها ، بعد خلوها من آخر قطرة ماء ومن آخر قطرة زيت.

الرعب لا يسبب سوى الهلوسة ، تتفجر في داخلي خيالات مستفزة ، ومرة أخرى .. كل

شيء يبدأ وكأنه طفل يلعب ببراءته ، وبالتدريج يفقدها في صحرائه حينما يبدأ نهدي امرأة يتلألأن في عقله .. وحينما يعرف طعم النقود ، ثم يقفز ويقفز في بطن الحياة إلى أن يسقط في بئر الخونة ، أي خونة وأي هلوسة هذه ، أحاول أن أكون جادا وأنتبه لشبح الطريق الملتوي ، هذا الثعبان الأسود. أحاول إذن أن آكل الوقت والظلام والمطر ، أتخيل .. حلمة نهد متكور تحطم سجنا قماشيا ويهرب ناحية فمي العطش. أتجرع لذة. وأرى السماء تقطر نبيذا. أرتفع بخفة لأقضم قلب فاتنة.

سفينة تحملني على صدر بحر هادىء. رحيق اللذة يسري في عروقي ويحول الظلام إلى

غطاء بارد.

الرعد يفتت المشاهد فتتبعثر ، وأجد نفسي مقذوفا في شارع طويل ، وسيارتي لا تأكل إلا ظلامه. ليت هذا الليل يرسل لي فتاة. ليته يتحول إلى متعة.

 

***

بدأ المطر يخفف من حدته. واصبح ناعما وموسيقيا. تشجعت حينها أن أسمع أغنية لفيروز ، وإذا بي أصل لطريق مسدود ، طابور طويل من السيارات ، في البداية لم أعرف سببه ، ولكن دار في ذهني احتمالين كثيري الحدوث : حادث كبير أو هبوط واد غزير. اكتشفت أنه السبب الثاني.

أطفأت محرك السيارة ومشيت ناحية التجمهر واطمأنت نفسي لوجود كل هذا التجمع أمامي. بدأ الخوف يتلاشى تدريجيا. وبدأت أحداث وشخوص حقيقية تتشكل أمامي وربما تمتعني بعض الشيء. هذا تفسير سابق لأوانه. السماء تضيء وتنطفئ ، برودة جميلة وقطرات مطر خفيفة تقبل وجهي.

الظلام حالك. لا أميّز الوجوه إلا حينما تبرق السماء ، أسمع أصواتا مبحوحة وكسلى ، وأخرى لها زعيق وتذمر.

الماء المتدفق تحول إلى مدية قطعت الشارع إلى نصفين ، أحدثت له جرحا عميقا ، ثم ألقمت الجرح بالحصى والتراب والسيارات الغريقة. إنه هدير ماء ساخط يتدفق من بطون الجبال .. هل المشهد جميل أم أنه مخيف؟ الجميع مشدوه ، صوت يقول : ( لو كان هناك جسر صغير لما حدث كل هذا التأخير والتعب للناس ، في التو فقط اجتزت واد شبيه بهذا الواد ). وصوت آخر يقول :( إنه ثالث واد أصادفه اليوم .. قضيت طيلة اليوم في الشارع مع زوجتي وأولادي .. لو أمتلك سيارة (فور ويل) لما حصل لي كل هذا التعب ). وبالطبع أصحاب السيارات الصغيرة (مثل سيارتي) يرتعدون خوفا من خوض هذا الوادي.

نساء وأطفال داخل السيارات ، أصواتهم مشحونة بالفزع ، حينما أقترب منهم لا أجد سوى عيون قلقة ، الجميع يفكر بالعودة وإذا ما كان سيلتقي بأسرته مرة أخرى أم لا. ألمح سيارة عرس مزينة ، أبحث عن العروس ، فأجدها معصورة بين امرأتين ، ومؤكد أنها مغطاة بشال ثقيل يعيقها من رؤية مشهد الوادي ، وخلف سيارتها حافلتين مليئتين بالنساء الصامتات ، لعلهن أطفأن أغانيهن وزغاريدهن بمجرد أن رأين الوادي. سيارة أخرى بها عريس يخرج رأسه من نافذة السيارة ويزعق في أحد معارفه أن يعجل بإحضار شيء يساعدهم على تخطي هذا الوادي ، فتعاجله امرأة -تطل من إحدى الحافلات- وتقول له : ( لم االاستعجال يا ولدي .. سوف تلحق على نصيبك).

يضحكني المشهد. فالعريس له حظ من المطر ، وسوف يتأخر حظه من الحب. القلق يساوره

بشدة وربما يساور العروس أكثر، تلك المضغوطة بين جسدين ناقمين ومغتاظين. لو كنت في

مكانه نزلت من السيارة وحررت حبيبتي وغصت بها في أعماق الجبال المظلمة. لأفجر

تلك اللذة المجنونة.

الشاحنات ، هذه الوحوش الضارية ، بأنواعها وأحجامها الكثيرة ، منها المكشوف السقف ومنها المغطى ، تقف الآن خائفة أمام الوادي ، لا تستطيع أن تلتهم ما أمامها ، إطاراتها العملاقة قادرة على أن تسحق كل شيء تحتها ، كثيرا ما التهمت سيارات صغيرة مستعجلة في هذا الشارع وقت ما كان ينبض بالحياة ، تفتتها فتتطاير دما يشربه الشارع. والشارع غصن وحيد فروعه صغيرة تمتد لتـثـقب القرى.

والقرى لعبة الجبال المفضلة. والشارع يستحيل في أحايين كثيرة إلى ثعبان ينفث سمه

للسيارات وراكبيها ، يلتف بخبث بين الجبال والتلال ، يرقد في وديان جافة ، وإذا ما امتلأت بالماء تتحول إلى سكاكين تجرح الشارع والناس ، إنه شارع طويل ترقد تحته أرواح بلا أنفاس ربما كانت ذات يوم سعيدة .. ربما.

انتظرت أن يهدأ الوادي .. انتظرت رجلا يركض باتجاه الوادي وله قدمي حمار .. انتظرت امرأة تهديني صدرها .. انتظرت مطرا هادئا .. انتظرت طفولة رحلت وراء الغيوم .. وانتظرت الشارع ..

هذا الشارع المؤلم ..

حتى يستعيد حياته بعد أن يضمد جرحه وانتظرت